الأمة الطامحة و روح المسؤولية
كتبه: كريم الموسوي
حرر في: 2013/09/04
القراءات: 726

لكل شيء ظاهر وجوهر، وهذه قاعدة تنطبق على جميع المظاهـر والكائنات في هذا الوجود.

والأمم ليست مستثناة من هذه القاعدة، فلكل أمة مظهرها البادي للعيان وجوهرها الباطن، ومظاهر الأمم هي هذه التي نشاهدها، ونسمع بها من مثل الثروات الطائلـة والجيوش الجرارة والاعلام الضخم والاقتصاد المزدهر والعقود والاتفاقيات والتحالفات المختلفة وما الى ذلك من المظاهر البارزة.

ولكن ماذا عن الجوهر، وكيف يتسنى لنا معرفة حقيقة المجتمعات والأمم، وكيف نستطيع تحديد مسار حـركة هذه الأمم والمجتمعات، وهل ان مصيرها متوقف على تلك المظاهر؟

هنا يجيبنا القرآن الكريم، فيحدد جوهر الأمم والقوة الحقيقية الفاعلة في داخلها، لا بما نلحظه من مظاهر القوة، إنما المخبر الحقيقي يتحدد طبقاً لما صرح به كتاب الله العزيز في مجموعة مفردات هي:

 

* 1- الايمان..

 والمراد بالايمان تسليم القلب للرب، فمادام الرب تعالى هو الحق، فان الايمان يعني ايضاً تسليم القلب للحق، وتفاعله مع حقائق الكون الجوهرية الناصعة، فالبعض يزعم ان الايمان هو مجرد ترديد اللسان لعبارة التوحيد، في حين انه أبعد من ذلك وأعظم، فالايمان يعني ان يلج نور عظيم الى قلبك فيهتدي به الى عالم الحقائق الساطعة، وان تؤمن اولاً بالله جل وعلا. علماً ان دليل هذا الايمان هو الايمان برسالاته وشرائعه واحكامه ومن ثم التسليم والعمل بتلك الشرائع والاحكام الالهية، لان التنفيذ والعمل هما دليل حصول التسليم.

والتسليم يعني ان نؤدي ونقيم ما أمرنا الله سبحانه به عن طريق كتبه ورسالاته، أداءً واقامة كاملة، وفي هذا المعنى يقول أمير المؤمنين، عليه السلام: «لأنسبنَّ الاسلام نسبة لا ينسبه أحد قبلي ولا ينسبه أحد بعدي إلاّ بمثل ذلك: ان الاسلام هو التسليم والتسليم هو اليقين، واليقين هو التصديق، والتصديق هو الاقرار، والاقرار هو العمل، والعمل هو الأداء، أي ان تسلّم بقلبك، وتصدّق بلسانك، وتؤدّي بجوارحك».

وفي الحقيقة فان هذه الكلمة مستوحاة من حديث امامنا الصادق، عليه السلام، الذي يقول فيه: «الايمان اقرار باللسان، وعقد بالقلب، وعمل بالاركان»، وفي حديث آخر يقول نبينا الأعظـم، صلى الله عليه وآلـه: «ليس الايمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكنّ الايمان ما خلص في القلب وصدّقه الاعمال».

ولذلك نجد ان المؤمنين بالمعنى الذي اتضح لنا يمثلون قلة في المجتمع، والقرآن الكريم يؤكد على هذا الواقع الاجتماعي في قوله: «وَمَآ أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ» (سورة يوسف /103).

وبناء على ذلك فان الايمان ليس مجرد كلمة تنطق وحسب، فالايمان هذا المستوى الرفيع الراقي من الانسانية بحاجة الى مسيرة كاملة. وعلى سبيل المثال فان النبي ابراهيم الخليل (عليه السلام) لم يتحول الى انسان مؤمن إلاّ بعد ان اجتاز طريقاً طويلاً وصعباً، ولذلك فان الله عز وجل عندما يُثني على انبيائه ورسله، يصفهم بالصلاح والعبودية، فيقول تعالى عن كل منهم: «وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَآ إِنَّهُم مِنَ الصَّالِحِينَ» (سورة الانبياء /86)، أي ان هذا الانسان الذي حُمِّل عبء النبوة، قد سما وارتقى حتى بلغ ما بلغ من الصلاح والايمان والعبودية لله تعالى.

ولذلك لم يكن الصلاح والايمان بالسهولة التي نتصورها، فهما يمثلان قمة الكمال السامقة التي لا يصل اليها إلاّ القلة من الناس. وإذا فرضنا ان البعض منهم بلغ مبلغ الايمان، فانه سرعان ما يتهاوى ـ في الغالب ـ عن تلك القمة إلاّ القليل ممن أنعم الله تعالى عليهم، ولذلك فقد قال سبحانه: «وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ» (سورة سبأ /13).

وهذا هو ديدن القرآن، فليست فيه اشارة ايجابية الى الكثرة، فهو لايتحدث عن الأكثرية عندما يطري ويمدح، بل يشير الى القلّة القليلة. فهو عندما يشير الى الأكثرية فان إشارته هذه هي في الغالب إشارة سلبية كقوله تعالى: «وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِ كَارِهُونَ» (سورة المؤمنون /70).

والسبب في ذلك نجده ونلمسه في الواقع الاجتماعي المعاش، وهو يشمل جميع أصعدة الحياة من حيث سُلّم الرقي في كل صعيد، فالذين يبلغون قمم العلم، سواء على صعيد العقيدة او العلوم الطبيعية والانسانية المختلفة، ربما لا يتجاوزون عدد الاصابع في المجتمعات الانسانية المختلفة. وهذه هي سمة سائدة في الوجود والحياة، فالاشياء الثمينة والمفضلة يتّصف وجودها بالندرة والقلة.

 

* 2- الالتزام المسؤول .. التصدي للمسؤولية..

 وهو ما نقرأ الاشارة اليه في السياق القرآني الكريم الذي يقول: «تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ»، (سورة  آل عمران /110).

فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليسا فريضتين منفصلتين عن الايمان، بل هما ملازمتان له. فالانسان المؤمن لا يكتفي ان يكون مؤمناً في حدود ذاته وحسب فيركن الى الراحة والجلوس دون ان يكون له شأن بغيره من إخوته، فالانسان المؤمن طاقة متفجرة ويتحرك من اجل دعوة الناس الى الايمان والصلاح فلا يهدأ، ولايقر له قرار حتى يبلغ ما بلغه من الايمان، وما اعتقده من عقيدة لغيره في مجتمعه او المجتمعات الأخرى.. ذلك لان قلبه متوهج بالايمان، وهو بطبيعته يمثل كتلة متفجرة تشع ضياءً وحرارة أينما وضعتها.

وعلى هذا فان التصدي للمسؤولية، وتحمل أعبائها هما السمة الثانية من سمات أبناء الأمة الفاعلة، وإذا فقدت هذه السمة فان الأمة ستصاب بما يعرضها للهزيمة والدمار والاندثار، فالامة التي تفقد الايمان والروح المسؤولة تصاب بنقص المناعة الذاتية، فتكون عرضة للانهيار والسقوط لأدنى مشكلة او عارض خارجي يداهم كيانها.

والقرآن الكريم يوضح في صريح آياته هذين الشرطين الاساسيين لفاعلية وتقدم الأمة ورقيها نحو الكمال، ومن ذلك يتبين ان المجتمع المؤمن هو ذلك المجتمع الفاعل المتكامل المتحدي والقادر على مقاومة الهزات ومجابهة العواصف، ولكي يكون كذلك لابد له من الايمان الحقيقي بالله تعالى، ورسالاته، وسننه الكونية، والتصدي للمسؤولية، كما يقول الحديث النبوي الشريف: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته».

والامة التي تفتقر الى هاتين الخصوصيتين الاساسيتين، لابد لها من ان تنتظر النهاية الذليلة المخزية لها، فتصبح متمزقة متفرقة ينهبها ويسرقها كل من هبّ و دبّ، وإن كانت في ظاهرها قوية متينة. والقرآن الكريم يعاتب هذه الأمة ويدعوها الى الايمان والصلاح بعد ان يشير الى سيرتها الأولى في قوله: «كُنْتُمْ خَيْرَ أمة اُخْرِجَتْ لِلْنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ...» (سورة آل عمران /110).

ثم يشير القرآن بعد ذلك الى اهل الكتاب، ويؤكد لهم ضرورة الايمان بالرسالات واستمرارها في قوله: «وَلَوْ ءَامَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرَهُمُ الْفَاسِقُونَ» (سورة آل عمران /110).

فهؤلاء عندما نزل عليهم الكتاب، وعرضت عليهم الرسالة لم يكونوا قد ارتقوا الى مستواهما، فالذين يوفقون للوصول الى هذا المستوى من الايمان والرقي، إنما ينالون ذلك عندما يتفاعلون قلباً وروحاً مع الداعي الى الله تعالى، كأن يكون قرآناً او حديثاً شريفاً او كلاماً لعالم، وعلى سبيل المثال؛ فان الواحد منهم عندما يحضر درساً في التفسير، فانه لا يفهم هذا التفسير عند حدود الدرس فحسب، بل انه يتوسع أكثر من المفسر نفسه.

ثم يستمر السياق القرآني ليتحدث عن اثر الفاسقين على المؤمنين في المجتمع، فينفي ان يكون لهم ضرر إلاّ في اطار الاذى. فهم لايستطيعون ان يؤثروا على نفوس المؤمنين وقلوبهم، ولايمكن ان ينالوا من ايمانهم؛ اللهم إلاّ مايصيب المؤمنين من الاذى بسببهم كما يؤكد ذلك سبحانه في قولـه: «لَن يَضُرُّوكُمْ إِلآَّ أَذىً وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يُنْصَرُونَ»، (سورة آل عمران /111)، فالامة الملتزمة المؤمنة بكتاب الله ورسالاته لا ريب انها ستهزم الأمة الفاسقة، فلا بد من ان يكتب الذل والمسكنة على الفاسقين في الدنيا قبل الآخرة.

وحالة الذلة والمسكنة هذه تستتبع عادة التبعية والخضوع والعبودية للغير. فالذين تضرب عليهم الذلة والمسكنة يغدون اذلاء اينما ولوا وجوههم ماداموا لايؤمنون برسالات الله تبارك وتعالى، ولايعملون بمسؤولياتهم الايمانية.

ففي هذا المجتمع المنحط والامة الفاسدة توجد مجموعة صغيرة صالحة تتلو القرآن في جوف الليل، وتسجد لله تعالى شكراً له، وهؤلاء مؤمنون يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، والله جل جلاله عندما ينزل العذاب على أمة كافرة فاسدة فان هذا العذاب لايشمل القلة الصالحة فيهم.

ومن هنا يتبين لنا ان المسؤولية ذات اطارين هما؛ المسؤولية في اطار الأمة، والمسؤولية في اطار الفرد، وهذا يعني ان المسؤولية لاتسقط عن الفرد كفرد ان تنصلت الغالبية في المجتمع عن حمل اعباء المسؤولية، فليس للانسان ان ينحرف بذريعة ان الأمة سائرة في سبيل الانحراف والاعوجاج، فلابد للفرد من ان يتحمل مسؤوليته وان تملص المجتمع من حمل اعباء المسؤولية الجماعية. فكلتا المسؤوليتين قائمتان، ولكن انعدام احداهما لايعني بالضرورة انعدام الأخرى.


ارسل لصديق