المتحضّر مسؤول في الحياة
كتبه: الشيخ محمد سعيد المخزومي
حرر في: 2013/09/05
القراءات: 1099

المؤمن الذي اعتصم بالله من كل ما يُفسد على نفسه وغيره الحياة والاستقرار والارتقاء، ورجع في أموره إليه سبحانه ثم اتخذ قوله تعالى مرآته إذا ما قرأ: «يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَ أَهْليكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَ الْحِجارَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ» (سورة التحريم /6)، عرف أنه مورد كلام الله تعالى وأنه المشار إليه في هذا الخطاب، وقد جعله خالقه مسؤولاً عن نفسه فيهذبها، وعن أهله ومن يعنيهم أمره فيربيهم على منهاج الوحي، ويعلمهم سبيل الاستقامة، ويثبتهم على طريق المحجة الواضحة مثلما يصنع لنفسه، لأنه مسؤول في أن ينقذهم كما ينقذ نفسه.

ولأن المؤمن يشكّل العنصر المتحضّر في الحياة فهو يرى نفسه مسؤولاً عن حماية المجتمع وصيانته من التردي، كما يعلم أن الفرد والأسرة يشكلان قاعدة المجتمع، فإن كانت القاعدة سليمة، سلِمَ المجتمع وإلا فلا.

كما ورد عن الإمام الصادق، عليه السلام، في قوله: «ما أقرّ قوم بالمنكر بين أظهرهم، لا يغيرونه، إلاّ أوشك ان يعمهم الله عز وجل بعقاب من عنده». (1)

وهذا يوجب على المؤمن أن يربي عائلته ويلتزم توجيه أهله كما يصنع لنفسه، وينقذهم من الخسران المبين ومن خطر يوم خطير.

ثم أن العنصر الملتزم بقيم الحياة ينظر في آفاق الآية القرآنية، فيطّلع من نافذتها إلى خطورة التماهل في توجيه بيته وولده بعيداً عن قيم الحياة، ذلك التوجيه المؤدي إلى سقوط الإنسان نفسه، لأن من لا يكترث بالتغيير، يسقط في قرارة نفسه فيستطبع الرذيلة، ويأنف من ذكر الفضيلة، فتبعات أن يألف الإنسان قيم الباطل ويأنف الحق، كبيرة على النفس.

وقد ورد عن الإمام أمير المؤمنين، عليه السلام، أنه قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أيما رجل رأى في منزله شيئاً من فجور، فلم يغيره بعث الله تعالى بطير أبيض فيظل ببابه أربعين صباحاً فيقول له كلما دخل وخرج: غيِّر غيِّر، فإن غيَّر، وإلا مسح بجناحه على عينيه، فان رأى حُسناً، لم يره حُسنا، وان رأى قبيحاً لم ينكره». (2)

ولعل الطائر الابيض كناية عن مَلك من ملائكة الله تعالى ، ومناداته على بابه حين خروجه وحين دخوله، وخزاً لضميره عبر هتافٍ في داخله وتأنيباً له على سكوته، وإلا فإنه لا يمكن أن يرى ولا يسمع كلام المَلك.

فماذا يعني هذا..؟

إذا لم يغيّر الرجل ما في بيته من فساد خلال أربعين يوماً فقد استطبع الرذيلة وألِفَ السكوت على الباطل وقتل في نفسه حرارة القدرة على التغيير، وهذا خطر عظيم على الإنسان نفسه، بحيث إذا رأى حَسناً لم يكد يراه حَسناً، وإن رأى قبيحاً لم يطق أن يستقبحه فيفقد عندها مناعته الذاتية على مقاومة الفساد، ويخسر قوامه وإنسانيته التي بها يتحسس الخير من الشر، فلا يثأر من معصية، ولا ينتقم من فساد، ولا يغضب لحق.

بينما على العكس من ذلك إذ إنه ومع قدرة التغيير والتوجيه يستطيع أن يغرس في أهل بيته الخير ويقومهم على الطريق الصحيح في الحياة، أما إذا فقد قدرة التغيير ولا يهتم بغرس قيم الخير في أهل بيته فيشجعهم على المعصية، كقطيعة رحم أو أكلٍ محرّم أو شرب معصية، أو قول غيبة وتهمة، أو... أو ... فإنه يوردهم نار الدنيا قبل الآخرة كما في قول الإمام الصادق، عليه السلام:

«لا يزال العبد المؤمن يورث أهل بيته العلم والأدب الصالح حتى يدخلهم الجنة جميعا حتى لا يفقد منهم صغيرا ولا كبيرا ولا خادما ولا جارا. ولا يزال العبد العاصي يورث اهل بيته الأدب السيئ حتى يدخلهم النار جميعا حتى لا يفقد فيها من اهل بيته صغيرا ولا كبيرا ولا خادما ولا جارا»  (3).

من هنا يتبين أن المؤمن المعتصم بالله تعالى في كل صغيرة وكبيرة والمتخذ من قوله عزّوجل، مرآةً له ينظر بها صلاح نفسه من فسادها فيقويها إذا صلحت ويقوِّمها إذا فسدت، وذلك حينما يقرأ الآية السابق ذكرها فيفهم أن مسؤوليته تغيير نفسه أولاً فيضعها على الطريق الصحيح من القول والفعل، والفكر والاعتقاد ثم يجتهد في غرس قيم الخير والصلاح في أهل بيته ومن يعنيه أمرهم، فيكون قد وضع نفسه وأهله على الصحيح في كل شيء وعندها يربح الجميع خير الدنيا والآخرة كما قال الإمام جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام أنه:

«لما نزلت هذه الآية: «يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَ أَهْليكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَ الْحِجارَةُ»،  قال الناس: يا رسول الله كيف نقي أنفسنا وأهلينا ؟

قال اعملوا الخير، وذكّروا به أهليكم، فأدبوهم على طاعة الله».

ثم قال عليه السلام: ألا ترى ان الله يقول لنبيه: «وَ ْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها». (سورة طه /132). وقال تعالى: «وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَ اصْطَبِرْ عَلَيْها وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ وَكانَ رَسُولاً نَبِيًّا * وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ وَ كانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا» (4). (سورة مريم /54-55)

ما نستنتجه هو:

إن المؤمن، هو المتحضر بقيم الحضارة والحياة، يهتم في بناء نفسه وتوجيه أهله على الصحيح في كل شيء، فإذا سمع خيراً أبلغهم وإذا سمع شراً نهاهم وحذرهم لكونه يريد لهم الخير كما يريده لنفسه.

كما قد ورد عن جابر بن يزيد الجعفي عن الإمام الباقر، عليه السلام: قال سمعته يقول: دخل على أبي رجل فقال رحمك الله اُحَدَّثُ أهلي ؟

قال: نعم. إن الله يقول: «يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَ أَهْليكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَ الْحِجارَةُ» وقال تعالى: «وَاْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها». (5)

ويظهر أن هذا الرجل قد جاء إلى الإمام  زين العابدين، عليه السلام، ليسأله ما إذا يخبر أهله بالخير والحق الذي عرفه والاعتقاد الذي تمسَّك به؟ فأجابه الإمام، عليه  السلام، بالإيجاب.

وهذا يكشف عن مسؤولية رب الأسرة في تبليغ أهله كل خير وتنبيههم من كل شر.

وتلك هي تعاليم الوحي في بناء الإنسان على الاستقامة في الحياة، لأنه اتخذ الله تعالى عصمته وقوله مرآته، كما قال الإمام الحسين، عليه السلام. 

-----------------

1- جامع أحاديث الشيعة – السيد البروجردي – ج14 /ص411

2- نفس المصدر / ص 410

3- نفس المصدر.

4- نفس المصدر.

5- نفس المصدر / ص 409 – 410.


ارسل لصديق