درسٌ في العبادة من ذكرى الولادة
كتبه: الشيخ إدريس العكراوي
حرر في: 2013/09/05
القراءات: 1069

في اليوم الحادي عشر من شهر ذي القعدة لعام مائة وثمانية وأربعين للهجرة النبويّة الشريفة تشرّفت الدنيا بنور ولادة الإمام الثامن من أئمّة الهدى عليه السلام، أعني ضامن الجنان، علي بن موسى الرضا عليه السلام.. الذي ترعرع في أحضان أبيه الكاظم عليه السلام، وعاش معه أكثر من ثلاثة عقود يحاكي فيها إيمانه وتقواه، مقتدياً به في جميع خصاله حتى مثّل أباه في جميع جوانب شخصيّته، فكان هو في إيمانه وتقواه وقيمه ومبادئه وعلمه وفضله، وهكذا حتى نال ثناء الجليل تبارك وتعالى، على لسان أحبّته، وافتخار أبيه وإشادته، فقد ورد في «كشف الغمّة» و «أعيان الشيعة»: أنّ الإمام الكاظم عليه السلام قدّم ولده الرضا عليه السلام إلى الأجلاء من أبنائه، و أوصاهم بخدمته، والرجوع إليه في أمور دينهم، فقال: «هذا أخوكم علي بن موسى عالِم آل محمّد.. سلوه عن أديانكم، واحفظوا ما يقول لكم، فإني سمعت أبي جعفر بن محمّد عليهما السلام يقول لي: إنّ عالم آل محمّد لفي صلبك وليتني أدركته، فإنّه سمّي أمير المؤمنين».

وهذه شهادة ما بعدها شهادة من معصوم إلى معصوم، في بيان فضل هذا الإمام عليه السلام، وأهميّة شخصيّته وحياته وأقواله وأفعاله، التي هي عبارة عن جامعة الرضوان ورضا الرحمن، منهاج السعادة في الحياة، والسبيل الموصل للنجاة، فخذ من سيرة حياته دروساً تنجيك، ومواعِظ تغنيك.

والدرس الذي يمكننا أخذه في المختصر هذا، وهو أشرف الدروس وأعلاها: تقوى الله جلّ جلاله، فهي أساس الإسلام ومحوره، وعليها تدور نواهيه و أوامره، وبها يتسامى الناس في درجاتهم، ويتمايزون في مراتبهم، قال تعالى: «إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ»، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: «لا فضل لعربي على أعجميّ، ولا لأبيض على أسود إلاّ بالتقوى»، وفي وصيّته، صلى الله عليه وآله، لأبي ذرّ الغفاري – رضوان الله عليه، قال: «عليك بتقوى الله فإنّه رأس الأمر كلّه».

والإمام الرضا عليه السلام، لم يجسِّد التقوى وحسب، وإنّما كان يوجّه الناس إليها ويرشدهم عليها، فإذا أُشيد بفضله ومكانته وقيل له: «أنت واللهِ خير الناس» أرجع سبب ذلك إلى التقوى، وقال: «لا تحلف يا هذا، خير منّي مَن كان أتقى لله (عزّ وجلّ) وأطوع له، والله ما نسخت هذه الآية: ((وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ))»، ولمّا قيل له: «واللهِ ما على وجه الأرض أشرف منك أباً»، قال عليه السلام: «التقوى شرّفتهم وطاعة الله أعظمتهم».

والمعنى: أنّ خير النّاس هو أتقى النّاس، فشرفه وعظمته، وجليل قدره ومكانته، وسمو مقامه ودرجته، خاضع لدرجة تقواه وطاعته، ألم يقل ربّ العزّة جلّ وعلا: «وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى»، وذلك عن طريق الإكثار من العبادة لله، قال تعالى: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ»، والإمام الرضا عليه السلام، ما عظمت مكانته في القلوب إلاّ لعظيم تقواه، وما عظم تقواه إلاّ لعظيم عبادته كما قال تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا»، ومن جليل مظاهر عبادته ما نقله والي المدينة من قِبل المأمون العبّاسي – وهو الذي كُلِّف بمرافقة الإمام عليه السلام إلى خراسان – حيث قال للمأمون حين سأله عن أحوال الإمام عليه السلام في الطريق: «كان إذا أصبح صلّى الغداة، فإذا سلّم جلس في مصلاّه يسبّح الله ويحمده ويكبّره ويهلّله، ويصلّي على النبي وآله حتى تطلع الشمس، ثمّ يسجد سجدة يبقى فيها حتى يتعالى النهار، ثمّ يقبل على الناس يحدّثهم ويعظهم إلى قريب الزوال، ثمّ يجدّد وضوءه ويعود إلى مصلاّه...»، ثمّ يذكر كيفيّة صلاة الإمام عليه السلام وركوعه وسجوده وخشوعه و...

وقال إبراهيم بن العبّاس في شأنه عليه السلام: «كان قليل النوم بالليل، كثير السهر، يحيي أكثر لياليه من أوّلها إلى الصبح، وكان كثير الصيام فلا يفوته صيام ثلاثة أيّام في الشهر، ويقول: ذلك صوم الدهر، وكان عليه السلام كثير المعروف والصدقة في السرّ، وأكثر ذلك يكون منه في الليالي المظلمة، فمَن زعم أنّه رأى مثله في فضله فلا تصدّقوه».

فالدرس الذي نتعلّمه من الإمام عليه السلام وسيرته، هو الاهتمام بالجانب العبادي وتنميته، وتوثيق العلاقة مع الله جلّت قدرته، فنبادر إلى التوبة، ونسارع إلى الطاعة، ونتسامى إلى درجات التقوى بكل عزم وإرادة، فنحيا في الدنيا حياة السعادة، وفي الآخرة كرامة السيادة.


ارسل لصديق