إضاءات من «النهج» على الطريق
نظافة اللسان وسط نيران المعركة
كتبه: محمد طاهر الصفار
حرر في: 2013/09/05
القراءات: 1040

لا شك أن من يحاول تسليط الضوء على نهج البلاغة، كمن يحاول ان يدلّ على الشمسِ ببصيصِ الفانوس، وان يرفد البحر بالساقية، فهذا الكتاب الذي تناوله الكثير من الشارحين عبر العصور، وكتبوا مقدار ما فهموه منه، واعترفوا بعجزهم و تقصيرهم عن الإلمام بكل ما فيه، قبسٌ من نور صاحبه سيد البلغاء والمتكلمين، أمير البيان علي بن ابي طالب عليه السلام، والكتابة عن هذا الكتاب - بعد كل ما كتب عنه من شروح و تفاسيرــ لا يعدو كونه حافزاً للجيل الحاضر في بثِّ التعاليم الأخلاقية التي رسمها الامام عليه السلام، للنفس البشرية في سبيل خلق مجتمع اسلامي انساني مثالي والاقتداء بتلك التعاليم للارتقاء بالإنسان و المجتمع.

 

* «نهج  البلاغة».. الملهم

فالحديث عن هذا الكتاب كنفس الحديث عن مؤلفه يجل عن الوصف، و يعظم على القلم، فلم ير تاريخ البشرية كتاباً اعظم منه بعد كتاب الله العزيز ولذا قيل في شأنه: «هو دون كلام الخالق و فوق كلام المخلوق»، فهو المرجع الثاني بعد القرآن الكريم في التشريع و الفلسفة والاخلاق والتربية والسياسة و العدالة الاجتماعية التي تحققُ الفوز في الدارين، و هو المعجزة التي انبجست ينابيع من روح ذلك الامام العظيم الذي قال فيه استاذه الاعظم و مربيه و مغذيه بعلومه الالهية الرسول الكريم صلى الله عليه وآله: «يا علي لولا اني اخشى ان تقول فيك فئة من الناس ما قالت النصارى في عيسى بن مريم لقلت فيك مقالة، لا تمر على أحد من الناس الا و اخذوا التراب من تحت قدميك و وضعوه على رؤوسهم».

لقد استهوى هذا الكتاب العظيم عقول عشاق البطولة و العدالة و الحقيقة و الاخلاق و الفلسفة و الحكمة و الادب الرفيع و اصبح الضالة المنشودة للأديب و الخطيب و الفيلسوف والسياسي و الحكيم، على اختلاف طبقاتهم و تباين عقائدهم فتراهم كلهم مأخوذين بما قاله الامام عليه السلام، من المواعظ و النصائح و الحكم و العلوم.

 يقول الشريف الرضي – رضي الله عنه- في مقدمة شرحه لهذا الكتاب العظيم: «اذ كان أمير المؤمنين عليه السلام، مشرع الفصاحة و موردها ومنشأ البلاغة و مولدها ومنه عليه السلام، ظهر مكنونها وعنه أخذت قوانينها و على أمثلته حذا كل قائل خطيب، وبكلامه استعان كل واعظ بليغ، و مع ذلك فقد سبق و قصروا و تقدم و تأخروا لان كلامه عليه السلام، الكلام الذي عليه مسحة من  العلم الالهي و فيه عبقة من الكلام النبوي».

و يقول في خاتمة هذه المقدمة عن سبب تسميته لشرحه بـ «نهج البلاغة» : «ورأيت من بعد تسمية هذا الكتاب بـنهج البلاغة، اذ كان يفتح للناظر فيه ابوابها و يقرب عليه طلابها و فيه حاجة العالم المتعلم و بغية البليغ و الزاهد».

ويؤيد رأي الشريف الرضي، الشيخ محمد عبده في مقدمة شرحه المختصر لهذا الكتاب بقوله: «و لا اعلم اسماً أليق بالدلالة على معناه منه وليس في وسعي ان أصف هذا الكتاب بأزيد مما دل عليه صاحبه ولا ان آتي بشيء في بيان مزيّته فوق ما أتى به صاحب الاختيار».

 

* «أكره لكم أن تكونوا سبابين»

من هنا، لا تنفك حاجة المجتمع في كل العصور - وخاصة في الوقت الحاضر- أن تكون قصوى، للرجوع الى هذا الكتاب و التمسك به و التسلح بتعاليمه للتصدّي للتيارات المنحرفة، و موجات الفساد و الإفساد التي تكالبت على عالمنا الاسلامي لزعزعة الثقة بين الانسان المسلم و دينه، و إبعاده عن أدب القرآن الكريم و أدب نهج البلاغة و أخلاق الإسلام العظيم. و سيرة أمير المؤمنين عليه السلام، باب مدينة علم الرسول صلى الله عليه وآله، التي هي الدستور الإلهي في الأرض لتطبيق شريعة الأنبياء و المرسلين.

 فمن يتأمل في عهد الإمام عليه السلام، إلى مالك الاشتر – رضي الله عنه- عندما ولاه مصر يجد دستوراً كاملاً يمثل قمة الخلق البشري حتى في أوقات ينزع فيها عدوه الى كل دناءة و وضاعة. ومن يستقرئ حياة الامام عليه السلام، يجد تلك الروح الانسانية الكبيرة و الخلق العظيم، يتجلّى في كل جوانب حياته الشريفة. و حتى في الحرب ففي حرب صفين نزل معاوية بجيشه عند نهر الفرات، و استولى على الماء و عندما نزل امير المؤمنين عليه السلام في صفين حال معاوية بين جيش الامام عليه السلام، و الماء، و منعهم ان يشربوا منه و لو قطرة واحدة، فاضر بهم العطش، ولم تنفع كل المحاولات السلمية للحصول على الماء، فأرسل امير المؤمنين عليه السلام، مالك الاشتر في كتيبة من جيشه و استعادوا الماء من اهل الشام في ساعات قليلة، لكن امير المؤمنين عليه السلام، لم يكن يطلب النصر بالجور، كما يطلبه معاوية و امثاله فأتاح لجيش الشام ورود الماء أسوة بجيشه، و رغم هذا الخلق العظيم و هذه البادرة الكريمة التي لو كان لمعاوية أدنى خلق لأدرك أحقية صاحبها و نبله و فضله، و لكنه بدلاً من ان يرعوي و يكف عن طغيانه، فقد تمادى في كفره بسب امير المؤمنين عليه السلام، و صار يأمر اتباعه بسبه و شتمه، و لما سمع اهل العراق سب امير المؤمنين، بادلوهم بالسب و الشتم، و صار الجيشان يتراشقان بهما فما كان موقف الامام امير المؤمنين عليه السلام من ذلك المشهد ؟

ان هذه الروح الكريمة التي تربّت بأحضان الرسالة و تغذّت من خلق النبوة تأبى إلّا ان تزداد سمواً و طهراً و نبلاً، وهذا هو حال العظماء ولو عُدَّ عظماء البشرية لكان في طليعتهم علي بن ابي طالب عليه السلام، فإنه لما سمع سُباب اصحابه أمرهم بالكف عن ذلك و قال: «اني اكره لكم ان تكونوا قوماً سبّابين ولكنكم لو وصفتم اعمالهم و ذكرتم حالهم كان أصوب في القول و ابلغ في العذر». ثم قال لهم : «قولوا مكان سبكم: الهم احقن دماءنا و دماءهم و اصلح ذات بيننا و بينهم و اهدهم من ضلالتهم حتى يعرف الحق من جهله و يرعوي عن الغي و العدوان من لهج به».

هذه صورة واحدة من جوانب شخصية امير المؤمنين المشرقة، بكل جوانبها والتي لو تحلّى بها المسلمون لأصبحوا من أرقى الأمم، ولما وجد اعداء الاسلام مكاناً لزرع التكفير و الارهاب و التفرقة و السباب بينهم .


ارسل لصديق