(فقه الإستنباط؛ دراسات في مبادئ علم الأصول)
إرهاصات مدرسة أصوليّة جديدة
كتبه: هيأة التحرير
حرر في: 2013/09/05
القراءات: 773

مثّل أصول الفقه الإمامي في كل حقبة تاريخية استجابة علمية لجملة من التحديات الحضارية التي كانت تواجه الأمة، وبمقدار ما كان للمسائل العلمية دورٌ في تحريك قضايا علم الأصول وإثاراتها، كان للبعد الحضاري متمثلاً بعامل التحول الاجتماعي دوره هو الآخر. ولا يخفى على أدنى متأمِّل لواقعنا المعاصر حجمُ التحولات الحضارية التي مرت بها البشرية خلال القرن الماضي. وعلم أصول الفقه باعتباره العلم الذي يشكل البنية الفكرية التحتية في صياغة طريقة الاستجابة لأي تحد حضاري، وذلك لموقعه كوسيط بين الرؤية الكونية (علم العقيدة) والسلوك العملي (علم الفقه)، فإن استجابته تعد من أهم الأمور في تحديد نجاح أمة ما أو فشلها؛ إذ إنّه مَن يصيغ الفلسفة العملية (القيم والنظم الأخلاقية) في إطار أصول قانونية توجه المتغيرات وتستوعبها.

الكتاب الذي بين أيدينا يمثّل محاولة جادة من قبل سماحة آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرّسي، في تأسيس أصول فقه (نظرية في الإستنباط)، تشكل استجابة بمستوى التحدي الحضاري الذي تمر به الأمة. وعلى الرغم من أن هذا الإصدار الجديد ليس الأول من مساهمات المرجع المدرّسي؛ فقد سبق ذلك أن تناول سماحته هموم آلية الاستنباط والقانون الإسلامي في سلسلة محاضرات دوّنت لاحقاً في كتاب «التمدن الإسلامي»، ثم تلتها الموسوعة القيّمة لسماحته «التشريع الإسلامي؛ مناهجه ومقاصده» والتي استغرق العمل عليها قرابة العشرين عاماً. على الرغم من ذلك فإن هذا الكتاب بجزءَيه الحاليين يعد استكاملاً منهجياً لتلك الجهود من جهة، ومن جهة أخرى فإنه توغّل في التفاصيل وترسيم أكثر وضوحاً لنظرية الإستنباط.

في الجزء الأول منه، يتناول سماحته سؤالاً عريضاً يستغرق الباب الأول من الكتاب مفاده، «لماذا وكيف تجدد مناهج الإستنباط؟»، وفي إطار الإجابة على هذا السؤال فإن سماحته يخصص أربعة فصول يتناول في الفصل الأول منها نظريته في «رد الفروع إلى الأصول» التي هي تعبير آخر (تعبير ورد على لسان أئمة أهل البيت "ع") عن آلية المحكم والمتشابه التي وردت في القرآن الكريم.

وفي الفصل الثاني يتحدث سماحته عن دواعي تجديد مناهج الإستنباط متناولاً العلاقة بين الوحي والعقل والواقع. أما الفصل الثالث فيتحدث عن آلية رد الفروع إلى الأصول ضمن سبع نقاط رئيسة. وفي الفصل الرابع يعالج سماحته فلسفة الخلق والتشريع في إطار محورية «الحق»، وأبعادها ودورها في تفصيل قيم الشريعة المتركّز في حقوق الإنسان وما يستلزم ذلك على المستوى الاجتماعي. في الباب الثاني من الكتاب، تناول سماحته أربعة نصوص محورية من السنة الشريفة تعتبر تفصيلاً لفلسفة الحق في بيان قيم الشريعة في حقائق الإيمان ودعائمه، وانتهاءً بأحكام المكاسب والتجارات، مروراً ببيان شرائع الإدارة والساسة، وأخلاق الحقوق الاجتماعية. يتلو ذلك الباب الثالث والأخير من هذا الجزء الذي تناول إحدى التطبيقات العملية الفقهية لنظرية الاستنباط، وقد عالجت «المسؤولية حكمتها وحدودها»، حيث عالج سماحته مبدأ التكليف، ما يوجبه ويسقطه، متدرجاً من أصلها في الكتاب والسنة، ومتابعة تطبيقاتها الفقهية، وأخيراً مبلوراً مبدأ «قاعدة الحرج» كمسقط للتكليف.

أما الجزء الثاني، فقد تناول فيه سماحة المرجع المدرّسي البحوث الأصولية المتعارفة لكن برؤيته التجديدية. ففي الفصل الأول تحدث عن تعريف علم الأصول وموضوعه، وتناول في الفصل الثاني: تاريخ علم الأصول ومراحل تطوره. وفي الفصل الثالث عالج سماحته مسألة الوضع اللغوي وما يتفرع من بحوث تفصيلية على هذه المسألة. أما الفصل الرابع فيتحدث عن الحقيقة والمجاز والحقيقة الشرعية، في حين يتحدث الفصل الخامس عن بحوث الدلالة، وفي الفصل السادس عن: المعنى بين الصحيح والاعم، ويليه الفصل السابع عن مسألة الإشتراك بين اللغات، وفي الفصل الثامن: استعمال اللفظ في أكثر من معنى. لينتهي في الفصل التاسع والأخير ببحث مسألة المشتق بين الماضي والحاضر.

هذان جزءان من «فقه الإستنباط»، ولعل من المترقب أن تستكمل بقية الأجزاء في المستقبل المنظور لتستوعب بقية المباحث الأصولية بحيث يشكل مجموع الموسوعة دورة أصولية جديدة نوعياً تضاف إلى التراث الإسلامي في هذا الحقل.


ارسل لصديق