[فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً]
كتبه: العلامة الشيخ عبد الغني عباس
حرر في: 2013/10/26
القراءات: 1562

بينما كان كليم الله، موسى ذاهباً إلى المنطقة المقدسة، التي ورد في بعض الأخبار أنها بين مكة ومنى، وقبل أن يطأها بقدميه جاءه النداء الإلهي المقدس طالباً منه الامتثال بخلع النعلين، والخلع كما يقول أرباب اللغة هو نزع الشيء الملبوس، والذي كان عبارة عن نعلين كان الكليم ينتعل بهما، وهنا يمكن حمل القرآن الكريم على ظاهره حيث يأمر الله عز وجل موسى بخلع نعليه، ولأن الظهور حجة يجوز لنا الاستناد إلى هذا الحمل على الظاهر، فيكون المراد حينها التجرد منهما حتى يباشر موسى بقدميه الوادي المقدس فيحظى ببركة الوادي من جهة قداسته... وأما الحمل الآخر فتبعاً لما جاء من روايات مؤولة للنعلين بأنهما خوفان كانا يقلقان النبي، الأول: خوف من ضياع أهله إذ تركها وهي في حالة مخاض. والثاني: خوف من فرعون الذي كان يلاحقه بجيشه العظيم.

ماذا يعني التجرد من النعلين؟ وهل أن المراد منه هذا الخلع لهذا المصداق، أم أن المراد منه شيء أعمق من ذلك؟

يبدو - والله العالم- أن المراد من هذا التجرد والخلع هو التهيئة والإعداد لخطاب الله سبحانه وتعالى، فالكليم موسى كان يعد لأن يكون مبعوثا رسولاً، بعد هذا النداء كما جاء في الآيات وبعدها في الأخبار، والتشرف بهذه المنزلة يحتاج من الإنسان إلى تجرد من قيم الأرض وعلاقات التراب حتى يحظى بتلك العناية الخاصة، ولذلك يشير سماحة المرجع المدرسي – دام ظله- في تفسيره لهذه الآية من سورة طه، إلى أن التجرد من ارتباطات الإنسان وعلاقاته مقدمة لفهم الرسالة بتجرد. ولاشك هنا أيضا بأن العلاقة بين خلع النعلين وبين الوادي المقدس هو أن الإنسان في الأماكن المقدسة يجب أن لا يكتفي بخشوع القلب فقط وإنما يجعل مظهره أيضا دالاً على أنه خاشع لله {سبحانه وتعالى}، وفي الحج أيضا نبدأ الواجب الأول في مناسكه ألا وهو الإحرام، وفي الإحرام يشترط نزع المخيط والتجرد منه، وكما ذكرنا في مقدمة الكلام وكيف أن موسى أمر بالتجرد من النعلين اللتين كانتا عبارة عن مجمل الارتباطات الدنيوية، كذلك الحال هنا في الحج حيث يؤمر الحاج بنزع المخيط واللباس من باب الإشارة إلى التخلي في هذه الأيام المعدودات وما بعدها عن هذه القيود، ولهذا فإن من يطالع تروكات الإحرام يلاحظ أنها في جانب منها دعوة للإنسان بأن يتخلى عن علاقات الأرض وقيم التراب، ولهذا جاء في أحكام الحج حرمة الزينة بكل أنواعها من لبس الثياب التي عادة ما تكون مدعاة للتفاخر والتفاضل بين الناس واستعمال الطيب والاكتحال إذا كان لزينة ولبس الخاتم والساعة والنظر للمرآة كل ذلك إذا كان بقصد التزين، لأن فلسفة الإحرام هي هذا التجرد من كل ما يربط الإنسان بالدنيا.

والانقطاع عن الدنيا ومظاهرها أمر واضح وبين، لأنك إن نظرت إلى الحاج رأيته أشعث أغبر، لا تغيب شمس ذلك اليوم وهو محرم إلا وقد غابت ذنوبه مع زوالها، أو غروبها، قال رسول الله، صلى الله عليه وآله: «ما من حاج يضحى ملبياً حتى تغيب (وفي رواية تزول) الشمس إلا غابت ذنوبه معها».

إننا بهذه الكيفية من الإحرام وبهذا القصد من التوجه، تلامس ذرات ذلك التراب الطاهر أبداننا، فنحظى ببركة تلك المناسك المشرفة التي زادها الله شرفا بتقلب أوليائه فيها من الرسل والأنبياء، لأن الحج هو رحلة عرفانية روحانية تذكر الإنسان بالله والآخرة حتى أن البعض يشبهه بالموت، ونعمّ ما ذكره القطب الراوندي في «لب اللباب»: روي أن أحوال الحج كأحوال الموت، فكما يكتب الإنسان وصيته عند الموت، كذلك عند الحج، وكما يركب على راحلته على الجنازة. وكل امرئ يوما سيركب كارها ... على النعش أعناق العدى والأقارب، وإذا دخل البادية فكأنما أدخل قبره، والاغتسال للإحرام كغسل الميت، ولبس ثياب الإحرام كالكفن وإذا خرج من الميقات فكأنه نشر من قبره، والتلبية إجابة الدعاء، ويرى أشعث أغبر فكأنه خرج من قبره، وكلما سلك عقبة يذكر عقبات يوم القيامة لعله يكفاها.

نسأل الله عز وجل أن يكتبنا من حجاج بيته الحرام في عامنا هذا وفي كل عام.


ارسل لصديق