كيف نستفيد من الحج؟
كتبه: الشيخ زكريا داوود
حرر في: 2013/10/26
القراءات: 1225

الحج عبادة وفريضة تختزن في مناسكها الكثير من المنافع التي لا يمكن لعقل أن يتصورها، ولعل إطلاق الآية الكريمة للمنافع، أحد أهدافه وأسبابه، هو حصول المنفعة للناس بجميع أشكالها ومناحيها، فليست منفعة دنيوية أو في جانب واحد منها، بل هي كذلك منفعة أخروية، وتنكير لفظ «منافع» يوحي بأن هذه المنافع التي يريدها الله للعباد تتحقق عبر هذه الفريضة، وأن حصولها مخصوص بالحج فقط، ونحن إذا تأملنا مناسك الحج رأيناها تحمل مخزوناً هائلاً من المنافع التي تتحقق بعضها لكل الحجاج كما في الحديث الشريف المروي في الكافي عن الامام الباقر، عليه السلام، قال: قال رسول الله، صلى الله  عليه وآله، الحاج ثلاثة: فأفضلهم نصيباً رجل غفر له ذنبه ما تقدم منه وما تأخر و وقاه الله عذاب القبر، وأما الذي يليه فرجل غفر له ذنبه ما تقدم منه ويستأنف العمل في ما بقي من عمره، وأما الذي يليه فرجل حفظ في أهله وماله.

وفي رواية عن الإمام الصادق، عليه السلام، يوضح المفردة الثالثة من الحديث المتقدم، فعندما سُئل الإمام بأي شيء يحفظ فيهم (الأهل والمال)؟ قال عليه السلام: لا يحدث فيهم إلا ما كان يحدث فيهم وهو مقيم معهم.

ويمكننا ونحن نقرأ الروايات الواردة عن الرسول وأهل البيت، عليه وعليهم السلام، أن نستخلص خمسة أبعاد مهمة لهذه المنفعة وهي:

1- البعد الأخلاقـي.

2- البعد السياسي.

3- البعد الثقافي.

4- البعد الاجتماعي

5- البعد الاقتصادي .

ولنركز في حديثنا على البعد الأخلاقي الذي يكتسبه الحاج في رحلته العبادية إلى الله، فمن أهم الجوانب الذي تبرزه هذه المناسك وما تركز عليه فلسفة الحج، حدوث التغيير الأخلاقي في شخصية الإنسان المؤمن إلى الأحسن، وخصوصاً الموالي لأهل البيت، عليهم السلام، فلو نظرنا لأول الواجبات وهو الإحرام لرأينا أنه يركز على إبعاد الإنسان بشكل تام عن الأمور الدنيوية التي تحجبه عن فهم حقائق الدين، وإبعاده عن الامتيازات الظاهرية، والتفاخر بالألبسة الثمينة ذات الألوان البراقة.

هنا الامتحان، والمضمار والمقياس الذي يعرفنا على زيف فعلنا، أو على أصالته وقبوله. الحج هنا وعند هذا الشخص يعتبر ولادة روحية جديدة، فهنا يصحو الضمير، وهنا تبدأ العلاقة بينه وبين مصدر النور والهدى، لأن صاحب القلب الطاهر من الحسد، والكبر، والغل، والرياء، وجميع قبائح الأخلاق، يجعله قادراً على الاستمداد من نبع الطهر، فلتكن هذه الشعيرة بداية التغيير الذاتي، وركيزة التغيير الاجتماعي، وبوابة الانبعاث الحضاري لأمتنا. يمكننا جميعاً أن نشارك في النهضة إذا جعلنا الحج بشعائره ومناسكه، يؤدي وظائفه وأهدافه ولنبدأ من أنفسنا.

 

* الحج وتنمية الشخصية المؤمنة

عادة ما يقف الناس عند الظواهر والشكليات، دون أن ينفذوا في الجوهر والمحتوى، وما يريده الإسلام من المؤمن هو العبور من الظواهر الى الحقائق، وهذا الأمر يحتاج إلى مقدمات عديدة حتى يمكن للإنسان تحقيقه في ذاته، وحتى يصبح قاعدة مطردة في حياته وسلوكه وتفكيره، وهذا ما تريد تكريسه آيات القرآن الكريم، التي تحدثت عن الأقوام وحكت لنا سيرتهم، ففي نهاية الآيات تقول لنا: «إن في ذلك لعبرة لأولي الألباب»، وكلمة عبرة تستبطن حالة العبور من أمر لآخر، فالشكل والظاهر ليس هو الغاية، بل الحقيقة والحق هو الهدف، فهل يمكن أن نحقق هذا الأمر ونحن نمارس أعمال الحج؟ وهل يمكن لنا أن نعبر من خلال هذه الأعمال والمناسك إلى الحقائق والجوهر؟

يمكننا أن نحقق هذا الأمر إذا مارسنا هذه المناسك بحدودها وتأملنا في محتواها وتفكرنا في غاياتها، وعلينا أن ندرك أولاً: إن الدين إنما جعل الحج إحدى المحطات في مسيرة الإنسان العبادية، وركز عليه وحث على فعله لأنه يريد أن ينمي في الإنسان بُعد الإيمان والتسليم لله تعالى، ومن ثم تأتي الغايات الثقافية والاجتماعية والسياسية التي تستبطنها هذه الشعيرة، ولكي يعرف الإنسان قدرته على العبور من المناسك الى الحقائق، لابد أن ينظر إلى ما حققته وتحققه هذه الشعيرة من تغيير في شخصيته، ورسم أبعادها وتحديد أهدافها، وأهم ما يريده الدين من خلال جميع العبادات، لا سيما الحج هو تكريس حب الآخرين والاهتمام بشؤون الأمة ونبذ روح الأنانية وحب الذات، لأن في الحج بذلاً للنفس وتعريضها للتعب والجهد والمشقة، وفيه بذل المال، وفيه الغربة عن الأهل والوطن، كل ذلك يسعى الدين من خلاله لتكريس حب القيم وما يتفرع عنها من حب للآخرين والسعي لصلاحهم، ففي الحج يتكرس شعور الجماعة وتخيّم على ذهنية المؤمن هموم الأمة، وهذه أهم مرحلة من مراحل تكوين الشخصية وبنائها بحيث يكون الإنسان قادراً على الانبعاث الحضاري. ولننظر لهذا الحديث الذي يوضح لنا هذا البُعد المهم في شخصية عبد الله بن جندب أحد أصحاب الإمام الكاظم، عليه السلام، الذين تربوا على القيم وهضموا في نفوسهم أهداف العبادات، يقول ابراهيم بن هاشم: رأيت عبد الله بن جندب في الموقف، فلم أرَ موقفاً كان أحسن من موقفه، ما زال ماداً يديه إلى السماء ودموعه تسيل على خديه حتى تبلغ الأرض، فلما صدر الناس قلت له: يا أبا محمد.. ما رأيت موقفاً قط أحن من موقفك.

قال: والله ما دعوت إلا لإخواني، وذلك أن أبا الحسن موسى، عليه السلام، أخبرني أن من دعا لأخيه بظهر الغيب نودي من العرش: ولك مائة ألف ضعف مثله، فكرهت أن أدع مائة ألف مضمونة لواحد لا أدري يستجاب أم لا.

من خلال هذه النماذج الإيمانية علينا أن نقيس أنفسنا وننظر ما الذي نريد تحقيقه نحن؟ وما الذي يريد تحقيقه الدين منا؟ وهل نتنازل عن ذاتنا وأفكارنا البالية من أجل الأمة وتحقيق نهضة حضارية في هذه الأمة؟ ولنكن نحن وأنتم نواة ومنطلق تكريس الوعي الحضاري والاهتمام بالآخرين وإصلاح شؤون الأمة، وإلا نبقى دون مضمون الحج ومفاهيمه الحقيقية.

 

* الحج والبُعد الثقافي

الثقافة والبُعد المعرفي الواسع والمختلف الأبعاد، هو أهم ما يميز الشخصية الرسالية التي تحمل مشروعاً نهضوياً يستهدف «تحضير» و «إحضار» الأمة، تحضيرها من خلال تكوين قيمي واسع الأبعاد، متشعب الجوانب، يتحرك في جانبين أحدهما الروح وما تحمل من تطلعات لا نهائية، والجسد وما يحمل من حاجات وقتية آنية، هنا يمتاز الفكر الإسلامي عن غيره، إنه يؤصل للإنسان في بعديه الأساسيين.

وفي هذه النقطة بالذات يبدأ الانحراف البشري، فالبعض ينجرف خلف الميتافيزيقيا، تاركاً البعد الفيزيقي، والبعض الآخر يتحمس للبُعد الجسدي فتراه يؤسس كل حياته الفكرية والعملية لذلك، بل في أحيان كثيرة يسعى لتوظيف القيم والأيديولوجيا لإنتاج فكر تبريري يضفي على نوازعه الصحة والحقانية، لكن العقيدة الإسلامية بأبعادها المختلفة وخصوصاً الجانب العبادي، تنفي تغليب أحد الاتجاهين على الآخر، فهي تجعل الممارسة العبادية، حركة اجتماعية وعطاءً ثقافياً ثراً، فكل عبادة لها بُعد ثقافي وجانب اجتماعي ومن خلال وعي ذلك، تتحول العبادة إلى قيم حاضرة، وقادرة على الإحضار، أي إحضار الأمة لممارسة الفعل الحضاري، وهنا يبدأ تشكل الوعي العام لحركة الانبعاث.

ولو سلطنا الضوء على البُعد الثقافي في الحج، هذه الشعيرة التي تحمل مضامين غاية في الثراء، لرأينا الدين يسعى للتكوين الثقافي – الحضاري، في كل نسك وفي كل واجب، وما هذه الثروة من الأدعية التي ترافق الإنسان في كل حركاته وسكناته، إلا تعبير صارخ عن هذه الحقيقة، والثقافة التي يريدها الدين ليست معلومات، أو نظريات تتخطى الواقع العام للأمة، إنما التي تدعوه للتفكر الحر والواسع في الأهداف الحقيقية التي من أجلها بدأ الخلق ومن أجلها وخلالها يستمر، وهذا الوعي المسؤول للأهداف الإسلامية يسلب من الإنسان كل ما هو سلبي ويعطيه كل ما هو إيجابي.

ولنطلع قليلاً على مضامين دعاء الإمام الحسين، عليه السلام، في يوم عرفة، فهو خير مرشد لنا، عندما تتيه بنا السبل.

هذا الدعاء يضع للإنسان الفرد، والمجتمع، والأمة، برنامجاً حضارياً يستوعب آفاق حركة الإنسان في ماضيه وحاضره ومستقبله، وما يريده الإمام الحسين، عليه السلام، منّا أن نقرأ الدعاء من خلال ضبط سلوكنا وفكرنا وحياتنا، وليس فقط من خلال حركة ألسنتنا، ولنقرأ هذا المقطع من الدعاء لنتأمل ما هي القيم والأفكار التي نستفيدها لتغيير حياتنا وواقعنا وسلوكنا وفكرنا للأفضل، يقول عليه السلام: «إلهي أخرجني من ذل نفسي، وطهرني من شكّي وشركي قبل حلول رمسي، بك أنتصر فانصرني، وعليك أتوكل فلا تكلني، وإياك أسأل فلا تخيبني، وفي فضلك أرغب، فلا تحرمني، و بجنابك أنتسب فلا تبعدني، وببابك أقف فلا تطردني».

--------------------

* عالم دين من المنطقة الشرقية بالسعودية


ارسل لصديق