[عرفة].. الطريق إلى الله
كتبه: السيد محمد الصاخن
حرر في: 2013/10/26
القراءات: 1097

لم تكن مقاييس التفاضل والتمايز بين الشعوب والأمم في يوم من الأيام عند الله، عز وجل، مبنية على النظرة المادية والجمالية، بل جعل الله سبحانه وتعالى مقياساً آخر تحدثت عنه الآيات القرآنية في تفضيل أمة على أخرى أو إنسان على أخر ففي سورة الحُجرات يتحدث الباري فيقول: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (سورة الحجرات /13).

وحتى في المناطق الجغرافية لم نجد الباري عزّوجل، فضل بقعة أو منطقة لجمالها أو لطبيعتها الخلابة أو لأنها الأفضل عمراناً أو زرعاً، وإلا لما كانت مكة المكرمة، أقدس وأفضل البقاع عند الله سبحانه وتعالى، أو صحراء سيناء التي يخاطب الله عز وجل، نبيه موسى بأن يخلع نعليه فيها، قال تعالى: {إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ المُقَدَّسِ طُوًى} (سورة طه /12).

فلماذا لم يختر الله مناطق جزر سليمان، أو طبيعة كشمير، أو جنة هولندا، التي يشهد لها الجميع بالجمال والطبيعة.

فنرى الباري يبارك «مكة»، رغم أنها كانت صحراء قاحلة لا يوجد فيها أبسط سبل العيش والحياة، فكانت عبارة عن جبال سوداء محترقة، لا زرع فيه ولا كلأ، حتى كانت خالية من عنصر البشر لصعوبة الأرض والمناخ، ولذلك يعبر عنها نبي الله إبراهيم، عليه السلام، حينما أمره الله أن يسكن زوجته هاجر مع طفله الرضيع إسماعيل فيها: {رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} (سورة ابراهيم /37).

فالله، عز وجل، أراد أن تكون موازين التمايز والتفاضل، غير خاضعة لأهواء البشر، لذلك أصبحت مكة المكرمة بعد ذلك مهوى أفئدة المسلمين، يقصدونه الملايين منهم لكي يأتوا بأقدس العبادات ويقفوا بأشرف البقاع ويتنقلوا في مشاعرها في جو روحاني إيماني عظيم مرددين عبارات التوحيد والتهليل للخالق عز وجل. من هنا؛ «عرفة» كشاهد على ذلك، فالأرض مقدسة، واليوم عظيم، ومناسكها ركن أساسي من أركان الحج لا يتم إلا به. وهكذا نعيش أجواء تلك الفريضة العظيمة في جو ملائكي رائع.

ولعل من أبرز مواقع التشبيه والتقريب ليوم القيامة في الدنيا يتجلى في أرض ويوم عرفة، حيث موقف الحجاج الأكبر ملبين نداء الخالق، ولذلك ركزت الروايات على الوقوف بعرفة حيث ورد عن الرسول الأعظم، صلى الله عليه وآله: «الحج عرفة». وعن أمير المؤمنين عليه السلام، «إن يوم الحج الأكبر، هو يوم عرفة».

ويكمن التشابه بين عرفة ويوم القيامة في أمور:

أولاً: توجه الناس بصورة مهيبة وعظيمة بلباس موحد وبصوت واحد: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك..» إلى أرض عرفات، يذكرنا بخروج الناس من القبور حينما يسمعون نداء الجليل يأمرهم بالخروج إلى لقاء الرحمن.

قال تعالى: {خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ} (سورة القمرة /7). وقوله تعالى: {يَـوْمَ يَخْرُجُـونَ مِـنَ الْأَجْـدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُـبٍ يُوفِضُونَ} (سورة المعارج /43).

ففي الرواية عن يحي بن إبراهيم، عن أبيه، عن معاوية بن عمار، عن الامام الصادق عليه السلام، قال: «قال علي بن الحسين، عليه السلام: أما علمت انه إذا كان عشية عرفة برز الله في ملائكته إلى سماء الدنيا، ثم يقول: انظروا إلى عبادي، أتوني شعثا غبرا، وأرسلت إليهم رسولا من وراء وراء، فسألوني ودعوني، أشهدكم انه حق عليّ أن أجيبهم اليوم، وقد شفعت محسنهم في مسيئهم، وقد تقبلت من محسنهم، فأفيضوا مغفورا لكم، ثم يأمر ملكين فيقومان بالمأزمين هذا من هذا الجانب وهذا من هذا الجانب فيقولان: اللهم سلم سلم، فما تكاد ترى من صريع ولا كسير».

ثانياً: وقوف جميع الناس في مكان واحد ووقت واحد، ليس هناك تمايز بين الغني والفقير أو بين الكبير والصغير الجميع متوجه إلى الله بالدعاء والتوسل، حيث يخرج الإنسان من بوتقة الأنا وسجن المال والملك، وينسى نفسه المتعالية فيقف أمام قرينه الإنسان مهما صغر أو كبر. وهكذا الحال في يوم القيامة حيث وقوف الناس جميعا للحساب أمام الخالق جل ثناؤه.

ثالثاً: مكان الاعتراف: ففي أرض «عرفة» تتسامى روح الإنسان إلى الخالق، في جو عظيم مفعم بالروحانية والتوجه، معترفا بذنوبه وخطاياه أمام الرب الرحيم، ولذلك سميت عرفة بهذا الاسم لهذا المعنى: «يقول معاوية بن عمار سألت أبا عبد الله (الامام الصادق، عليه السلام)، عن عرفات لم سميت عرفات؟ فقال: إن جبرائيل خرج بإبراهيم صلوات الله عليه يوم عرفة فلما زالت الشمس قال له جبرائيل: يا إبراهيم اعترف بذنبك واعرف مناسكك، فسميت عرفات لقول جبرائيل اعترف فاعترف»

ولذلك يعبر الإمام الحسين، عليه السلام، عن هذا المعنى في دعائه العظيم المعروف بدعاء يوم عرفة: «ثم أنا يا إلهي المعترفُ بذنوبي فاغفرها لي، أنا الذي أسأت، أنا الذي أخطأت، أنا الذي هممت، أنا الذي جهلت، أنا الذي أغفلت، أنا الذي سهوت، أنا الذي اعتمدت، أنا الذي تعمدت، أنا الذي وعدت، أنا الذي أخلفت، أنا الذي نكثت، أنا الذي أقررت، أنا يا الهي اعترف بنعمتك عندي، وأبوء بذنوبي فاغفرها لي... إلهي أمرتني فعصيتك، ونهيتني فارتكبت نهيك، فأصبحتُ لا ذا براءة فأعتذر، ولا ذا قوة فأنتصر، فبأي شيء أستقيلك يا مولاي، أبسمعي، أم ببصري، أم بلساني، أم بيدي، أم برجلي، أليس كلها نعمك عندي، وبكلها عصيتك».

كذلك الحال في يوم القيامة حينما يقف الإنسان معترفا بذنوبه وان لم يعترف بإرادته فكل شي يشهد عليه قال تعالى: {وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ} (سورة فصلت /22). والآية الكريمة: {وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا} (سورة الإسراء /13).

إلا أن الفارق الأكبر بينهما، إن يوم القيامة، يوم الحساب والجزاء قال تعالى: {وَنَضَعُ المَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} (الانبياء /47).

بينما يوم عرفة يوم الرحمة والمغفرة حيث ينظر الباري إلى عبادة، فيرحمهم، ولا يخرجون من ذلك الموقف إلا بالمغفرة والمفازة، ويخرج كيوم ولدته أمه مغتسلا من المعاصي والذنوب فعلى المؤمن أن يجتهد لساعات قليلة لكي يفوز بجنة عرضها السماوات والأرض وخلود ابدي في النعيم الإلهي.

ففي الرواية عن يحى بن إبراهيم، عن أبيه، عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام: قال: «الحاج حملانه وضمانه على الله، فإذا دخل المسجد الحرام وُكل به ملكان يحفظانه عليه طوافه وسعيه، فإذا كانت عشية عرفة ضربا على منكبه الأيمن، ثم يقولان: يا هذا أما ما مضى فقد كفيته، فانظر كيف تكون فيما تستقبل».

وجاء في رواية طويلة حول فضل الحج عن الرسول الأكرم، صلى الله عليه وآله: «ويوم عرفة يباهي الله به الملائكة، فلو أحضرت ذلك اليوم برمل عالج وقطر السماء وأيام العالم ذنوبا، أذابه ذلك اليوم...».

ومن دعاء الإمام زين العابدين في يوم عرفة: «هذا يوم عرفة يوم شرفته وكرمته و عظمته، نشرت فيه رحمتك، ومننت فيه بعفوك، وأجزلت فيه عطيتك، وتفضلت به على عبادك».

وليعلم الإنسان مهما كان جرمه ومعاصيه، بان رحمة الله الواسعة في يوم عرفة كفيلة بمحوها وغفرانها، بل هناك ذم وتوبيخ من الله لمن يعتقد بعدم غفران ذنوبه وعدم قبول توبته فقد روي عن أهل البيت، عليهم السلام: «إن من أعظم الناس ذنبا من وقف بعرفات ثم ظن أن الله لم يغفر له».

ويقول الإمام الباقر، عليه السلام: «ما من برّ ولا فاجر يقف بجبال عرفات فيدعو الله إلا استجاب الله له، أما البرّ ففي حوائج الدنيا والآخرة، وأما الفاجر ففي أمر الدنيا».

فكما أن الله أختار بقعاً من الأرض فقدسها وعظمها ليس لجمالها وطبيعتها، وإنما لعلل هو اعلم بها منا، كذلك جعل مقياس التفاضل بين البشر خاضعا لقوانينه هو، فالإنسان بما يكسب من تقوى وعمل صالح يكون مفضلا، وهي أمور كسبية يسعى إليها الإنسان بجهده، إذن؛ لنحول يوم عرفة إلى مناسبة لإزالة غشاوة القلوب، وأغلال النفس، والى تربية وتهذيب النفوس، وننطلق إلى رحاب التقوى والعمل الصالح.

---------------------

* عالم دين من المنطقة الشرقية بالسعودية


ارسل لصديق