الإيمان والفكر
كتبه: كرار عبد الحسين
حرر في: 2013/10/26
القراءات: 918

للفكر البشري دور خطير في توجيه حياة الانسان ذلك لان البشر كائن حر يشترك تفكيره في صياغة حياته اشتراكاً فعالا بينما ينحصر توجيه سائر الاحياء في ردود فعل غريزية واستجابات آلية لاتستطيع تطويرها إلا قليلاً.

ولذلك فقد أولت الفلسفات القديمة والحديثة اهتماماً بالغاً بتوجيه الفكر الانساني في محاولة جادة لهدايته الى سبيل الحق والخير و إنقاذه من الضلالات والأخطاء التي تسبب للبشرية مآسٍ لا تنتهي. فوضعت كل فلسفة نوعاً من المنهج الفكري، و وفقت في إنارة جانب من درب المعرفة، ولكنها بالرغم من ذلك فشلت في اعطاء منهج متكامل للفكر يمنع من الضلالة والخطأ، ويعود السبب في ذلك الفشل الى طبيعة جهلها بجذور مشكلة المعرفة عند الانسان، لوضع حد مناسب لها، فحاولت توجيه الفكر بأساليب جامدة وببرامج مثالية للتفكير، وكانت تشبه في ذلك رجلاً يحاول تنظيف علبة مغلقة من خارجها حيث تذهب جهوده سدى.

وجاءت رسالات السماء لتضع اليد على جذر المشكلة الذي قالت انه يتلخص في سبات الفكر وغياب نور العقل عنه، ثم أخذت تعالج الامر باسلوب جديد وهو اثارة الفكر وتنبيه العقل متخذة الايمان الوسيلة الوحيدة لتحقيق هذا الامر الهام، ذلك ان الايمان بالله والتسليم لأمره ومعرفة اسمائه الحسنى، وانه هو المهيمن في كل لحظة على كل شيء،﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ، يضع القلب الانساني امام مسؤولية كبيرة اذ يعتقد انه لايستطيع ان يفكر دون ان يكون مراقباً من قبل الله المهيمن العليم، ثم مسؤولاً امامه عن نوع تفكيره، وما اذا كان استثمر نعمة العقل – الموهبة، واستخدم المقاييس الدقيقة التي زود بها في حكمه على الاشياء؟

ولا يعذر الله سبحانه فرداً يبرر ضلالته عن الحق بانه جاهل او مخطئ، لانه قد  وُهب العقل وكفى به هادياً الى الحق والى صراط مستقيم، وقد جاء في الحديث، ان الله يحتج على عباده يوم القيامة ببساطة بالغة يقول سبحانه للانسان: عبدي هلا عملت.. فيقول: ربي لم اكن أعلم حتى اعمل فيقول الله تعالى: هلا تعلمت..

بهذه المسؤولية الفكرية التي يحس بها القلب المؤمن يستيقظ العقل ويقوم بدوره في توجيه الفكر واكتساح الضلالات من النفس البشرية، والتي تترسب فيها عادة منذ عهد الطفولة ثم يستعيض عنها بقيم الحق والفضيلة.

وهكذا يساهم الايمان في تنوير القلب كما قال الله سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}.

ان الايمان يعطي البشر نوراً يمشي به لانه يزوده بمقاييس دقيقة تحدد له وجوه الصواب وسبل الخير، اضافة الى ان القلب المؤمن لا يستقبل الاساطير، لأنه يعلم انه مسؤول امام الله العليم عما يودعه عنده، فأي فكرة يحملها القلب تعرض على العقل، فإن اطمئن بها أخذها، وإلا ضربها عرض الجدار، والانسان المؤمن يعرف سلفاً، ان أصل الدين هو العقل، وان العقل شرع من الداخل والرسول عقل من خارج، كما جاء في الحديث، لذا فهو يتبع تعاليم الدين في التفكير والتي تكرسها الآية الكريمة: {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ}.

هذه الآية تهدي الى أحسن القواعد الفكرية والتي نوجزها في نقاط:

أولاً: يجب ان يتحرر الانسان من كل العوامل الضاغطة التي قد تؤثر في تفكيره ويعرف ان الحق أسمى من كل شيء، كما يجب ان يتحرر القلب من ضغط الكِبر والحسد وحب المال والسيطرة وخوف المجتمع حتى يكون الوصول الى الحق غايته السامية التي يضحي من اجلها بكل شيء.

ثانيا: يجب توفير الحرية الفكرية الشاملة في المجتمع لكي تتاح الفرصة لكل من يملك رأيا ان ينشره ويتمكن المؤمن من البحث عن الحق عبر الاراء المطروحة.

ثالثاً: يجب تقييم  الافكار وفق مقياسين: الاول: نور العقل والثاني: هدى الشرع، ولذلك قال الله سبحانه: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ}، فبهداية الله وبالعقل يستطيع المؤمن رفض الباطل ومعرفة الحق.

هذه هي الاسس الفكرية التي يوفرها الايمان للمسلم والتي استطاعت الامة الوصول بسببها الى أرقى درجات التقدم الحضاري، والتي نرجو ان يعود المسلمون اليها ليعيدوا أمجادهم التليدة.


ارسل لصديق