علمني السجن ....... [5]
بين دروس الحج وتجارب السجن
كتبه: الشيخ ياسر الصالح
حرر في: 2013/10/27
القراءات: 1591

حروف نُسجت في غياهب سجون الظالمين..

وكلمات كُتبت في زنزانتي الصغيرة بحبر الامل و الصبر..

ونور الايمان والعزم.. دروساً وعبراً كثيرة استقيتها من تجربة السجن المريرة..

فكان السجن هو المعلم وكنت أنا التلميذ. أما الدروس فهي 

الحج والسجن تجربتان فريدتان، تستحق كل تجربة منهما الدراسة والتأمل، فكلاهما مدرسة كبيرة لمن أراد أن يتعلم، فالحج ولادة جديدة، ومدرسة عظيمة، وتجربة فريدة، وكذلك السجن، والعجيب في الأمر أن هنالك تشابهاً كبيراً بين دروس الحج ودروس السجن، ولقد تعلمت منهما الكثير وسأحاول من خلال هذه الأسطر القليلة أن أشير إلى بعض هذه الدروس:

 

-١-

السجن مرآة صافية تعكس صورنا بشكل واضح، ليس فيها خداع ولا نفاق، فالسجن يزيل عنّا مظاهر الحياة الكمالية، فلا جاه، ولا منصب، ولا ثياب.

وهكذا نقف أمام المرآة متجردين من كل الزيف الذي كنا نعيشه في الخارج، لنرى صورنا الحقيقية بما فيها من عيوب وحسنات، وعند ذاك - ولأنك وحيد في السجن، ولديك الوقت الكافي للتفكير - تبدأ في معاينة نفسك في المرآة، والتدقيق في الصورة، واستكشاف أصغر العيوب، والتي لم تكن لتظهر لك في السابق، إما لأنك كنت غافلاً عنها أو متغافلاً عنها.

وهكذا تبدأ التجربة الجديدة والفريدة في الزنزانة، ليكتشف الإنسان الأخطاء التي كان يعيشها، ويرى الحسنات في حياته ثم يعيد تقييم مسيرة حياته، ويسعى في اصلاحها بعد أن اكتشف السلّم الحقيقي للأولويات في حياته. كذلك الحج .. ففي الحج تتجرد من الثياب ومن الكماليات، وتدخل إلى حرم الإله بثوبين، مخلفاً كل متع الدنيا ومتحملاً العناء والتعب في سبيل الله، وفي لحظات الخلوة والتأمل من هذه الرحلة تكتشف حجمك الحقيقي، وترى بجلاء صورتك الحقيقية، وكيف كنت تحيط نفسك بهالة من القداسة، وتعيش في بحر من الكماليات والماديات، وفي تلك اللحظة تعود إلى نفسك فتحاسبها، وتتخذ قرارك المصيري بالعودة إلى الذات، ولزوم طريق النجاة، والتخلي عن كل المحرمات والموبقات.

 

-٢-

يكوّن الانسان في الحج شبكة واسعة من الصداقات، وعادة ما تستمر هذه الصداقات لفترات طويلة لأنها لم تقم على أساس من المصالح المادية، إنما على الحب في الله عزوجل والايمان.

في زحمة الحج تتعرف على شخص لا يمتّ إليك بصلة قرابة ولا ينتمي إلى بلدك، وقد لا يشاركك في كل أفكارك وأنماط حياتك، إلا أنه يلتقي معك في هدف واحد ومهم وهو التوحيد والإيمان بالله، فكلاكما أتى إلى هذه البقاع طلباً لمرضاة الرب، وطاعة له، ولذلك فإن هذه العلاقة القائمة على أساس إيماني سليم بعيداً عن الأسس المادية والمصلحية تكون علاقة وثيقة، يجعل الله فيها البركة فتستمر معك إلى آخر عمرك.

كذلك في السجن تلتقي بمجموعة من الناس الذين لا تعرفهم، ولا توجد بينك وبينهم مصالح مادية، أو صلات مصلحية، إلا أنك تكوّن معهم علاقات قوية قائمة على أساس الإيمان، حيث أن السجن والحج كلاهما رحلة معنوية يتغلب فيهما الجانب المعنوي على المادي المصلحي، وأهل البيت عليهم السلام، يطلبون منا أن نكوّن علاقاتنا بعيداً عن المصالح المادية الضيقة ولذلك فإن الإمام الصادق عليه السلام يقول: «عاشر الخلق لله، ولا تعاشرهم لنصيبك من الدنيا، ولطلب الجاه، والرياء، والسمعة».

 

-3-

السجن تجربة لرحلة الموت بكل تفاصيلها، فأنت تُؤخذ إلى السجن على حين غفلة، كما تساق إلى الموت فجأة، ثم تقيد وتعصب عيناك وتساق إلى مصير مجهول، تارة تُوضع في زنزانة صغيرة مظلمة كأنها قبرك، وتارة اخرى تُؤخذ إلى التعذيب والتحقيق وكأنك بين منكر ونكير، وتارة أخرى تُترك في الزنزانة لوحدك لا تعرف الليل من النهار، تنتظر ما يُفعل بك، وكأنك ميت تنتظر لحظات نقلك إلى الجنة أو النار.

هذا في السجن، أما في الحج فأنت تجرب الموت بنفسك فتخلع ثيابك بنفسك، وتغسل جسدك بنفسك ، وتلبس أكفانك، ثم تمشي بذل بين الخلائق في صحراء عرفات، لا أحد لك فيعينك، كل يبحث عن نفسه وشغله، فتشعر أنك في صحراء المحشر تنتظر لحظات الحساب وتحديد المصير. تجربة الموت - سواء في السجن أو الحج - تذكر الإنسان بمصيره المحتوم، وتنبهه إلى أجله القادم والذي لا مفر منه أبداً، وهناك يبدأ الانسان بإعادة حساباته ومحاسبة نفسه، وتقييم حياته لأنه يستذكر يوم الحساب الأكبر، ويستشعر قرب ذلك اليوم.

 

-4-

كثيراً ما يقال: لا يمكن أن تعرف الحج حتى تحج، كذلك لا يمكن أن تعرف السجن حتى تسجن، ففي كليهما أمور لا يمكن أن تُتصور إلا بالتجربة الشخصية، فكم من شخص سمع عن الحج إلا أنه لا يكاد يكون إلا قدراً يسيراً من الحقيقة، وكذلك السجن فمهما سمع الإنسان من قصص حول السجون إلا انه لا يستطيع تخيل التجربة بكل تفاصيلها إلا حينما يجربها، مع انني لا أتمنى لأحد أن يجرب السجن، وأتمنى الحج للجميع.

 

-5-

ديننا الإسلامي، وفكرنا الرسالي يأمرنا بالعمل والاجتهاد لإيجاد المجتمع الإيماني الواعي المبني على أسس سليمة، ولذلك فإن المؤمن يسعى بكل جد واجتهاد نحو هذا البناء، ويبذل الغالي والنفيس من أجل إعلاء كلمة الله عز وجل، والرساليون الطلائع يتقدمون السرب في هذه المسيرة حاملين على عاتقهم هذه المسؤولية، وعاملين بجد ومثابرة للوصول إلى هذا الهدف السامي، ولذلك هم لا يفترون ولا يملون العمل، وإن اختلفت الميادين التي يكونون فيها فالهدف واحد، بل إنهم يزدادون نشاطاً في بعض الميادين لأنهم يرون أنفسهم مكلفين بالعمل والاجتهاد بشكل أكبر، فهم يرون في الحج أو السجن - على سبيل المثال - مجتمعاً متكاملاً، ويجدون في ذلك فرصة سانحة للعمل والتغيير والبناء.

 

-6-

ما زلت أذكر إحدى المحاضرات القيمة التي ألقاها سماحة آية الله السيد هادي المدرسي في الحج، حيث تحدث فيها عن التفكير في بناء المستقبل، والتخطيط لهذا البناء تخطيطاً سليماً، وعدم شغل النفس دوماً بالماضي وما فيه من أخطاء ومشاكل، وأتذكر أن  سماحته قد أكد على أن المجتمعات الحيّة هي تلك التي تقف لتراجع ماضيها، ولكن لا لكي تغرق في هذا الماضي، وإنما لكي تنطلق منه إلى بناء المستقبل، ثم قال سماحته: إن الحج فرصة ثمينة لهذا التخطيط، ثم ذكر حديث أمير المؤمنين، عليه السلام: «لا تشعر قلبك الهم على ما فات، فيشغلك عن الاستعداد لما هو آت».

 تجربة السجن هي الأخرى فرصة للتخطيط والتفكير في المستقبل وإن أكبر خطأ يقع فيه السجين: هو أن يعيش سجيناً في الماضي، ويشغل نفسه وفكره به دون أن يتخذ هذا الماضي نقطة انطلاق للمستقبل.

في السجن وفي الحج تعلمت أن أحول المحطات التي أمر بها في حياتي إلى محطات للتأمل والتخطيط وتجاوز مشاكل الماضي، والانطلاق نحو المستقبل، مستفيداً من تجاربي السابقة ومبعداً ظلال المشاكل، والتي تلقي بنفسها دوماً على تفكير الإنسان.

 

-7-

علاقتنا بالنبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، وأهل بيته الأبرار، عليهم السلام، يجب أن تكون علاقة قوية، وصلاتنا بهم يجب أن تكون وثيقة، فهم سفن النجاة وصراط الله المستقيم، وعلينا أن نتمسك بهم جميعاً بلا استثناء، إلا أنني أحب أن أتكلم عن الامام الحسين، عليه السلام، لما للعلاقة بهذا الإمام الشهيد من طعم خاص في كل من السجن والحج.

في السجن تعمقت علاقتي بالامام الحسين، عليه السلام، وتعلمت منه الكثير، فالحسين، عليه السلام، هو قائد مسيرتنا، ونهجه هو نهجنا وحبه هو دليلنا في الدروب المظلمة.

إن كان السجن يوصف بالظلام، فالحسين، عليه السلام، أنار قلبي و زنزانتي، وإن كان السجن يوصف بالضيق فالحسين، عليه السلام، وسع هذا الضيق وكسّر القيود.

في السجن فهمت الامام الحسين، عليه السلام، فهماً جديداً، مغايراً عن فهمي السابق، فالحسين، عليه السلام، ليس قضية تاريخية مضت وانتهت بل هو روح تنبعث في قلوب المؤمنين في كل زمان.

الحسين، عليه السلام، حقيقة ماثلة أمام الرساليين في كل زمان ومكان.

الحسين، عليه السلام، شعلة بيد كل مؤمن تضيء الدروب المعتمة والجنبات المظلمة.

حينما تضرب وتهان لأنك تذكر الحسين، عليه السلام، وحينما تمنع من الماء لأنك تحب الحسين، عليه السلام، حينها تدرك أن للحسين، عليه السلام، قوة عجيبة تخيف الطغاة رغم أنه راقد في قبره، هذه القوة ستبعث فيك روح الإصرار والعزيمة، وسيتجلى أمامك الإيمان بأعلى صوره ومراتبه.

وكذلك حينما تتحدث عن الحج لابد أن تتذكر موقف الإمام الحسين، عليه السلام، البطولي، وكيف أنه غادر مكة والحجاج يفدون إليها، لا لأنه لا يريد الحج، بل لأنه يريد تطبيق مقاصد الحج، وإحياء شعائره.

لقد جسد الحسين، عليه السلام، الحج وما فيه من أهداف بشكل عملي حينما خرج من مكة حاملاً روحه على كفه، ومتوجهاً إلى كربلاء، أرض الفداء، ليعلن للأمة أن الدين ليس مجرد طقوس بل هو عمل وحقائق وبالتالي يبين للأجيال القادمة طريق الإيمان ومنهاجه.

إن تجلي الحسين، عليه السلام، في السجن وفي الحج، هو تجلٍّ عجيب فأنت تشعر بروح الحسين (عليه السلام) وهي تسير معك في كل خطوة مــــن خطــــوات هاتين الرحلتين، والسعيد من تمسك بهذه الروح وحملها معه في حياته.


ارسل لصديق