بين عصر الإمام الحسن [عليه السلام]، وعصر الغيبة الكبرى
قراءة في أوجه التشابه والاختلاف
كتبه: د. علي الفحام
حرر في: 2013/10/27
القراءات: 1993

مثّلت الحقبة الزمنية الممتدة بين عامي (40 – 60 هـ)، حقبة صعبة في تاريخ التشيع، اختزنت بين طياتها كل تراكمات الماضي القريب، وارهاصات الفتن التي عصفت بالأمة الإسلامية بعد وفاة رسول الله، صلى الله عليه وآله، و أوضحت مدى هشاشة الشخصية الإسلامية في علاقتها مع أئمة أهل البيت، عليهم السلام، بحكم قلة الوعي وعدم الاستيعاب الكامل للعقيدة القرآنية في التعامل مع مفهوم الولاية والطاعة لولاة الأمر المنصوبين من قبل الله تعالى .

لقد أظهرت تجربة الأربع سنوات التي خاضها أمير المؤمنين في الكوفة، أن العقلية الكوفية تحتضن تناقضات فكرية حادة تكفي لإجهاض أي مشروع للتغيير مهما كانت خلفيته النظرية متينة، (القرآن الكريم) ومهما كانت قيادته حكيمة ومخلصة (أمير المؤمنين عليه السلام،).

والمتتبع لخطب أمير المؤمنين، عليه السلام، في نهج بلاغته، يستشعر أن الإمام، عليه السلام، استنفذ كل وسعه في إصلاح رعيته المخدوعة بألوان الفتن، فكان آخر أيامه يندب الخلّص من شيعته الذين مضوا قبله فينادي من على منبر الكوفة وهو يحرض الناس على القتال: «أين إخواني الذين ركبوا الطريق ومضوا على الحق؟ أين عمار؟ وأين ابن التيهان؟ وأين ذو الشهادتين؟ وأين نظراؤهم من إخوانهم الذين تعاقدوا على المنية، وأبرد برؤوسهم إلى الفجرة. قال نوف البكالي: فما دارت الجمعة حتى ضربه الملعون ابن ملجم لعنه الله، فتراجعت العساكر فكنا كأغنام فقدت راعيها تختطفها الذئاب من كل مكان». (نهج البلاغة 2110)

ومن الطبيعي جداً أن تشكل وفاة أمير المؤمنين عليه السلام، منعطفاً يترك بصمات خطيرة على واقع الأمة الإسلامية، وفسح هذا الغياب المفاجئ لأمير المؤمنين عليه السلام، المجال لذوي الزيغ والأهواء أن يتحركوا بحرية أكبر مستغلين حالة الصدمة التي أصابت مفاصل البلاد الإسلامية، مع ما تختزنه من انحطاط في الوعي وقلة الحصانة، فكانت الشام هي الحاضرة الأكثر حراكاً على المستوى الميداني في دفع الأمور نحو تصعيد الغرائز والعصبيات واستغلاها في تحقيق المكاسب السياسية.

 

* حكمة القائد وشجاعة الموقف

لقد أدرك الإمام الحسن عليه السلام، من اللحظات الأولى لاستشهاد أبيه أمير المؤمنين عليه السلام، أن خطورة الموقف تستدعي تحركاً سريعاً لسحب البساط من تحت أرجل الأمويين، لمنع توجيه ضربة قاضية للبقية الباقية من المؤمنين، فاستبق الإمام، عليه السلام، الأحداث بتنظيم الصفوف وتعبئة العساكر وسد الثغرات جرياً على سياسة أبيه أمير المؤمنين عليه السلام، في سلوك خطين متوازيين من الحكمة والشجاعة .

ويبدو أن حالة التشرذم وصراع الإرادات وعقدة العصبية الجاهلية التي حكمت العقلية الإسلامية الفتية، قد أصبحت من الخطورة بمكان، بحيث يكون الحسم العسكري مع ذلك الخليط المتشظي ضرباً من الانتحار، وسلوكاً نحو شطب الخط الإيماني من المعادلة، فكان القرار الشجاع والجريء للإمام الحسن عليه السلام، بمصالحة معاوية بشروط هي أقرب إلى شروط الغالب المنتصر.

لقد أظهرت ردة الفعل التي عبرت عنها الشخصيات المقربة من الإمام الحسن عليه السلام، تجاه خطوة الصلح، أن الحالة الشيعية لم تكن بعدُ قد وصلت إلى المستوى الحقيقي من الإيمان بمبدأ الولاية والتسليم للإمام عليه السلام، وربما كان الكثير من الشخصيات المحيطة بالإمام تنظر إليه من جانبه الأسري والأخلاقي لارتباطه برسول الله صلى الله عليه وآله، ولنفس شخصيته الرفيعة التي استحقت لقب سيد شباب أهل الجنة، أما ما وراء هذا التصور من الإيمان بطاعته وإمامته المفترضة من الله تعالى، وأنه ينطق عن الله، ولا يعمل إلا بأمر الله، وأنه الحجة على الخلق كله، فهذا ما لم يكن تستوعبه الأغلبية الساحقة من أتباع الإمام عليه السلام، ولهذا كان البعض ينظر للإمام من وجهة نظر ضيقة جداً تنطلق من المصالح المرئية دون ملامسة العمق الغيبي الذي يحكم قرارات الإمام و يؤطر كل حركاته وسكناته، وما تنقله النصوص التاريخية من الاحتجاجات أو الاعتراضات على وثيقة الصلح يكشف جانباً من هذه الحقيقة.

يقول «الدينوري» في أخباره الطوال ص220: «وكان أول من لقي الحسن بن علي رضي الله عنه، فندمه على ما صنع، و دعاه إلى رد الحرب، حجر بن عدي، فقال له: يا بن رسول الله، لوددت أني مت قبل ما رأيت، أخرجتنا من العدل إلى الجور، فتركنا الحق الذي كنا عليه، ودخلنا في الباطل الذي كنا نهرب منه، وأعطينا الدنية من أنفسنا، وقبلنا الخسيسة التي لم تلق بنا.. فاشتد على الحسن رضي الله عنه كلام حجر، فقال له: إني رأيت هوى عظم الناس في الصلح، وكرهوا الحرب، فلم أحب أن أحملهم على ما يكرهون، فصالحت بقيا على شيعتنا خاصة من القتل، فرأيت دفع هذه الحروب إلى يوم ما، فإن الله كل يوم هو في شأن».

إن الفترة التي عاشها الإمام الحسن ومن بعده الإمام الحسين عليهما السلام، خلال حكم معاوية بن أبي سفيان في العقدين الرابع والخامس من القرن الهجري الأول (40 – 60 هـ) تشترك مع عصرنا الذي نعيشه (زمن الغيبة الكبرى)، ببعض الصفات المشتركة نتيجة لوحدة الموضوع والتشابه في الظروف الحاكمة، وربما تختلف الغيبة الكبرى عن تلك الحقبة بما يلي :

أولاً : اختلاف الفترة الزمنية، ففي حين استمرت تلك الحقبة عقدين من الزمن، امتدت الغيبة الكبرى حتى يومنا أكثر من (1100) عام، وهذا يكشف أن حجم التغيير المنتظر من الغيبة الكبرى، أكبر وأوسع مما كان متوقعاً من تلك الحقبة .

ثانياً : إن الإمام المهدي عليه السلام، سيخرج وليس في عنقه بيعة لطاغية زمانه بخلاف الإمامين الحسنين عليهما السلام، الذين أعطيا البيعة لحاكم زمانهما (معاوية بن أبي سفيان)، والبيعة في المفهوم العقائدي لأهل البيت عليهم السلام، لا تعني الاعتراف بالشرعية أو الالتزام بالسمع والطاعة، وإنما تختص بالالتزام بعدم الخروج، والسكوت عن المطالبة بالحق الشرعي للإمام عليه السلام، وهكذا تفهم بيعة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، لمن سبقه من الخلفاء وكذلك بيعات الأئمة لكل خلفاء الجور وحكام الضلالة الذين تعاقبوا على حكم البلاد الإسلامية، ويختص إمام زماننا من بين كل الأئمة عليهم السلام أنه يخرج وليس في عنقه أي بيعة لطاغية زمانه، يقول الإمام الحجة المنتظر، عجل الله فرجه، في توقيعه المشهور الذي خرج لإسحاق بن يعقوب: «وأما علّة ما وقع من الغيبة فإن الله عز وجل يقول: }يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم{، إنه لم يكن أحد من آبائي إلا وقد وقعت في عنقه بيعة لطاغية زمانه، وإني أخرج حين أخرج ولا بيعة لأحد من الطواغيت في عنقي». (غيبة الطوسي 292)

 

* أوجه التشابه مع الغيبة الكبرى

وبالرغم من التمايزات الموجودة بين الحقبتين إلا أن أوجهاً للتشابه يمكن أن تقرأ على خلفية العناصر المشتركة، ولعل التمعن في هذه العناصر يمكّن الباحث من فك بعض الرموز والعقد التي تحيط بالواقع المعاصر وتساعده في تفسير الكثير من المواقف التي يمكن أن يتخذها للتعاطي مع الوضع الراهن، وهذه النقاط المشتركة هي :

أولاً : إن كلتا الحقبتين شهدت غياب الإمام الشرعي عن الساحة السياسية، واتخاذ العزلة طريقاً للتعاطي مع الأحداث على خلفية انحطاط مستوى النضج العقائدي للأمة، يقول الشيخ المفيد في (الإرشاد 215): «ولما استقر الصلح بين الحسن صلوات الله عليه، وبين معاوية على ما ذكرناه، خرج الحسن عليه السلام، إلى المدينة فأقام بها كاظماً غيظه، لازماً منزله، منتظراً لأمر ربه جل اسمه..». هذه العزلة مشابهة من بعض الوجوه لحالة الغيبة التامة التي يعيشها الإمام المهدي، عجل الله فرجه، منذ ألف ونيف من السنين، ويبدو أن هذه العزلة هي العلاج الناجع لحالة الاهتزاز العقائدي الذي دب في جسد الأمة - وما يزال - تحت تأثير السياسة وتيارات الانحراف الفكري، وتعمل العزلة في جانبين: الأول يستهدف تنمية الوعي وتعريض المجتمع لحالة من التصحيح الذاتي المعتمد على تراكم المعاناة وتنامي الصراع الداخلي مع قوى الانحطاط العقائدي، والثاني يستهدف تعرية الأنظمة الفاسدة التي تحكم بأسماء وعناوين مختلفة وتحت شعارات متلونة للتغطية على الشرعية المستباحة لأهل البيت عليهم السلام.

ثانياً : صدور الأوامر من قبل الأئمة، عليهم السلام، في كلا الحقبتين بوجوب الكفّ والصبر وعدم الخروج على السلطان الجائر، وهذه الأوامر هي في الحقيقة انعكاس لحالة التبعية التي يجب أن تحكم العلاقة بين الشيعة وأئمتهم، والتي تعكس المفهوم السليم للتمسك الوارد في حديث الثقلين الشريف، وهذا المعنى مستفيض في صحيح الآثار المنقولة عن العترة الطاهرة، ومن تلك الروايات الشريفة :

* عن أمير المؤمنين عليه السلام، أنه قال: «انظروا أهل بيت نبيكم فالزموا سمتهم واتبعوا أثرهم فلن يخرجوكم من هدى، ولن يعيدوكم في ردى .

فإن لبدوا فالبدوا وإن نهضوا فانهضوا. ولا تسبقوهم فتضلوا، ولا تتأخروا عنهم فتهلكوا». (نهج البلاغة – شرح محمد عبده 1189)

* عن الامام الصادق عليه السلام، أنه قال: «فوالله لنحبكم أن تقولوا إذا قلنا، وتصمتوا إذا صمتنا، ونحن فيما بينكم وبين الله، ما جعل الله لأحد خيراً في خلاف أمرنا». (الوسائل 2773)

وانطلاقاً من هذا التأصيل، وحيث أن العزلة وترك التصدي كان هو الحاكم على منهجية الإمامين الحسن المجتبى والإمام المهدي عليهما السلام، فقد أصدر الأئمة أوامر مشددة لشيعتهم بوجوب التزام البيت وعدم الخروج في معمعة الصراعات السياسية المشتعلة بين الأحزاب الحاكمة سواء في تلك الحقبة الصعبة من حكم معاوية أو في زمن الغيبة .

أما في زمن الغيبة الكبرى فالروايات بهذا المعنى تصل إلى حد الاستفاضة وربما التواتر القطعي، وهذه نماذج من تلك المرويات الشريفة، راجع : (غيبة النعماني 200) :

1 – عن سدير قال: قال أبو عبد الله -عليه السلام- : يا سدير ألزم بيتك، وكن حلساً من أحلاسه، واسكن ما سكن الليل والنهار، فإذا بلغك أن السفياني قد خرج فارحل إلينا ولو على رجلك . (وسائل الشيعة 1551)

2- عن أبي بصير، عن أبي عبد الله، عليه السلام، قال: إنه قال لي أبي - عليه السلام- : لا بد لنارٍ من أذربيجان لا يقوم لها شيء، وإذا كان ذلك فكونوا أحلاس بيوتكم، و ألبدوا ما ألبدنا، فإذا تحرك متحركنا فاسعوا إليه ولو حبوا، والله لكأني أنظر إليه بين الركن والمقام يبايع الناس على كتاب جديد، على العرب شديد.

3 - عن أبي المرهف، قال: قال أبو عبد الله -عليه السلام- : هلكت المحاضير . قال : قلت : وما المحاضير ؟ قال : المستعجلون، ونجا المقربون، وثبت الحصن على أوتادها، كونوا أحلاس بيوتكم، فإن الغبرة على من أثارها، وأنهم لا يريدونكم بجائحة إلا أتاهم الله بشاغل إلا من تعرض لهم .

4- عن أبي بكر الحضرمي، قال : دخلت أنا و أبان على أبي عبد الله (عليه السلام،) وذلك حين ظهرت الرايات السود بخراسان، فقلنا : ما ترى ؟ فقال : اجلسوا في بيوتكم فإذا رأيتمونا قد اجتمعنا على رجل فانهدوا إلينا بالسلاح.

ثالثاً: ومن أوجه التشابه المهمة أن كلتا الحقبتين كانت مقدمة للفتح الموعود، فحقبة معاوية مقدمة لملحمة عاشوراء التي كانت فتحاً بتصريح الإمام الحسين، عليه السلام، «أما بعد فإن من لحق بي استشهد، ومن لم يلحق بي لم يدرك الفتح» (كامل الزيارات 157)، وأما الغيبة الكبرى فهي مقدمة للفتح المبين الموعود على يد المنقذ الذي تنتظره الشعوب المقهورة والثلة المستضعفة في أرجاء المعمورة بعد امتلاء الأرض جوراً، عن الإمام الصادق عليه السلام: «يوم الفتح، يوم تفتح الدنيا على القائم لا ينفع أحداً تقربٌ بالإيمان ما لم يكن قبل ذلك مؤمناً وبهذا الفتح موقناً، فذلك الذي ينفعه إيمانه، ويعظم عند الله قدره وشأنه..» (معجم أحاديث الإمام المهدي 5345)

ومن هنا يبدو أن التشابه في المهام الموكلة للشيعة في هاتين الحقبتين ينطلق من تشابه في الهدف وفي الدور المرسوم، وأن الاختلاف في طول الحقبتين قد يعزى إلى اختلاف في سعة الدور التغييري المتاح لكلتيهما .

-----------------

* استاذ في جامعة الكوفة


ارسل لصديق