الهاشميات من بنات الحسن [ع] .. غصن وسط البساتين من الشجرة النبوية
كتبه: أمجد الربيعي
حرر في: 2013/10/27
القراءات: 5819

يضم تراب العراق مراقد كثيرة من الأولياء الصالحين، وتختص منطقة الفرات الاوسط بنصيب كبير من تلك المراقد, وهذه المنطقة هي مثلث يمتد من الكوفة - حضارة العرب الاولى- الى واسط، مروراً بالهاشمية ومن ثم الى بغداد، وقد جعل الباري عز وجل، هذه المراقد رحمة و رأفة للناس والمؤمنين، حيث يلجأ اليها الناس لبث شكواهم وهمومهم الى الله، كما كان يفعل أولئك الصالحون والمجاهدون إبان حكم الطغاة والبغاة والظالمين.

ربما هي المشيئة الإلهية أن لا ينقطع عنّا نسل الإمام الحسن السبط، عليه السلام، ويبقى له أثر بيننا، كما لأخيه الحسين عليه السلام، فشاء القضاء أن يبقى الحسن المثنى، نجل الإمام الحسن عليه السلام، حيّاً بعد واقعة كربلاء، رغم أن المؤرخين وأرباب المقاتل يؤكدون مشاركته في الحرب بين يدي عمّه الحسين عليهما السلام. وقد لقب بالمثنى تمييزاً له عن أبيه الامام الحسن المجتبى، عليهما السلام. أمه خولة بنت منظور بن زياد الغزاوي.

ويشير المؤرخون ، الى أن الحسن المثنى أثخن بالجراح خلال مشاركته في واقعة الطف، ولما أرادوا أخذ الرؤوس وجدوا فيه رمقاً، فقال أسماء بن خارجة بن عبيدة الغزاوي: دعوه لي.. فإن وهبه بن زياد لي، و إلا رأى رأيه فيه. فتركوه له فحمله الى الكوفة وحكوا ذلك لابن زياد فقال: دعوا لابي حسان ابن اخته.. فعالجه اسماء حتى برئ من جراحه، ثم لحق بالمدينة واستوطن في أرض أبيه في منطقة يُقال لها «سيالة»، وهي قرية جامعة بينها وبين المدينة المنورة (29) ميلاً في الطريق الى مكة المكرمة.

ومن الحسن المثنى، خرجت ذرية صالحة، منهم البنون، أبرزهم عبد الله المحض، وقد سُمي بـ «المحض»، كون أباه نجل الإمام الحسن، وأمه فاطمة بنت الامام الحسين عليهما السلام، وهو بذلك أول رجل تجتمع فيه العصمتان الحسنية والحسينية. كما له من البنات ست وهن: زينب، و أم كلثوم، وأم القاسم، و ملكية، وفاطمة، و رقية.

 

* فاطمة و رقية

يقع مرقد العلويتين الهاشميتين "فاطمة ورقية" عليهما السلام، في منطقة تسمى «المهناوية» تابعة لناحية «سدة الهندية» ضمن محافظة بابل بالطريق المؤدي الى قضاء الهندية، و تعيش جوار المرقد الطاهر، عشيرة عريقة تسمى عشيرة «اليسار الطائية» إحدى العشائر العراقية العربية المعروفة، والقبر الشريف يقصده الناس للتبرك والدعاء والنذر، ويقع المرقد الطاهر وسط أرض زراعية، ذات طبيعة جميلة أما كنيتهما فهي «خضرة و سعدة»، وهذه الكنية دارجة عند العامة من الناس، لمن يلبي الطلب بسرعة الاجابة في قضاء الحوائج و إجابة الدعاء عند التوسل بهما الى الله تعالى.

تشير المصادر التاريخية، ان السيدة فاطمة بنت الحسن المثنى و أمها حبيبة الرومية، حينما تزوجت معاوية بن عبد الله بن جعفر الطيار أقامت معه في المدينة، الى وفاته في مطلع القرن الثاني للهجرة، وبعد وفاته انتقلت مع اولادها منه؛ «الحسن ويزيد وصالح»، الى الكوفة، وهما بصحبة أخيهم لأبيهم عبد الله بن معاوية قبل عام 127هـ ومن المرجح انهم سكنوا منطقة «باخمرا» لقربها من الكوفة، وفي اغلب الظن الذي يقرب من اليقين، أن فاطمة بنت الحسن المثنى، توفيت في هذه الحقبة، أي بين مجيء أولادها وهي معهم الى الكوفة، وبين خروجهم منها، ودفنت في المكان الحالي، أي في منطقة المهناوية.

أما اختها، السيدة رقية، فلم تسعفنا المصادر التاريخية بأي معلومة عن حياتها عليها السلام، حيث سكتت  المصادرعن ذكر زوجها ما يدل على أنها توفيت قبل سن الزواج، وتوفيت بعد أختها و أنها دفنت الى جوار اختها السيدة فاطمة في المكان الحالي. وهذا هو شأن التاريخ والمؤرخين، إذ لا سيرة ولا ذكر لشخص، إلا اذا ارتبط اسمه بحاكم أو والي، سواء مدحاً أو ذماً، سلباً أو ايجاباً.

عندما تدخل الى الصحن الشريف فإنك تواجه لافته كبيرة كتب عليها زيارتهما عليهما السلام، وفيها يقرأ الزائر عبارات يتوسل فيها الى الله بالمنزلة التي لديه لهاتين العلويتين المظلومتين، بالشفاعة وطلب الحوائج المختلفة. وهذا دأب الموالين لأهل البيت عليهم السلام، ليس في العراق، إنما في كل مكان، يأتون الى هذه المزارات المشرفة، ويستذكرون ما جرى على أهل البيت عليهم السلام، من ظلم وتعسف، وما لاقوه من تشريد وحرمان واضطهاد، وهذا بحد ذاته يشد فيهم العزيمة على الإيمان العميق والصادق بهم وبمنزلتهم عند الله تعالى.

 

* المرقد في الوقت الحاضر

يحيط بالمرقد سياج عالٍ وتوجد أواوين و أماكن لاستراحة الزوار، والمرقد ذات مساحة كبيرة، وذات قبة مغلفة بالكاشي الكربلائي الجميل.

 تبلغ مساحة المرقد تقريباً اكثر من (4000) متر مربع، أما مساحة الحرم فتبلغ اكثر من (1000) متر مربع، وتلاحظ على جدران المرقد لافتات شكر وعرفان للعلويتين الهاشميتين لشفاء مرضى، توسلوا الى الله بالمنزلة التي لديهما عنده تعالى.

من الداخل يلاحظ أن شباك الضريح مصنوع من النحاس، أما الجدران فهي مغلفة بالسيراميك، والطارمة الخارجية مغلفة أيضا بالسراميك، وتوجد فيها عشرة أعمدة خرسانية، يبلغ طول الواحد منها، سبعة أمتار. وفي فناء الحرم الشريف، هنالك غرف إدارية، اضافة الى مغاسل وحمامات صحية خارجية، إلا ان الملاحظ هو قلّة الاعمار في هذا المرقد، حيث الارضية مازالت من مكسوة من مادة «الشتايكر». وللمرقد أربعة ابواب، اثنان للرجال ومثلها للنساء.

وبما أن المنطقة، محط رحال الزائرين، فمن الطبيعي أن تنشأ بالقرب منها متاجر وباعة لهدايا وسلع اخرى، وكما هي سائر الاماكن التي تضم مراقد أهل البيت عليهم السلام، فإن البركة وعوام الحياة، تنبعث من تلكم المراقد الشريفة. ويمكن ملاحظة وجود مخفر للشرطة في المنطقة، لمزيد من ضمان أمن وسلامة الزائرين لهذه المنطقة.

أما اليوم الخاص والمعروف لزيارة هاتين العلويتين فهو يوم الاربعاء، حيث يكثر توافد الزائرين، في هذا اليوم أكثر من بقية الايام. والهاشميات محطة من محطات السير الى كربلاء المقدسة، في أيام اربعين الامام الحسين عليه السلام، وذلك لقربها من قضاء الهندية «طويريج»، وهي على الطريق الرابط بين كربلاء المقدسة ومحافظة بابل.

وللسيدتين الطاهرتين كرامات كثيرة وعظيمة جداً، من أجل ذلك، يحرص الناس على التوافد على هذا المرقد الطاهر في السابع من شهر صفر من كل عام، وهو يوم الذكرى الأليمة لاستشهاد الإمام الحسن المجتبى عليه السلام، وذلك مشياً على الاقدام لتعزية العلويات بوفاة جدهما، وطلب الحوائج منهنّ بجاههن عند الله تعالى وبجاه أبيهن الامام الحسن السبط وسيد شباب اهل الجنة عليه السلام.


ارسل لصديق