(الحسين)، كما يريد
كتبه: رئيس التحرير
حرر في: 2013/12/12
القراءات: 889

أراد البعض، التوبة و محو آثار التخاذل عن نصرته في كربلاء سنة (61) للهجرة، فكانت حركة التوابيين، وموقفهم التاريخي العظيم، وملحمتهم البطولية. ثم أردنا محو الحجب والحواجز النفسية والروحية التي تمنعنا عن إشعاعاته ودفئه، فكان البكاء على مصابه الأليم، ومصاب أهل بيته، خلال وبعد الواقعة. وفي فترة لاحقة، أردنا أن تكون عملية  التغيير (التطهير) الذاتي، أشمل وأوسع لتضم الذوات الأخرى في المجتمع، ويكون التغيير للجميع، فكانت التنظيمات والحركات التي ألقت بجذوة عاشوراء في الواقع الجماهيري الساكن تحت يد حكام طغاة وظالمين، وكان مصيرهم السقوط بانفجار هذا الواقع.

ثم حصل تطور هائل في العلاقة بيننا وبين «الحسين». فقد تقدمنا خطوة بعيدة الى الامام، عندما ظهرت إرادتين بشكل جديد: الاولى على صعيد الجماهير، والثانية؛ على الصعيد النخبة.. الجماهير تريد أن تتمثل المأساة والواقعة، من خلال الشعائر الحسينية؛ بين لاطم على الصدور، وضارب الى الرؤوس أو مهرول بين الخيام المحترقة، وغيرها... ثم لا ننسى «العطش»...! فالماء مبذولٌ في كل مكان في كربلاء المقدسة، وفي طريق الزائرين الى «الحسين»، حتى لا تنسى الأجيال درس الانسانية الذي رسب فيه الأمويون ومعهم المتجحفلون من أهل الكوفة آنذاك. كل ذلك بهدف الاقتراب أكثر الى النبع والتماهي مع القضية والواقعة، كما لو أنهم يعيدون الزمن الى الوراء، ويحيون الواقعة من جديد. نفس الهدف نجده في النخبة، التي تريد من خلال أدبياتها الفكرية والثقافية، أن تقدم «كربلاء» جديدة الى الاجيال والعالم. لكن هنا الأمر يختلف. لأن الفكر والثقافة ليس جرياناً واحداً، كالسيل الجماهيري المتدفق، إنما هناك اجتهادات و رؤى و زوايا متعددة - وربما مختلفة - ينظر اليها هذا المفكر وذاك العالم او الخطيب، لذا نجد أن البعض يريد «الحسين»، للبكاء والعاطفة واستذكار المأساة، وآخر يريده للتأمّل والتفكّر والعقلانية، فيما صنفٌ اختار التوازن المثمر، بأن أراد «العِبرة والعَبرة». وحتى بلغ بنا الأمر، لأن نريد «الحسين» عوناً ودعماً لمشروعنا السياسي عندما استتب لنا الأمر في بعض البلاد الاسلامية. كل ما مرّ؛ لا غبار عليه، و ربما يصل الجميع - ونحن منهم ان شاء الله- الى مقاصدهم الشريفة والسامية، بنواياهم الصادقة وإيمانهم العميق بـ «الحسين» وقضيته ونهضته. لكن..!

أجد من الواجب عليّ أن أسأل عما يريده «الحسين» نفسه..؟

أليس له مطلب أراد أن يحققه؟

هذا يذكرني بأحد كبار علماء الدين الذي كان ملزماً نفسه كل صباح باكر، بأن يفتح كتاباً عن سيرة المعصومين، عليهم السلام، ويقرأ شيئاً منه، ثم يتوجه الى الحوزة العلمية، والتدريس ومزاولة حياته العادية، فلما سألوه عن ذلك، قال: ألست أنا تلميذاً في مدرسة أهل البيت، عليهم السلام؟ فإن كنت كذلك، عليّ أن أرى يومياً ماذا يريدون منّي فعله..؟!

«الحسين».. برفضه البيعة لمرشح بني أمية لحكم الدولة الإسلامية، أراد أن يعلمنا، ليس فقط الرفض، إنما صنع البديل الأفضل، فأمام العبودية، الحرية، وأمام الفساد والإفساد، الصلاح والإصلاح، وهكذا.. ليس في ساحة المعركة يوم  الطف وحسب..

إنما في جميع نواحي حياتنا الاجتماعية والسياسية، وعلى صعيد الفرد والمجتمع؟

«الحسين»، بمظلوميته وعطشه، أراد ان يحدث انعطافة تاريخية كبيرة في النفس الانسانية، وهو ما تحقق فعلاً، حتى لا يركن الانسان الى القسوة والجفاء والظلم، فيكون مفتاحاً للجريمة الى تطاله وتطال المجتمع والأمة بالدمار. وحسناً قال سماحة آية الله السيد هادي المدرسي: «إن الانسان ربما يُحشر يوم القيامة طاغوتاً صغيراً، أو فرعوناً صغيراً، عندما يمارس الظلم والطغيان على أسرته وعائلته..».

ثم «الحسين»، بتلك التضحيات العظيمة، وبدمه الطاهر، أراد أن لا تنفصم الأمة عن عرى الدين والقيم والمبادئ التي جاء بها جده المصطفى، صلى الله عليه وآله، لتنعم أبداً وترفل تحت شجرة الإسلام، فتكون الحياة الاجتماعية هانئة، والحياة الاقتصادية مثمرة، والحياة السياسية كريمة، والخير والأمان للجميع، وليس لهذا دون ذاك، أو لهذه الفئة وذاك الشعب، دون غيره. وعندما نقول: «الدين»، بمعنى كل ما تضمّه المنظومة المتكاملة من قواعد وقوانين وضوابط، أرسى دعائمها النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، ثم من بعده أمير المؤمنين، وسائر الأئمة المعصومين، عليهم السلام. وإذن؛ نحن أمام أمانة تاريخية عظيمة وخطيرة، لأن اذا جرت تلك الدماء  الزاكية على أرض كربلاء من أجل هذا الدين ونظامه وأحكامه، فما نحن فاعلون؟

اللهم أحينا حياة محمد وآل محمد، وأمتنا ممات محمد وآل محمد.


ارسل لصديق