صلابة الأمة والحضارة من صلابة تضحيات الحسين (عليه السلام)
كتبه: هيأة التحرير
حرر في: 2013/12/14
القراءات: 1002

هناك تساؤلات تُطرح كلما حل شهري محرم الحرام و صفر الخير، وتجددت علينا أيام عاشوراء و زيارة الاربعين.. منها قول القائل: لماذا يُرزأ الاسلام بمثل مصاب الامام الحسين ،عليه السلام،..؟ ألم يكن ريحانةً لرسول الله، صلى الله عليه واله؟ أليس هو أحد السبطين، وسيد شباب اهل الجنة؟

ثم إن المعروف أن الله سبحانه وتعالى يُحب أوليائه وينصر عباده، وهذه سنته عزوجل في خلقه، بأن ينصر من ينصره، فهل كان مقتل الامام الحسين، وسحق بدنه السليب بسنابك الخيل انتصاراً له..؟! وماذا عن سبي نسائه و ذراريه؟

ان الله سبحانه نصر أنبياءه و أولياء في التاريخ، حيث رفع اليه ادريس عليّاً حينما اراد القوم ان يقتلوه، و أنجى نوح النبي ،عليه السلام، في سفينة ركبها مع من آمن بالله، و انجاهم الله بها من الغرق، وانقذ خليله ابراهيم من نار ملتهبة فجعلها برداً وسلاماً عليه ، كذلك كانت نصرة الرب لنبيه محمد، صلى الله عليه وآله، في كل المواطن والمواقف، من بدر وحنين وخيبر وغيرها، لكن كيف استُبدلت هذه السنة، بسُنة أخرى اقتضت شهادة ابي عبد الله الحسين ،عليه السلام؟ ويستتبع هذا التساؤل، تساؤلٌ آخر، لماذا نجد ما تسمى بالحضارات او المدنيات او المجتمعات البشرية، تَحيى لفترة ثم تموت، وتكون لها ادوار، تتمثل في قوس الصعود، وقوس البقاء و قوس النزول؟

 

* التضحية جوهر القوة

تتوارث هذه الحضارات و المجتمعات أجيال ثلاثة: جيل البناة، ثم جيل الرعاة، وفي النهاية جيل التابعين.

كم من حضارة شُيدت وانتشرت وسادت، ثم لم تلبث ان دُمرت وبادت، ولم يبق منها الا بعض الآثار الدالة على وجود حضارة بائدة، كانت في زمنٍ مضى. في قبال هذه المجتمعات، هناك مجتمعات اتبعت نهج الله سبحانه، وبنسبة اتباعها للنهج الالهي بقيت واستمرت مسيرتها، فمثلاً بنو اسرائيل الذي تعرضوا لعواصف عاتية كهجمة «نبوخذنصّر» الذي قتل منهم سبعين الفاً، الا انهم بقوا وصمدوا، وهكذا اصحاب النبي عيسى ،عليه السلام،، والذين تعرضوا لأشد انواع العذاب.

وكذلك صمد المسلمون امام كل التحديات والزلازل، من حروب داخلية استمرت عقود متطاولة من الزمن، من تسلط الحكومات الفاسدة وقهرهم للعباد وتدميرهم للبلاد على طول البلاد الاسلامية وعرضها، ومن مؤامرات خارجية تمثلت في الحروب المختلفة، كالحروب الصلبية، والاعصار التتري، الذي هدم العراق ولم يستعيد العراق عافيته منذ ذلك الاجتياح الغاشم، وكذلك المؤامرات الثقافية التي قام بها افراد من داخل الاسلام كابن المقفع وابن ابي العوجاء وغيرهما بغية تدمير الاسلام من الداخل، او المؤامرات والهجمات الثقافية من شرق العالم وغربه لتدمير الحضارة الاسلامية.

فما الذي يجعل الحضارة صامدة ، قوية، فيما تعرضت الحضارات الاخــــــرى للدمار والانهيار والاضمحلال، حتى لم يبق منها إلا اسماءً وقليلاً من الآثار؟

جواب الســــــؤال هذا، هو سر السؤال الاول.. بمعنى ان المجتمعات الاسلامية لو كانت مجتمعات رخوة، تعيش على فرش من حرير، لم تكن لتستمر الى يومنا الحاضر، ولم تكن قادرة على الصمود امام ابسط التحديات. فلو لم تكن تتحمل الامة المصائب والمشاكل، ولم تكن تقدم التضحيات. كان من السهل عليها ان تتخلى عن قيمها ومبادئها، فحينما يحصل الانسان على الدين بسهولة ويُسر، يهون عليه تركه والتخلي عنه. أما اذا وصل الدين الى المرء عبر رجال افذاذٍ ابطال، ضحّوا من اجل دينهم ومبدئهم، فإن الامة سيصلب عودها ويشتد عمودها، وتبقى مستطيلة على المشاكل والمصاعب.

ومن هنا كان التقدير الالهي في ايجاد ملحمة لكل أمة، تزود الأمة بروح الصبر والتحدي والصمود، فكانت ملحمة كربلاء هي الاعظم في التاريخ، لأن الاسلام أراد له الله ان يبقى الى يوم القيامة.

إن الحضارات البشرية - في الغالب وفي معظمها- لا تمتلك آفاق معنوية، ولذلك فانها تعتمد على الموارد المادية، واذا انتهت الموارد المادية تنتهي حضارتهم، فحضارة تقام على عين ماء، تنتهي بجفاف ماءها، واذا ما اعتمدت الحضارة على قوة ابناءها من الناحية البدنية، تُباد بانتهاء تلك القوة، وكذلك الحضارة التي تقوم على اساس مجموعة من المعلومات، ينهدم بناؤها الحضاري اذا ما انتهت المعلومات، كما حصل في حضارة أثينا حيث اعتمدوا على بعض المعلومات في المجالات المختلفة، فلما تبين خطأ معلوماتهم أنهارت حضارتهم.

و أقـــــــولها صــــــراحة: لا تخدعكم المظاهر البرّاقة في الحضارات الغربية او الشرقية، إنها جميعاً زائلة عن قريب، لأنها لا تعتمد إلا على قيم مادية، كالتقنية او النفط او سائر الماديات، انها جميعاً تنتهي، اما المعنويات والروح فهي التي تبقى وتستمر عند الانسان، وبها بقاء الحضارات. وهذا هو السبب الذي جعل الامة الاسلامية أمة مستطيلة على كل التحديات ومستمرة في مسيرتها رغم كل ماتعرضت وتتعرض له من تحديات ونكبات.

 

* كيف نستعيد حضارتنا؟

في الحقيقة ان الحضارة الاسلامية تتحرك بحركة ابناء مدرسة اهل البيت، عليهم السلام، حيث يشكل النبي واهل بيته عليهم السلام، الداينمو والمحرّك الاساس لحركة الامة. وهناك الكثير من الشواهد التاريخية والآنية على هذه الحقيقة، ألا ترى كيف ان اعين الشباب المؤمن في كل العالم الاسلامي ترنو نحو شباب العراق وايران وسوريا ولبنان وصمودهم أمام الاعداء.

وبالاضافة الى ذلك فان الامة الاسلامية تمتلك عناصر مهمة وعظيمة من القوة الدافعة نحو الصمود، كالقرآن الكريم و شعيرة الحج والبيت الحرام، والارث الحضاري على أكثر من صعيد.

ولكننا لو اردنا ان تتجاوز الامة العقبات المحيطة بها، وتتصدى لتحمل مسؤولية  تحقيق الاهداف الكبرى التي رسمها الله سبحانه لها، كقوله تعالى: {وَ ما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ في‏ سَبيلِ اللَّهِ وَ الْمُسْتَضْعَفينَ مِنَ الرِّجالِ وَ النِّساءِ وَ الْوِلْدانِ الَّذينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها وَ اجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَ اجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصيرا}.

ولتعود الامة خير امة، كما قال سبحانه: { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ تَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ لَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَ أَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُون‏}. من اجل كل ذلك، لابد ان ننتبه الى عوامل قوتنا وصلابتنا، ونتزود منها، ونزيد من ترسيخها في انفسنا، ونجعل منها سلاحنا الحاسم. وتتمثل عناصر قوة الامة الاسلامية في القرآن الكريم، والنبي واهل بيته عليهم السلام:

اولاً: القرآن الكريم

أما كتاب الله، فكان ولازال وسيبقى كتاباً حيّا ينير الدرب، وفرقاناً يكشف الحق عن الباطل، وذِكراً ونوراً وضياءا. ولكنا بحاجة الى المزيد من التعامل مع هذا النور والفرقان والعودة اليه ، بالمزيد من التدبر في آيات القرآن الكريم، والمزيد من التفسير والتأويل بالصورة الصحيحة، بمعنى استنطاق القرآن الكريم وأخذ الاجوبة الشافية منه لكل مشكلة.

وتطبيق القرآن على ارض الواقع يجعله فرقاناً، اما تركه على الرف لا يجعله كذلك بالنسبة الى حياتنا، كمن يجعل الضياء في منزله ثم يلتمسه وهو يسير في السبل المظلمة.

إن البعض من الناس يملك افكاراً جاهزة، وشهوات عارمة، واهواء متقلبة، ويكتفي بكل ذلك عن سؤال القرآن الكريم والرجوع اليه، ان مثل هذا لن يقدر على التقدم والتطور. بل المفروض على الامة ان تجعل القرآن محور و ثقافة الجامعات والحوزات، وأن يكون القرآن ثقافة الامة في الاعلام والتربية والتعليم، وفي سائر آفاق الحياة.

ثانياً: أهل البيت، عليهم السلام

أما بالنسبة الى اهل البيت، عليهم السلام، فاذكر نقاطاً أربع، تشكل خارطة الاستفادة من العترة عليهم السلام، في حياتنا، وهي كما يلي:

1- حب العترة: لقد اُمرَ الله تعالى ابناء الامة بحب النبي واهل بيته عليه وعليهم السلام، والمفروض ان نزداد حبّاً لهم يوماً بعد يوم، وهو برنامج الهي، جعل من اجل اتباعهم، ذلك لأن حب الانسان لاحد يستتبع حبه لفكره وثقافته ومنهجه واخلاقه، ويتناغم مع سلوكياته، وهكذا ورد في الاثر عن أمير المؤمنين ،عليه السلام،:”وَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَحَبَ‏ حَجَراً لَحَشَرَهُ اللَّهُ مَعَه‏..”. وبحمد الله وفضله ومنّه، فانا نملك هذا الحب، ويعود الفضل ايضاً الى آبائنا و امهاتنا، وكذلك الى العلماء والخطباء، ولكن لابد ان نزداد حبّاً لهم عليهم السلام.

2- معارفهم: علينا ان نعرف معارف النبي واهل بيته عليهم السلام، فبيننا وبين ائمتنا والنبي بحرٌ عميق، و مسافة وطريق طويل، لابد ان نسلكه حتى نقترب اليهم.

هنـــــــــاك تقصيرٌ من قبل العوائل في مجال تعليم معارف اهل البيت، علــــــــيهم السلام، خصوصاً بالنسبة الى الاطفال، اذ ترى ان الطفل يبدأ حياته على افلام «الكارتون» ثم يتربى في المدارس الحكومية ومن ثم يدخل الجامعة وبعدها المجتمع، دون ان يكون للطفل معرفة واطلاع على روايات و احاديث اهل البيت، عليهم السلام. لذا أدعو الهيئات الحسينية ان تجعل حفظ الاحاديث من برامجها الدائمة للاطفال والشباب، حيث يقوم هؤلاء بحفظ حديثٍ واحد او اكثر من احاديث اهل البيت عليهم السلام كل يوم، فقد ورد في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه واله:

«مَنْ حَفِظَ عَلَى أُمَّتِي أَرْبَعِينَ‏ حَدِيثاً- يَنْتَفِعُونَ بِهَا بَعَثَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَقِيهاً عَالِماً».

3- سيرتهم:  إن لمعرفة سيرة النبي واهل بيته، عليهم السلام، الدور الكبير في اتباعهم و الاخذ من سيرتهم، ولم تكتب سيرةُ نبيٍ من الانبياء كما كتبت سيرة نبينا الاكرم صلى الله عليه واله.

فعلى كل واحد من ابناء الامة ان يسأل نفسه:

كم يعرف من سيرة النبي والائمة؟ هل هو مطلع على سيرتهم ومواقفهم واخلاقهم؟ وكم كتاباً قرأ في هذا المجال؟ هل هو مطلعٌ  مثلا على السيرة الجهادية لرسول الله صلى الله عليه واله؟

4- شعائرهم: جاء في الأثر عن امير المؤمنين ،،عليه السلام،، انه قال:

«.. إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى اطَّلَعَ عَلَى الْأَرْضِ فَاخْتَارَنَا وَ اخْتَارَ لَنَا شِيعَةً يَنْصُرُونَّا وَ يَفْرَحُونَ‏ لِفَرَحِنَا وَ يَحْزَنُونَ لِحُزْنِنَا وَ يَبْذُلُونَ أَمْوَالَهُمْ وَ أَنْفُسَهُمْ فِينَا وَ إِلَيْنَا».

إن الموالي لأهل البيت، عليهم السلام، يُعرف من خلال سيرته في حياته، فيكون يوم حزن الائمة يوماً لحزنه، وكذا فرحه بفرح ائمته عليهم السلام. إن الشعائر متنوعة ومنتشره في العالم، ولكنها تبقى قليلة بالنسبة الى عظمة اهل البيت ومكانتهم. ومن هذه الشعائر زيارة مراقد اهل البيت عليهم السلام، وزيارة مراقد كل وليٍ ينتسب الى هذا البيت الطاهر، اذ لا توجد بقعة من البلاد الاسلامية الا ولإهل البيت عليهم السلام فيها قتيل وشهيد، وهذه القبور الطاهرة والاضرحة المنورة، امانٌ لاهل تلك المنطقة.

وبكلمة؛ ان شعائر أهل البيت، عليهم السلام، دليل علاقتــــــــك بالائمة الطاهرين، عليهم الســــــــلام، كالمجالس والزيارات، و إبــــــــــــــــداء الحزن والعــــــــزاء على الائمة عليهم السلام، والاستماع الى الخطباء والرواديد، الذيــــــــــــــــن اعتبرهم ناطقين بإسم الامام الحسين ،عليه السلام، حيث يبينوا للناس سيرة ومسيرة الامام الحسين ،عليه السلام، واهدافه ودروس نهضته ، الى جانب  توضيح ما جرى على الامام ،عليه السلام،  واهل بيته واصحابه في كربلاء.

هيأة التحرير
 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99


ارسل لصديق