رسالة النهضة الحسينية المباركة ... الإصلاح في الأمة الإسلامية
كتبه: د. راشد الراشد
حرر في: 2013/12/14
القراءات: 1219

قال مولاي الإمام أبو عبد الله الحسين، عليه السلام: «إني لم أخرج أشراً ولا بطراً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي رسول الله..».

نهضة الإمام الحسين، عليه السلام، المقدسة كانت نهضة ربانية واعية لا نهضة انفعالية.

بل قام بها، عليه السلام، عن وعي ومعرفة مسبقة بمصيره المحتوم، وهو القتل والشهادة في ساحة الشرف والعزة والكرامة.

لم يُخدع الإمام الحسين، عليه السلام، بدعوة أهل الكوفة، كما أدعى البعض، ولم يكن جاهلاً بقوة الحكم الأموي وسيطرته على الأوضاع، لأن كل تلك الأمور كانت واضحة حتى لأهل البادية والأعراب مثل الفرزدق.

من الواضح أن الإمام الحسين، عليه السلام، كان ينفذ أمراً ألهياً.. ويشهد على هذه الحقيقة محاوراته وخطبه وطريقة تحركه.

و كنموذج على ذلك؛ كلامه لمحمد بن الحنفية حينما جاء اليه ناصحاً له بعدم المواجهة و الاستسلام لرغبة الأمويين، فقال له: شاء الله أن يراني قتيلا.

وفي شأن أهل بيته قال: شاء الله أن يراهن سبايا.

إذاً، فتلك كانت مشيئة الله تعالى، وكان الإمام،عليه السلام، قد عقد العزم على أن يكون ذلك القربان لحفظ دين الله - تعالى - على طول التاريخ.

 

* الاختيار للدور الريادي

وأما عن طريقة تحركه فحمله للنساء والأطفال ومسيرته عبر الطريق الأعظم، ألا وهو طريق الشهادة وعلنية دعوته و رسله وإصراره على هذه العلنية، مما يدل على أنه كان يريد توعية المجتمع وإيقاظ الضمائر وتعبئة الأمة وليس الوصول إلى الحكم والتملك والانفراد بالسلطة والرئاسة.

فهل ترى من يستهدف الوصول الى كرسي الحكم والسلطة يدعو الناس إلى الموت ولقاء الله تعالى ؟ أم أن من يريد الملك يحمل معه كافة أهل بيته وعياله إلى معركة خاسرة بكل المقاييس المادية ؟

ثم، ألم يكن الإمام، عليه السلام، يستطيع أن يبدأ جيش الحر بالقتال قبل أن يصل إليه أقطاب وقادة الجيش الأموي، كعمر بن سعد وشمر بن ذي الجوشن؟ ثم ألم يكن لديه، عليه السلام، القدرة للّجوء إلى الخيارات الأخرى العديدة المتاحة والتي لم يلجأ إليها؟ ولماذا لم يفعل ؟

ولماذا اختار،عليه السلام، هذا الدور طواعيةً؟

ذلك أنه كان من أولياء الله بل من أعظم أولياء الله الذين، ﴿لايَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ. (سورة الانبياء /27). إن أولياء الله تعالى، حياتهم له، ومماتهم - أيضا - له.

فهذا إبراهيم الخليل، قد اختار الإحتراق بالنار ليرفع علم التوحيد في التاريخ، وهذا ولده إسماعيل الذبيح عندما يطرح عليه أبوه الخليل إبراهيم،عليه السلام، السؤال: {قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى..}، يأتيه الجواب على الفور: {قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ}.

وهكذا الإمام الحسين،عليه السلام، الذي كان شعاره: «رضى الله رضانا أهل البيت نصبر على بلائه ويوفينا أجور الصابرين».

كما تكمن عظمة الإمام الحسين، عليه السلام، بأنه تحمل ما لم يستطع أن يتحمله حتى الأنبياء العظام، فهو، عليه السلام، لم يقدم فقط نفسه المقدسة قرباناً لله تعالى، بل قام،عليه السلام، بإيمان شديد بتقديم جميع أهل بيته وأصحابه فداء لإحياء ما حاول الأمويون طمسه من معالم شريعة السماء.

وهذا هو السر الذي جعل من الإمام الحسين،عليه السلام، رحمة للعالمين، و باب نجاة الأمة، خاصة و أن الشيطان، قد وضع ثقله كله في تحريف آخر الأديان وتحطيم جهود آخر الأنبياء، صلى الله عليه وآله، ولذلك كان لابد من حركة عظيمة ترجح كفة الميزان لصالح الإسلام ولصالح دين الله - عزوجل-.. فكانت شهادته، عليه السلام، هي هذا الثقل.

 

* عِظة الفلاسفة والمفكرين

ومن هنا نعرف حق هذا الإمام العظيم، حيث بذل مهجته المقدسة من أجل هداية المجتمع الإنساني برمته إلى الله تعالى. وما يمثله ذلك من زخم روحي وأخلاقي هائل.

ولذا، إذا أردنا ان نكون على خط الإمام الحسين، عليه السلام، ينبغي لنا أن نتبعه في التسليم لله، ولأوليائه، ولدينه.

إن البعض منا يرتكب جرماً كبيراً، حين ينصب نفسه مفكراً وفيلسوفاً للكون، ثم يعترض على دين الله - تعالى-.

فهذا هو الإمام الحسين، عليه السلام، رغم مكانته وعظمته في التاريخ الإسلامي، يقدم نفسه قرباناً متواضعاً من أجل دين الله تعالى.

لقد ورد في القرآن الكريم: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}. (سورة النساء /65)

إن الإمام الحسين، عليه السلام، لم يُخدع بدعوة أهل الكوفة، ولا كان جاهلاً بقوة الحكم الأموي ومدى نفوذه في ساحة الأمة. لقد اختار الإمام الحسين، عليه السلام، أن يكون قرباناً لله تعالى، لأنه كان من أعظم أولياء الله الذين لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون، فكما اختار إبراهيم الخليل النار على الشرك وولده اسماعيل الذبح، وكذا كما اختار النبي المسيح الصلب على الخضوع لطواغيت اليهود، و إن لم يصلب المسيح ولم يحرق ابراهيم. وكما اختار الإمام الحسين، عليه السلام، ان يكون قرباناً لله تعالى لانقاذ عباد الله من الجهالة والضلالة. وقد تم اختيار الإمام الحسين، عليه السلام، لهذا الطريق مدعماً برضى جميع أهل البيت، عليهم السلام. أي إن جده المصطفى، صلى الله عليه وآله، و أباه الإمام علي بن ابي طالب، و أمه فاطمة بنت رسول الله، و أخاه الإمام الحسن، عليهم جميعا أفضل الصلاة والسلام، كلهم رضوا بهذا الاختيار.

لقد حولت شهادة الإمام الحسين، عليه السلام، الدامية في التاريخ، إلى صاعقة دائمة الانفجار في ضمير الأمة، و وسيلة لهداية الملايين من الناس إلى الدين الإسلامي، وسبباً مباشراً في تعميق الإيمان في النفوس. وهذه من نتائج شهادته المباركة، وكل واحدة من هذه النتائج تكفي مبرراً لشموخ هذه النهضة المقدسة.

ولقد أعطى الله - تبارك وتعالى - الإمام الحسين، عليه السلام، عظيم المجد ولا يزال يتعاظم عبر الزمن، فأصبح أسمه خالدا على لسان الدهر والزمن، كلما مر الزمن ازداد تألقاً وسمواً. فكما أعطي المسيح انه «جعل الذين اتبعوه فوق الذين كفروا الى يوم القيامة»، أعطي الامام الحسين، عليه السلام، انه أزال بني أمية عن صفحة التاريخ , وخلد اسمه عبر الزمن , وجعل الائمة من ولده , والحجة المنتظر - عجل الله تعالى فرجه الشريف- من ذريته والشفاء في تربته، وقرن ذكره بذكره عز وجل، ورفع رايته في كل مكان , وسيعطيه في القيامة مالا تتصوره العقول ولا تتحمله النفوس في هذه الحياة.

كل ذلك.. في مقابل اخلاص الإمام الحسين، عليه السلام، والآلام التي تكبدها في كنف الله تعالى، وفي غربته في طريق الله تعالى.. وانكسار قلبه وسلب عائلته.. وفي مقتله بتلك الصورة الوحشية القاسية.. وكل ذلك لله ولإحياء منارات الحق والفضيلة، التي كابد الأمويون لطمسها ومحو معالمها، ولكن الغلبة دائما وأبدا للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون. وما أحوجنا اليوم لمراجعة الموقف لإصلاح ما عطب من حياتنا الإجتماعية..! فهل تكون عاشوراء هذا العام نقطة التحول..؟ أم أن على قلوب أقفالها؟

------------------

* كاتب من البحرين


ارسل لصديق