أخلاقيات الزائر
كتبه: السيد ابراهيم الموسوي
حرر في: 2013/12/15
القراءات: 1106

لقد فجّرت ثورة الامام الحسين، عليه السلام، في كربلاء طاقات الأمة في الاتجاهات كلها، ودفعت ابناء الأمة الى التحرك نحو رفض الظلم والطغيان، والاصلاح في المجتمعات، وعمران البلدان، فشملت الثورة الحسينية بخيرها، كل جوانب حياة الانسان، سواء في الجانب الفردي او الاجتماعي.

ولم تقتصر تلك الطاقة الهائلة على من عاصر زمن الثورة وسمع أخبارها من قريب، فقام مطالباً بالثأر للإمام الحسين، و أهل بيته واصحابه، عليهم جميعاً سلام الله، بل استمر العطاء والاندفاع نحو الخير، كلما مرّ ذكر الامام الحسين، واستمر الرفض للظلم وتحدي الطغيان، كلما ذكرت ملحمة عاشوراء، واستمرت الحركة في بناء الأمة كلما جاء اسم كربلاء، فكانت كربلاء الحضارة التي انطلقت من عاشوراء وكان رمزها و رائدها الامام الحسين، عليه السلام.

ولا يمكننا ان نحصر عطاء عاشوراء في زاوية واحدة، لأنها - كما اسلفت - شملت إصلاح الانسان بكل ما يحويه هذا الاسم من جوانب مختلفة وحاجات متفاوتة وتطلعات متباينة، ولكننا نسلط الضوء في هذه الاسطر على جانبٍ واحد من هذه الجوانب، الذي ألقى بظلاله على الأمة فصبغها بصبغة الايمان، و ارتقى بها الى القمم السامقة، ألا وهو جانب السير على الاقدام، الى زيارة الامام الحسين، عليه السلام.

وقبل تبيين الثمار العظيمة لهذه الشعيرة الحسينية، لابد ان اذكّر بأمور على سبيل التمهيد:

الاول: الزيارة.                                                                                                                            

وهي فرعٌ من غصن الشجرة الحسينية الوارفة، وبذلك تكون شجرة كربلاء الطيبة «أصلها ثابتٌ وفرعها في السماء، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها"، سبحانه وتعالى، وحيث سنذكر الثمار فيما يلي، فانها ثمار فرع شجرة كربلاء.

الثاني: لزيارة الامام الحسين، عليه السلام، اهميتها الخاصة، وهناك النصوص المستفيضة في التأكيد عليها، كما أكّدت النصوص على فضل السير على الأقدام لزيارة أبي عبد الله الحسين، عليه السلام، إلا اني لا اريد الخوض في أيٍ من هذين الامرين، بل أود ان ألفت عناية القارئ الى الآثار الملموسة في الجانب الاخلاقي للسائر على قدميه الى زيارة الامام الحسين، عليه السلام.

وتزداد أهمية الالتفات الى هذا الموضوع، حينما نرى تكرّر الاخلاقيات الفاضلة كلما عاد موسم السير على الأقدام الى كربلاء في زيارة الاربعين، وهذا يؤكد على ان القضية ليست مقتصرة على أيام معدودة، أو أنها صدفة، بل ان هناك تلازماً كبيراً بين الاخلاقيات الكريمة وبين السير على الاقدام الى كربلاء المقدسة، حتى يقول المتابع للمشاة "لقد تعلمت الاخلاق من المشاة"، ولكن كيف؟

ومعروف أن الماشي الى كربلاء، جاء من بلاد عديدة وبعيدة، وهو يحمل طباع وخصال مجتمعه، وربما تحصل المشاحنات والتقاطعات بين افراد الشعب والمجتمع الواحد، إلا انه خلال مشيه صوب كربلاء المقدسة، يكون شيئاً آخر، فلا ترى أثراً لتلك المشاحنات، رغم وجود الاختلاف والتباين بين المشاة الى كربلاء المقدسة.

الثالث: إن ذكر هذه التحولات في شخصية الموالي أثناء تأديته زيارة الامام الحسين، سيراً على الاقدام، ليس من باب التبجّح والتفاخر، كلا، بل هو للتأكيد على طيبة طينة الموالي، وامكانية رجوع الانسان الى جوهره النقي في فترة قياسية، تبهر العقل، والدعوة الى حفظ هذه الاخلاق الطيبة بعد الانتهاء من الزيارة لإعادة الأمة الى خير أمة اخرجت للناس.

وفيما يلي أذكر جانباً من الخلقيات الفاضلة التي يتحلى بها الماشي الى أطهر بقاع الارض، اعني كربلاء :

 

* أولاً : حسن الخلق

- تراه يتذمّر من زحمة السير الموصل الى منزله، وهو جالسٌ امام مقود سيارته المكيّفة، لعدم تحمّله إشارة المرور والاختناق المروري، ولكنه لا يبالي بعدم تمكنه السير بسهولة في حرارة الصيف او برودة الشتاء، لأنه يسير الى الحسين.

- تراه يستشكل على ملوحةٍ بسيطة في طعامٍ أعدتها له أمه او زوجته، و ربما يسيء خلقه ذلك اليوم لأن «الاكل كان سيئاً"! ولكنه، حين يسير الى الحسين، عليه السلام، يتناول ما يقدمونه له من مختلف اصناف الطعام دون أن ينظر الى نوعيته او طريقة طبخه أو ان كان مالحاً او غير ذلك، بل يأكله هنيئاً مريئاً، لأنه «زاد ابو علي".

- خشن التعامل مع ابنائه، سيئ المعاشرة مع اخوانه، كل ذلك يزول بأول خطوة يقطعها في طريق كربلاء، لأنه سائرٌ الى الحسين، عليه السلام، صاحب الخلق الرفيع، مع ولده واخوانه، بل مع كل الناس، حيث تقول عنه، عليه السلام، عمته أم هاني بانه "ثمالة الايتام وعصمة الارامل"، ويقول عنه ولده الامام المنتظر - عجل الله فرجه- : "كُنْتَ‏ رَبِيعَ‏ الْأَيْتَامِ‏، وَ عِصْمَةَ الْأَنَام‏... كَرِيمَ الْخَلَائِقِ، عَظِيمَ السَّوَابِق"(1)

ما ذكر لا يمثّل إلا جانباً بسيطاً من التحول العظيم الذي يحدث عند زائر الامام الحسين، عليه السلام، منذ خروجه من منزله وحتى عوده اليه.

 

* ثانياً: الكرم والعطاء

لا أجانب الحقيقة ان قلت ان الموالي يفضّل زوار الامام الحسين، على أبنائه وعائلته، فالكثير ممن يسكنون في مناطق تقع على الطريق العام الى كربلاء المقدسة، يقضون سنةً كاملة وهم يدخرون المال لإطعام الزائرين، وحين يأتي موسم الزيارة يكون حينها موسم فرحهم وسرورهم، لأنهم يبذلون ما يملكون لإطعام الزائر وكسوته.

ولا يزداد عطاء المؤمنين إلا زيادةً وتنوعاً عاماً بعد عام، فكل من سار في طريق كربلاء يشهد تنوع الاطعمة والاشربة التي تقدم له.

أما من لا يملك المال الكافي لاعداد موائد الاطعام للزوّار، فإنه يبتدع طرقاً مختلفة للبذل، فهذا يأتي بآلة غسيل الملابس ليغسل ثياب الزوار، وذاك يقدم باجهزة شحن الجوالات، والآخر يوفر أجهزة التدليك، والرابع يقوم بصبغ أحذية الزائرين، والخامس والسادس و...

ولست أدعي باطلاً إن قلت أن زيارة الاربعين، هي موسم العطاء، وبهذه العطايا الجزيلة ؛ تخرجنا زيارة الامام الحسين، عليه السلام، من شحّ انفسنا، فنكون قادرين على البذل طوال العام، في المجالات المختلفة، من إخراج الحقوق الشرعية الواجبة، ودعم المؤسسات والمشاريع الخيرية، وكفالة الايتام والمعدمين و..

 

* ثالثاً: التواضع

ليس عجباً ان ترى الشيخ الكبير يقدم الطعام والماء وسائر الخدمات، للزائر الشاب، فهو من الناحية العمرية يكون بمثابة جدّه، إلا انه يصرّ على ان يقوم بهذا العمل، ويجعل الشاب الصغير وكذلك المرأة وحتى الطفل الصغير، ضيفاً عنده.

تُرى، ما الذي يجعل الرجل الكبير يتنازل عن عمره وسمعته ومكانته وهيبته ؟ إنها زيارة الامام الحسين، عليه السلام، التي تحمل المرء على التواضع للآخر، فلا يرى احداً إلا ويراه أفضل منه، أ و ليس قد غفر الله للآخر ؟

ان هذه الخصلة الحميدة، هي التي تجسّد روح الايمان عند المؤمن، فقد ورد في الحديث عن الامام زين العابدين عليه السلام، : «وَ إِنْ عَرَضَ لَكَ إِبْلِيسُ لَعَنَهُ اللَّهُ بِأَنَّ لَكَ فَضْلًا عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ فَانْظُرْ إِنْ كَانَ أَكْبَرَ مِنْكَ فَقُلْ قَدْ سَبَقَنِي بِالْإِيمَانِ وَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ وَ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي‏ وَ إِنْ كَانَ أَصْغَرَ مِنْكَ فَقُلْ سَبَقْتُهُ بِالْمَعَاصِي وَ الذُّنُوبِ فَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي وَ إِنْ كَانَ تِرْبَكَ فَقُلْ أَنَا عَلَى يَقِينٍ مِنْ ذَنْبِي فِي شَكٍّ مِنْ أَمْرِهِ فَمَا لِي أَدَعُ يَقِينِي بِشَكِّي‏" (2)

 

* رابعاً: التعاون على البر والتقوى

من ابرز السمات للمجتمع الاسلامي، تعاون أبنائه على البر والتقوى، الصفة التي تتجسد بجلاء في زوار قبر أبي عبد الله الحسين، عليه السلام، حيث يتعاون مئات الآلاف من الزوار واصحاب المواكب على الخير والبر والتقوى. لأنك لا ترى خيمةً منصوبة او موكباً مقاماً او مأدبة مهيئة، إلا بعد ان تضافرت جهود المؤمنين من اجلها، بل اكثر من ذلك، حيث نجد الكثير من المؤمنين يقومون برفع العقبات عن طريق الزائرين والسائرين، و إصلاح ما فسد من دورهم واثاثهم و..

 

* خامساً: الإيثار

{وَ يُؤْثِرُونَ عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون‏} (سورة الحشر /9)، انها آيةٌ من كتاب الله، لا تجد لها في عصرنا الراهن مصداقاً أجلى من مصداق "كربلاء "، حيث ترى إيثار الزائر بكل ما يملك لأخيه.

أن تقديم رجلٍ ملحفته الدافئة في ليلةٍ شديدة البرد، لأخيه، وهو ينام بلا وطاء او غطاء، أمر صعب، ولكن يسهل تصديق الأمر لو قرنت الحادثة بقضية زيارة الامام الحسين، عليه السلام، لأنها صفة اعتاد عليها الزوار و أصحاب المواكب على السواء.

وبكلمة ؛ إن موسم المشي الى زيارة الامام الحسين، عليه السلام، موسمٌ مليء بالدروس والعبر، يصحح الزائر بالمشي أخطاءه، ويقوّم اعوجاج اخلاقه، ويبني نفسه كما اراد الله له ذلك، ليس لموسمٍ واحد فحسب، بل لعمر كامل، وكما قال ذلك الزائر القادم من أمريكا، حين سُئل عن انطباعه عن المشي الى كربلاء، قال: «كنت اسمع واقرأ عن الأمة الاسلامية، ولكني لم اشاهدها بعيني إلا في طريقي من مطار النجف الى كربلاء المقدسة"، وفعلاً فان السائر الى حرم الامام الحسين، يطهر يقلبه، وتزكو نفسه، وتظهر جوهرته النورانية، ويعود الى فطرته النقية و..، كل ذلك ببركة خطاه التي يسير فيها الى كربلاء المقدسة.

----------------

1- المزار الكبير - ص 502

2- بحار الأنوار - ج 89 ص 243

السيد ابراهيم الموسوي


ارسل لصديق