الحسين .. روح الإسلام المتجددة
كتبه: محمد طاهر الصفار
حرر في: 2013/12/15
القراءات: 1217

الحسين لا يعني اسم شخص خرج على الظلم فقط, إن الحسين هو رمز عميق الدلالة, رمز للحرية والكرامة, رمز للبطولة و لكلمة الحق, رمز للإنسانية والأمل. ولم تكن ثورته صراعاً بين قوى الخير وقوى الشر فقط, بل هي في الواقع صراع بين القيم الإنسانية العليا وبين رواسب الجاهلية السفلى. صراع بين رسالة السماء والأصنام. بين الأنبياء وعبدة العجل. بين الفضيلة والرذيلة. بين النبل والخسّة. بين السمو والوضاعة.

لقد ارتقت هذه الثورة على مستوى الواقعية والرومانتيكية, كونها أحدثت تغييراً جذرياً في مسار الأمة, وأعادت إليها كرامتها المهدورة, وصحّحت المفاهيم العظيمة للإسلام بعد أن حرفها الأمويون, وزيفوها في الأذهان, فكانت عظيمة في تضحيتها, وعظيمة في عطائها. عظيمة لأنها انتهت بأروع استشهاد في تاريخ البشرية، وأعظم تضحية مثلت ذروة العطاء البشري, فتغلغلت في الضمير الإنساني وأحيت الضمائر شبه الميتة التي خنقتها سياسة الجور الأموية. وعظيمة لأنها كانت التحدي لأبشع وأقسى وأبطش سياسة في تاريخ الإسلام, فالثورة في ذلك الوقت تعني الموت بلا شك, والحسين كان أكثر الناس وعياً بتلك المرحلة فقدّم نفسه فدية متوهجة بالدم.

فمن هو الحسين؟

ولماذا قام بالثورة؟

وماذا أراد بثورته؟

بغض النظر عن انتمائه الذي ينتهي إلى أقدس وأطهر أسرة عرفها الوجود, الحسين صرّح عن نفسه بنفسه: «إني لم أخرج أشراً, ولا بطراً, ولا ظالماً, ولا مفسداً, وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي رسول الله, أريد أن آمر بالمعروف, وأنهى عن المنكر».

لقد جمع الحسين في كلمته هذه، مبادئ الرسالات السماوية كلها، فحمل رسالة عظيمة, وإرثاً ضخماً تمثل في القيم والمثل التي حملها الأنبياء، وبالمقابل فقد كان عليه أن يواجه عدواً حاول بشتى الوسائل سحق هذه المبادئ, ومحو هذه الرسالة, وإماتة كل إحساس بها في ضمير الأمة.

واجه الحسين عدواً دموياً شرساً, وإعلاماً ضخماً, ينعق بالتضليل, وأصناماً اشرأبت أعناقها تدعو الناس إلى عبادتها.

الحسين.. ابن الذي كرم الله وجهه عن عبادة غيره أمام أبناء الذين مسحت جباههم بتمريغها أمام «هبل» و «اللات» و «العزّى» و «منات» و «يغوث» و «يعوق» و «نسر».

الحسين.. ابن سيدة نساء العالمين، وابن الحجور التي طابت وطهُرت أمام أبناء ذوات الأعلام، مثل: الزرقاء , سمية , هند , مرجانة ووو.. تطول قائمة الأسماء من اللواتي كان لهن تاريخ عريق في إنجاب إبنٍ مُتنازعٍ عليه بين أربعة رجال أو خمسة أو أكثر! حتى اختارت كل واحدة منهن (واحداً) لتلحق ابنها به واضعة في حسابها حالته المادية والإجتماعية، فكان معاوية إبناً لأبي سفيان، وكان يزيد إبناً لمعاوية وكان عبيد الله إبناً لزياد..!!

وكانت «مرجانة» أم عبيد الله بن زياد أوفر حظاً من «أم زياد»، فألحقته بزياد سريعاً، بينما بقي زياد (الأب) فترة طويلة يُدعى بـ «ابن أبيه» حتى ألحقه معاوية بأبيه أبي سفيان في مجلس علني و رسمي أمام الناس، وأعلن أن أبا سفيان عاشر سمية فانجبت زياداً من سفاح، وهي كانت في نفس الوقت زوجة رجل آخر يدعى عُبيد وهو عبد للحارث بن كلدة الطبيب المشهور!

لم يخجل زياد من ذلك الإدّعاء الذي يندى له جبين أي إنسان، و رجّح المغانم التي ستدرّها عليه هذه الأخوّة على كشف نسبه المثلوم وعرضه المخزي أمام الناس، فالسلطة كانت عند هؤلاء أهم كثيراً من سلامة العرض. وبهذه الطرق وغيرها أصبحوا ساسة الناس وخلفاء على الأمة.

 

* معاوية.. سياسةالخديعة والتضليل

في ظل حكّام كهؤلاء، كان القتل، أبسط الوسائل التي تُستعمل تجاه كل من تعرّض لهم أو لم يتعرّض حتى, فالشبهة كانت كافية لأن يُصفّى الإنسان جسدياً وصار التمثيل بالجثث, ودفن الأحياء, وبقر بطون الحوامل, والصلب على النخيل, وتقطيع الأيدي والأرجل, وسمل العيون, وقتل النساء, وألوان العقاب البدني المختلفة هي لغة الحديث اليومية, وكثرت الخيانة والوقيعة والدسّ والتزلّف والسرقة وهتك الأعراض ومصادرة الأموال، وأصبحت هذه السمات هي الطبيعية لتلك المرحلة.

«إن لله جنوداً من عسل», «رملة», «المنصب», «الذهب». هذه هي أوراق (جوكر) معاوية التي لعب بها بمقدرات الأمة, ونخر بها في صميم الجسد الإسلامي، و أوشك أن يأتي عليه, وبهذه الأوراق تنكّر لكل ما يمت إلى الأخلاق بصلة وسحقها بكوامنه الخبيثة، وأرسى حكمه على الجماجم والدماء.

الورقة الأولى: وهي وسيلته الجبانة في القتل بالسم، استعملها لتصفية خصومه، كالإمام الحسن، عليه السلام، والأشتر وغيرهما, بل استعملها حتى ضد من والوه وساندوه فخاف من شعبيتهم ومكانتهم الإجتماعية وخشي من اعتراضهم على تسنّم دعيه يزيد مقاليد السلطة، كعبد الرحمن بن خالد بن الوليد وسعد بن أبي وقاص، وإبان بن عثمان.

أما الورقة الثانية: «رملة» ابنته، فقد صيّرها أضحوكة الناس، وفاكهة تندرهم، لكثرة الرجال الذين واعدهم بالزواج منها في سبيل تحقيق مآربه، والتاريخ يذكر قائمة طويلة من هؤلاء المخدوعين، نكتفي بواحد من هؤلاء التعساء الذين خُدعوا بهذا الزواج الوهمي وهو: عبد الله بن سلام القرشي.

كان هذا الرجل واليه على العراق وجاء لزيارته لتهنئته على سلامته من الضربة التي نجا منها وجاءت معه زوجته «أرينب بنت اسحق»، وكانت من أجمل النساء، فرآها يزيد وهام بحبها فعمل معاوية على تنفيذ رغبة ابنه المتهتك, فواعد ابن سلام بتزويجه من ابنته رملة، إن هو طلق زوجته فطلقها، ولكن معاوية رفض تزويج هذا المخدوع من ابنته بدعوى إنه غير كفؤ!

ولكن هذه المرأة (أرينب) لم تصل إلى يد يزيد بفضل الإمام الحسين، عليه السلام، الذي لاقى القافلة التي حملتها في طريقها إلى الشام، فأرجع المرأة المغلوبة على أمرها إلى زوجها النادم. ونحن نترك التعليق على هذه الحادثة إلى القارئ الكريم، ليرى إلى أي مدى وصل الإنحدار والإنحطاط الأخلاقي لمعاوية لتحقيق مآربه وتلبية نزوات يزيد، والخلق السامي الذي حمله الحسين في إصلاح الأود والإعوجاج.

أما الورقتان الثالثة والرابعة: فقد لعبهما معاوية في سوق الذمم، واشترى بهما الضمائر الرخيصة كل حسب مركزه الإجتماعي والسياسي ومدى انتمائه إلى السلطة الأموية وتلبية أوامرها.

في ذلك الصراع العنيف على المناصب والمغانم، غلبت المصلحة على الدين ووصلت الأخلاق إلى أقصى درجة من الإنحدار وأصبح شتم علي بن أبي طالب في الصلاة وعلى المنابر سُنة!! ودفن الأخيار من الصحابة الكبار، مثل حجر بن عدي الكندي، وأصحابه الإثني عشر أحياء وقتل عمرو بن الحمق الخزاعي ورفع رأسه على رمح، وهو أول رأس يرفع في الإسلام، بدعوى تطبيق الشريعة ! فقد خرج هؤلاء على طاعة الخليفة باعتراضهما على سب علي، عليه السلام.

 

* بناء دولة على الدماء

لقد أحكم معاوية على الناس سلطته المتجبرة وكما أعدّ لهذه الوسائل الوحشية أزلاماً وزبانيةً، فقد أعدّ لتبرير هذه الجرائم، جيشاً من جنود إبليس من فقهاء الشريعة الأموية ليرددوا شعاره الذي لبسه قفّازاً يخفي به يديه الملوّثة بالدماء: «يؤتي الملك من يشاء»، وبناءً على ذلك، فكل سلوك له مهما بلغت وحشيته و دناءته يستمد من هذا الاختيار..! هكذا تلاعب معاوية بمعنى هذه الآية الشريفة، وحرّفها من غير وازع من دين وقد نظّر وعاظ السلاطين من هذا الشعار، وفلسفوا فاكتشفوا المذهب الجبري، فكانت الجرثومة التي عانى منها الجسد الإسلامي لفترة طويلة ومازالت بقايا هذا المرض المزمن تنشر فيروسها في البلاد الإسلامية، وتنعق بأضاليلها لتصوّر تلك المرحلة بأنها «بناء دولة»! وإن معاوية «رجل دولة»!

ولا أدري أية دولة هذه التي تُبنى على سحق كل القيم الإنسانية ويكون بُناتها من القتلة والمجرمين والإنتهازيين؟ ثم أي بناء هذا الذي تزعزع بالثورات الغاضبة والصرخات المستنكرة من قبل أعلام الأمة نفسها، وفي مقدمتهم، الحسين ابن نبي الأمة، وخليفته الشرعي؟ حتى تقوّضت هذه الدولة بدمه الطاهر، فذهب يزيد إلى مزبلة التاريخ، ليعلن ابنه معاوية الأصغر على الملأ براءته وخروجه من هذه الدولة الفاسدة التي جرّت الويلات على الناس، وليقتله مروان وتنتقل الخلافة من السفيانيين إلى المروانيين الذين لم يزد عمر دولتهم على نصف قرن حتى انهارت على يد العباسيين.

هذا ما عمل معاوية لأجله من إزهاق الأرواح البريئة وانتهاك الحرمات والنكث بالوعود ووو... إلى الكثير من موبقاته في تأسيس دولته ثم انتهاج سياسة «كسروية»، «هرقلية» مستبدة.

 

* الانفجار بوجهالانحراف والطغيان

ولكن كيف وصل يزيد إلى الحكم؟

في تلك الفترة المظلمة من تاريخ الإسلام وانهيار القيم وفساد الأخلاق يشير أحد اتباع معاوية عليه، وهو المغيرة بن شعبة الثقفي، بأن يورّث الخلافة يزيد! وكان سبب هذا الرأي من هذا المنافق لكي تكون له يد عند يزيد بعد معاوية ولكي يرسي دعائم ولايته على الكوفة بعد وصول أنباء عن عزله عنها.

وفكّر معاوية ودبّر وقدّر, فقُتل كيف قدّر, ثم قُتل كيف قدّر.

حتى أتباع معاوية لم يستوعب أحد منهم فكرة أن يكون هذا المسخ «أميراً للمؤمنين»!

شاب متهتّك, سكير, عربيد, شاذ, سادي, نديماه: قرد وكلب، يعتلي أعلى منصب في الإسلام وهو «الخلافة»! لكن معاوية يعمل بكل وسائل مكره وبطشه على تنفيذ هذه الفكرة غير عابئ بالعواقب الوخيمة التي ستجرّها هذه الخلافة المشؤومة على الأمة، ضارباً بآراء المسلمين واعتراضاتهم عليها عرض الحائط.

ولا نريد هنا استعراض الوسائل الدنيئة التي اتبعها معاوية في سبيل تحقيق هذه الغاية من قتل وغدر ومكر واحتيال ولكن في النهاية فرض معاوية على المسلمين إبنه خليفة لهم. فحينما يحكم السيف تخرس الألسن.

فماذا فعل الحسين بن علي، عليه السلام، وهو ابن محمد و وريث النبوة..؟ هل يبايع؟ لقد أعلن موقفه الصريح بالرفض والمواجهة: «ألا وإن الدعي ابن الدعي، قد ركز بين اثنتين بين السلة والذلة، وهيهات منّا الذلة, يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون, وحجور طابت وطهرت, ونفوس أبية, وأنوف حمية من أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام..». بهذه الكلمات أعلن سيد الشهداء وأبو الأحرار ثورته المتوهّجة بالدم إلى الأبد.

كانت ثورة, وكانت جذوة, وكانت صرخة في ضمير الأمة ستبقى مدوّية إلى الأبد. ولا نريد هنا استعراض هذه الثورة من جوانبها السياسية والعسكرية والتقصّي عن أحداثها من خروج الحسين من المدينة إلى مكة ثم استشهاده في كربلاء. ولكن هناك حقيقة واحدة وهي أن الوضع الراهن يحتم أن تكون ثورة، ويحتم أن يكون ثائر يواجه الإنحراف الأموي، فكان الحسين، وكانت كربلاء. فحينما ينتصر الباطل في أبشع صوره ويكتسح الحكم الإرهابي أمامه كل العقبات، ينعدم إحساس الخير في النفوس، فتفقد الأمل وتنهار وتنتقل عدوى فقدان الكرامة ويستشري الإجرام فلا يكون هناك تخطيط لعملية توازن في القوى للمواجهة.

فالدين بما فيه من مثل عليا ومبادئ سامية يستوجب على الإنسان أن ينهض ولو كان وحده وهذا ما فعله الحسين، فقد اختار دوره أو بالأحرى فقد اختاره دوره, ابن النبي وأشرف إنسان على وجه الأرض يقدم على المواجهة مهما تكن القوة التي تجابهه ويقدّم دمه ودماء أهل بيته وأصحابه الذين اصطفاهم واستخلصهم والذين تبلورت فيهم كل مبادئ الثورة وقيمها لتكون الصرخة التي توقظ الضمير الإنساني.

خرج الحسين، ولم يكن لخروجه معنى سوى الشهادة، فبالشهادة وحدها يبقى الإسلام فارتبط الإسلام بالحسين بمعنى وثيق لا ينفصم أبداً وارتبط الحسين بالإسلام فكان معناه. 


ارسل لصديق