الحزن البارد وعواطف القهر
كتبه: عبد الكريم الحافظ
حرر في: 2013/12/15
القراءات: 920

الزلزال العنيف، والتضحية الفريدة التي لم يحدثنا التاريخ الاسلامي نظيراً لها على امتداد التضحيات والملاحم، بعثت القداسة في نفوس المؤمنين، وجعلت منها محطة انطلاق لهم ومنار هدى لتعميق جميع قيم الإباء والرجولة في النفوس، و اصبحت أداة استنهاض صارخة لجميع الشعارات الخالدة في التاريخ، خاصة تلك التي تؤكد على الثورة في وجه الطغاة، وتنتصر للقيم الحقّة والمضيعة، لا سيما بعد ترهل المواقف وشحّة رجال المواقف او انعدامهم.

وحين يمتزج الفكر مع العاطفة، والقلب مع العقل، يكون التفكيك بين الفكر والعاطفة عسيراً جداً، وبخاصة اذا تداخل هذان العنصران في الضمير المسلم، و راح عبق الدم يعصف بكل الحدود المعقولة، لتطويق العاطفة الثائرة، وصارت مشاهد الاوصال المقطعة والاوداج الشاخبة تهزأ بكل محاولات الاحتواء الباردة، او مساعي التطويق لهذا الانفجار بل الانحباس المشاعري المتدفق.

فقد كانت الدموع الشيعية كانت في يوم وسيلة إعلامية ضد أعدائهم.. كانت دموع فاطمة الزهراء تمهيداً لخطبتها. وكانت دموع زينب ابنة فاطمة تذليلاً لعنجهية الأمة، ولتعبر كلماتها الرسالية وتخترق أفئدتهم الصخرية. تلك الكلمات التي قالت فيها: «أتبكون وتنتحبون! فلا رقأت الدمعة ولا هدأت الرنة، إنما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً، تتخذون أيمانكم دخلاً بينكم، ألا وهل فيكم إلا الصلف النطف، والصدر الشنف ملق الإماء وغمز الأعداء، أو كمرعى على دمنة، أو كفضة على ملحودة، ألا بئس ما قدمت لكم أنفسكم أن سخط الله عليكم، وفي العذاب أنتم خالدون..». ومعاناة زين العابدين، عليه السلام، كانت مجرد أداة رسالية لخطابه العظيم في المسجد الأموي. ذلك الخطاب السياسي الذي زلزل عرش أمية في عاصمة ملكها، وقال فيه؛ وهو يؤنب خطيب البلاط الأموي: «لقد اشتريت مرضاة المخلوق بسخط الخالق، فتبوأ مقعدك في النار».

ولكن ماذا بقيت من الدموع الشيعية؟ بقيت قطرات ماء تتساقط على أحضاننا المليئة بالشوائب، لتغسلها، ولنقوم من مجلس العزاء محصنين ضد عذاب الله، وضد محاسبة التاريخ، تماماً كبكاء أهل الكوفة بعد مقتل سيد الشهداء. أليس كذلك؟!

أصبحت الدموع وسيلة للتحلل من المسؤولية، بدلاً من أن تكون وسيلة لتكريس المسؤولية، وتعميق الشعور بها.

إن التشيع كان يعني حركة أصيلة، منسجمة مع روح الإسلام وكل قيمة رسالية. وتاريخ الشيعة مليء بالتضحيات القيمة في سبيل الدفاع عن الرسالة ومقاومة التحريفية السياسية والاجتماعية والثقافية. ولأنهم عاشوا في ظروف رهيبة، ورثوا مرارتها ومآسيها، وبالتالي فهم حتى اليوم مطاردون من قبل أعدائهم بالأمس الذين هم بدورهم ورثوا من آبائهم البغضاء والعداء لأهل البيت وشيعتهم.

لكل ذلك أصبح الشيعة يزعمون أنهم هم الشعب الذي خصهم الله بجناته وكتب لهم رضوانه إلى الأبد. او بتعبير آخر؛ الثقافة الشيعية، عبارة عن ممارسات ظاهرية، تعبر عن المآسي والآلام التي تعرضوا لها. كما هي ايضاً؛ نظرية متكاملة تدعو للالتزام المسؤول بالخط الصحيح في الحياة، منها الدعوة الى إصلاح وتغيير كل انحراف وباطل داخل الأمة. فكانت الثورات والانتفاضات المتلاحقة التي فجرها الشيعة ضد الطغاة والمنحرفين والمستسلمين للواقع الفاسد.

أما اليوم، يبدو أن الجانب الثاني آيل الى الغياب والاضمحلال، بسبب رواج ثقافة الحماس والتعبئة وردة الفعل. وربما يعتقد البعض أن في تاريخ الشيعة، ليس سوى المآسي والويلات، من قتل، وتشريد، وتصادم مع الأنظمة الجائرة. تاريخ لم يبق منه سوى مذابح وكوارث، لهذا تجري دموع الملايين من الشيعة، ربما هم يبكون على ما حالهم، وليس على القيم والمبادئ التي انتهكت يوم عاشوراء. ويمكن ملاحظة هذه النبرة على بعض وسائل الاعلام الحسيني - إن صح التعبير- من منبر وشعر وكتابة وغيرها، مما يمكن أن نعبر عنه بترويج ثقافة اليأس والاحباط والخيبة والشعور بالاستضعاف، وهذا يمكن ملاحظته في المراثي الحسينية عبر وسائل عديدة، لا نخوض فيها، لأن اصحابها يحملون اهدافاً سامية في إحياء مصاب أهل البيت، عليهم السلام، بنوايا صادقة وحزن عميق، لكن ما يجب الالتفات اليه، هو الزمن الراهن ليس كله، استعطاف واستدرار للدموع، إنما هو ميدان للتأثير على الآخر، بطرح القيم والمبادئ السامية لأبطال كربلاء، وما سطروه من ملاحم انسانية وبطولية عظيمة. بمعنى أن الحسين وشقيقته زينب وأبا الفضل العباس، عليهم السلام، وسائر نجوم الطف، لم يكونوا ابداً في موقف الضعف بما يستوجب الاسترحام والاستعطاف، بل العكس، كانوا في قمة رباطة الجأش والتماسك، حتى النفس الاخير، وحتى اللحظات الاخير لحياة سيد الشيهداء، عليه السلام، وهذا ما يؤكده أحد الرواة ممن شارك في جيش ابن سعد، حيث قال في حق الامام الحسين: «ما رأيت مكسوراً قط، قتل اصحابه وأولاده، أربط جأشاً منه». كذلك الحال لمرحلة ما بعد الواقعة، وهي مرحلة «الأسر»، حيث علّمت العقيلة زينب والامام السجاد، عليهما السلام، أروع الدروس لنا، في رباطة الجأش، وقوة الاعصاب، وصلابة التحدي أمام الطغاة، الذين اسقط في ايديهم، فكانوا هم المهزومين، وأهل البيت، عليهم السلام، هم المنتصرين.


ارسل لصديق