المتلاعبون بالحقائق .. قراءة في دور الإعلام المضلل في قلب الحقائق الحسينية
كتبه: الشيخ ياسر الصالح
حرر في: 2013/12/15
القراءات: 2851

إن الدارس لثورة الإمام الحسين،عليه السلام و امتدادها في التاريخ، لابد أن يثيره تساؤل مهم وهو: كيف أن الأمة التي كانت للتو ترى النبي، صلى الله عليه وآله، يحمل الحسين، عليه السلام، على كتفه، و يقول: «أحب الله من أحب حسيناً»، كيف انقلبت عليه؟ وخذلته بل وقتلته ؟ وكيف استطاع الأمويون ترويج إشاعات كاذبة مثل: أن الحسين قُتل بسيف جده؟! ثم كيف تم تغييب الحقائق إلى يومنا الحاضر عن شريحة كبيرة من الناس؟

ان التوقف عند مثل هذه التساؤلات يقودنا إلى أبحاث معمقة تتعلق بجملة من القضايا السياسية والاجتماعية و الثقافية و التي لها علاقة بحراك المجتمع و من يقوده، ولعل في الإجابة عنها نجد جوانب متنوعة، ولكن هنالك جانب وبُعد مهم جداً له نصيب الأسد في التأثير، وقلب الحقائق، وهذا البعد يستدعي منا التوقف عنده، ودراسته بعمق، وتحليل مختلف حيثياته.. وهو الجانب الاعلامي السلبي و الذي يطلق عليه اسم التضليل الاعلامي.

 

* هيمنة الإعلام ودوره المؤثر

ليس الإعلام كما يتصور البعض مجرد صحيفة تصدر هنا، أو خبر يُنشر هناك، بل هو شيء أكبر من ذلك بكثير، فهو جملة من العمليات التي تؤثر على حركة المجتمع، وتؤدي إلى صياغة رأي عام ذي إتجاه مرسوم ومحدد سلفاً، فهو يعمل على تغيير الثوابت لدى الرأي العام، و رسم اتجاهات جديدة تخدم سياسات مبرمجي وسائل الإعلام، وهيكلية العقول وبناء أنماط تفكير معينة لدى الجماهير المستهدفة، ومن ثم سوقهم نحو سلوك مخالف لما يريدون القيام به أصلاً.

ومن هنا تأتي أهمية الإعلام لكونه وسيلة مباشرة للتأثير على العقول، و تحديد سلوكياتهم، و ردود أفعالهم بغض النظر عن كونها ايجابية أو سلبية.

 

* أساليب استعمار البشر

يقول الباحثون وعلماء النفس إن هنالك عدة أساليب يمكن من خلالها السيطرة على البشر، و دفعهم نحو القيام بسلوكيات خاصة مخالفة في كثير من الأحيان لرغباتهم،، ولعل أهم هذه الأساليب هي:

1- التخويف ونشر الرعب: وهو أسلوب يؤدي بالفرد إلى الطاعة العمياء خوفاً على مصلحته تارة، أو على حياته تارة أخرى.

2- الترغيب بالمال و المصالح: وهذا الأسلوب بخلاف سابقه يعتمد على الاغراء و الترغيب، فهو يقدم للناس منافع مادية أو معنوية في مقابل قيامهم بأعمال معينة.

3- تضليل العقول: وهو أخطر أساليب السيطرة، إذ أنه يعمد إلى العقل فيسيطر عليه بطريقة لا يُشعر بها، ومن نتائجه الخطيرة أنه يوفر هيمنة مستمرة دون أن يشعر الإنسان بذلك.

و بملاحظة هذه الأقسام الثلاثة نرى أن الذين جاؤوا إلى كربلاء لمحاربة الإمام الحسين، عليه السلام، ينطبق عليهم أحد الأساليب الثلاثة، فهنالك من جاء خوفاً من يزيد وبطشه، وهنالك من جاء طمعاً في مال ومنصب، و هنالك قسم ثالث و هم المضللون .

 

* التضليل الاعلامي..  تلاعب بالحقائق

التضليل الإعلامي هو مجموعة من العمليات الممنهجة للتأثير على الرأي العام، أو فئة من الناس، بقصد إعادة برمجة عقولهم وتوجيهها نحو هدف سياسي، أو اجتماعي، أو ثقافي معين، ومن ثم خلق واقع مزيف، وذلك بهدف إيقاع المتلقي في الخطأ، بينما هو يفكر بشكل صحيح، ومن أهم سمات التضليل هي اكتسابه مظهر الصدق وكسب ثقة المتلقي. وهنا يشير سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي في كتابه «التاريخ الإسلامي» إلى الجهود التي تُبذل لإخفاء حقائق التاريخ وتزييفه، و تجزئته، ومنع الناس من فهم التاريخ بشكل سليم، وهو يدعو إلى قراءة جديدة للتاريخ تحاول إستقاء التاريخ من مصادره الصحيحة، و ربط وقائعه مع بعضها البعص.  وعادة ما يعمد المضللون في الإعلام إلى تأسيس «قاموس مصطلحات إعلامي»، يتناسب مع المرحلة والأهدف الموضوعية، ولذلك تُصاغ المصطلحات بدقة وتُنحت بشكل يحقق الغايات لغزو العقول والقلوب، وتضليل الرأي العام، وتوجيهه إلى الغاية الإستراتيجية المطلوبة.

 

* التضليل الاعلامي

وتشكيل وعي المجتمع

صياغة وعي المجتمعات ركيزة أساسية لصناعة حراك المجتمع، فإذا استطاع الحاكم الظالم صناعة وعي مجتمعي متخاذل عن نصرة الحق، حصل بالنتيجة على مجتمع يُجبّن كل واحد منه الآخر، أما إذا استطاع الثوار والأحرار صناعة وعي سليم في المجتمع، استطاعوا أن يحصدوا حراكاً واعياً يتحمل فيه أفراد المجتمع مسؤولياتهم.

لذلك يُعد تشكيل الوعي المنحرف  في المجتمع من أهم أهداف المضللين، و قد عمد الباحثون والدراسون على وضع مجموعة من النظريات، والأسس التي تساعد على تشكيل وعي المجتمع، وهنا نذكر تقنيتين لتشكيل الوعي يذكرهما (هربرت أ.شيللر) في كتابه المتلاعبون بالعقول:

 

* 1- التجزيئية بوصفها شكلاً للاتصال

تقوم تقنية التجزيء على حصر الأحداث والوقائع في بؤر صغيرة، وتقطيع ارتباطاتها مع باقي الأحداث، مما يجعل المتلقي يتصرف مع كل حدث على كونه كياناً مستقلاً بذاته، دون أن يبحث عن الجذور التي أدت إلى حدوثه، أو يبحث عن النتائج التي قد تترتب عليه، لذلك يعمد صناع الإعلام اليوم إلى بث مجموعة كبيرة من الأخبار المتناثرة هنا وهناك، مركزين على الخبر بما هو خبر، فعلى سبيل المثال: حينما يُطرح خبر انفجار في دولة ما يتم التطرق إلى الحالة التوصيفية للخبر فقط ( عدد القتلى، مكان الانفجار، ...) دون التطرق إلى الأسباب الحقيقية التي تؤدي إلى تفجر الصراع في المجتمعات مثلاً.

وهنا نلاحظ محاولات كثيرة لتجزئة الثورة الحسينية، و التعامل معها على أنها أجزاء متناثرة، ليس بينها ترابط، بل العمل على فصل الترابط القائم بين ثورة الإمام الحسين، عليه السلام، وبين الرسالات السماوية، او انها حادثة تاريخية مقطوعة عن الواقع.

 

* 2-  فورية المتابعة الاعلامية

وهي من التقنيات المهمة في تشكيل الوعي حيث يعمد أرباب الإعلام، إلى خلق ثقافة مجتمعية عامة تركز على أهمية المتابعة الفورية للأخبار، دون الاهتمام بالتفاصيل، ومن ثمَ فتح المجال أمام تدفق سيل كبير من المعلومات يتميز بالتسارع، و يجعل المتلقي في حالة ذهول، مما يجعل ردة فعله متأخرة أو معدومة. وهكذا تتحول الأحداث إلى سلع تباع، و على المتلقي الحصول على السلعة طازجة قبل أن تصبح خبراً بائتاً.. و تكمن الخطورة في هذا النوع من الترويج في كون المتلقي لا يملك الوقت الكافي للتحليل، وللتعامل مع الأحداث وتسجيل المواقف، ومن الأمثلة على ذلك:

* لقد حاول الحزب الأموي شغل الناس بتعدد الأحداث في واقعة كربلاء وتلاحقها، فبعد مقتل الإمام الحسين، عليه السلام، حاول مباشرة الانتقال إلى حدث آخر و هو تسيير مواكب السبي في الأمصار، وشغل الناس بأفراح مصطنعة، وهو ما يطلق عليه اسم «نظرية التأثير الانتقائي»، ومن ثم شغل الناس بأحداث كبيرة آخرى كاقتحام المدينة، وضرب الكعبة، في محاولة منهم للتغطية على مقتل الإمام، عليه السلام.

 

* أساليب التضليل الاعلامي

لأن التضليل يعمل على قلب الحقائق وتزييفها، و يحاول أن يسيطر على العقول، لذلك فهو ليس عملية سهلة، ومن هنا نرى أن الممارسين للتضليل الإعلامي يبحثون عن أفضل الأساليب التي توصلهم إلى أهدافهم، ويحاولون اختيار الأسلوب الأنجح مع كل مجتمع، وكل زمان، ونحاول أن نتطرق إلى بعض الأساليب المستخدمة في التضليل الإعلامي:

1- ترويج الشائعات:  الشائعة : هي خبر أو قصة أو حدث يتناقله الناس بدون تمحيص أو تحقق من صحته, ولأن الناس عادة ما تحب نشر الأخبار و تناقلها لذلك يكون ترويج الشائعات أمراً يسيراً، وهو أسلوب شائع خاصة أثناء الحروب، فنحن نرى أن أعداء الحسين،عليه السلام نشروا مجموعة من الشائعات منها:

 الترويج بقدوم جيش الشام الجرار إلى الكوفة في الفترة التي كان مسلم بن عقيل فيها، وكان الناس قد التفوا حوله، وقد أثمرت هذه الشائعة - مع جملة من الأساليب الاخرى- في إبعاد الناس عن مسلم و من ثم عزله وقتله.

وفي زماننا الحاضر تم نشر جملة من الشائعات التي تتعلق بالشيعة، وبإحيائهم لذكرى عاشوراء في محاولة للإنتقاص منهم ومن هذه الذكرى.

2- الكذب و التحريف: الكذب هو مخالفة القول للواقع، و التحريف هو التغيير و التبديل، فتارة يعمد المضلل إلى اختلاق واقعة لا وجود لها فهذا نوع من أنواع الكذب وتارة يلجأ إلى واقعة موجودة فيقوم بالتغيير والتبديل فيها وهذا نوع من أنواع التحريف، ويُعد التحريف أكثر خطورة من الكذب، ومن الأمثلة على ذلك:

* تحريف جملة من الاحاديث النبوية التي تمتدح أهل البيت،عليهم السلام، و إسناد فضائلهم إلى غيرهم، إضافة إلى اختلاق أحاديث لا أساس لها من الصحة، من قبيل الأحاديث التي وضعت على لسان النبي، صلى الله عليه وآله، و التي توجب طاعة ولي الأمر سواء كان براً أو فاجراً.

* تبرئة يزيـــــــــــد مـــــــــن دم الإمـــــــــام الحسين،عليه السلام: يقول ابن تيمية: «إن يزيد بن معاوية لم يأمر بقتل الحسين، باتفاق أهل النقل ولكن كتب إلى ابن زياد أن يمنعه عن ولاية العراق».

3-  التعتيم: وهو الإخفاء و التستر، إذ يعمد المضللون إلى إخفاء الحقائق عن الجمهور، كي لا يتأثروا بها، ومن الأمثلة على ذلك: اتفاق القنوات الفضائية العربية على عدم تغطية شعائر الأربعين بعد الضجة الكبيرة التي حصلت في الأربعين الذي جاء بعد سقوط الطاغية صدام، و الأثر الكبير الذي تركه في نفوس وعقول الملايين، وهذا ما دفع هذه القنوات إلى اتخاذ قرار بالتعتيم وعدم نقل أي شيء له علاقة بإحياء ذكرى الإمام الحسين،عليه السلام.

4- التلاعب بالكلمات: وهو من الأساليب المهمة خاصة في زماننا الحاضر، ونقصد به صياغة كلمات إعلامية معينة تعبر عن أحداث واقعة، و ادخالها في قاموس المصطلحات، وهذه الكلمات تحمل ظلالاً سلبية في الغالب، أو قد يعمد المضللون إلى التلاعب بالكلمات وصياغتها لايصال رسائل خاطئة ومن الأمثلة على ذلك: التلاعب في عناوين الأخبار، وهو أسلوب شائع تحاول كل جهة من خلاله إبراز ما تريد ابرازه، وإخفاء ما تريد إخفاءه، إضافة إلى إيصال الرسالة التي تؤمن بها، ومن أمثلة ذلك ما نشرته قناة العربية قبل عدة سنوات عن إحياء عاشوراء في البحرين تحت عنوان: «البحرينيون الشيعة يستوردون الحزن والبكاء من العراق» لتوحي إلى المتلقي من خلال العنوان أن إحياء عاشوراء طارئ على شعب البحرين، وأن الإحياء مقتصر على العراق.

 

* مواجهة التضليل الاعلامي

يقول القانون الفيزيائي الذي وضعه نيوتن: «لكل فعل ردة فعل تساويه في المقدار وتعاكسه في الاتجاه» وهذا القانون يمكن تطبيقه في الكثير من مناحي الحياة، وهنا في موضوع التضليل الإعلامي للثورة الحسينية لكي نستطيع مواجهة الهجمة الشرسة، و السياسات المبرمجة العاملة على تضليل الرأي العام، لابد أن يكون لنا - على أقل التقادير- ردة فعل توازي الفعل الذي يقوم به المضللون، إن لم يكن أكثر، لذلك مطلوب اليوم من الأمة الإسلامية أن تحدث نهضة إعلامية كبيرة، تعتمد على العقل، و تستغل كافة الوسائل الإعلامية المتاحة، و التقنيات المتطورة، للوصول إلى أكبر شريحة ممكنة، و نقل القضية الحسينية إلى العالم نقية صافية بعيدة عن التزوير و التضليل، و هذا يتطلب تضافر الجهود من كافة أبناء الأمة من علماء، و مثقفين، و كوادر رسالية عاملة، و تجار، إضافة إلى عامة الناس،  لنوصل مشعل النور الحسيني إلى العالم أجمع.

------------------

* كاتب من البحرين


ارسل لصديق