زينب.. الإعلام الثائر
كتبه: عالية الناصر
حرر في: 2013/12/16
القراءات: 1421

في عالم واسع. نتيه بين النماذج. نأخذ من هذا وذاك، كيما نُنهي تجميع قطع الصورة المبعثرة لشخصياتنا.

قد يستغرق منا ذلك عمراً. وقد يضيع العمر ولم تكتمل الصورة لدينا.

وفي هذا التيه، قد نعي الصورة النهائية ونسعى من خلال هذا الوعي لإكمالها، او يلهينا الجمع عن اختيار ما يجب إختياره، فلا نحصل بعده على سوى صورة مشوهة لا ترغب العصور بالاحتفاظ بها.

ولطالما كان العمل المتقن محطاً للأنظار وملفتاً للعقول. فكيف إذاً بعمل من صنع الله وتسديده؟!

إن اللوحة التي رسمتها السنين لشخص العقيلة زينب، عليها السلام، مثار للإعجاب ودعوة للتأمل والإنبهار. فلم تكن، عليها السلام، لتصُنع في يوم كربلاء، وبلا خطة إلهية مسبقة وحكيمة.

هذه اللوحة التي ابدعتها أنامل الزهراء وعلي، عليهما السلام، ومنها علمت ان لها دوراً لا يأخذه غيرها. علمت بالمصاعب، و أدركت قيمة الهدف، وبُشرت بالعاقبة، فاختارت أن تتحمل العبء والتضحية، و «الله يعلم حيث يضع رسالته»..

 زينب، عليها السلام، جمعت خلاصة التجارب لتصل الى الصورة الكاملة التي تمثل دورها، بقيت قدوة اللسان الصارخ في وجه الظلم والطغيان في كل زمان ومكان. فكانت وزيرة الإعلام للثورة الحسينية.

 

* لسان الثورة الناطق

 لما كان الامام الحسين، عليه السلام، عارفاً باساليب اعدائه الملتوية في اغواء الناس و تضليلهم، ولما عرف من مكرهم و ثقته بانهم سيسعون بعد قتله لتشويه صورة ثورته المقدسة، كان لابد له من التفكير في خلق اعلام ثوري مقابل اعلام العدو. فكان، عليه السلام، في كل خطواته و بمرأى من شقيقته، عليها السلام، يوضح أهداف ومنطلقات ثورته ويكشف انحرافات الأمويين وفسادهم و يؤكد على المسؤولية الملقاة على عاتق المسلمين للوقوف في وجوههم، منذ خروجه من المدينة و التقائه بجموع الحجيج، ثم في رحلة المسير للعراق، بل في ارض كربلاء، والى آخر لحظات عمره الشريف، عليه السلام، لم يغفل في لحظة عن اهمية افشال المخطط الاعلامي للعدو و ايصال اهداف ثورته المقدسة و منطلقاتها للجماهير، ولأن استمرار إعلام الثورة بعد الواقعة، له أهمية لا تقل عن الثورة نفسها، كان اختياره الحوراء، عليها السلام، لصحبته في هذه المسيرة الجهادية، أمراً لابد منه. فهي بذرة سيد البلغاء التي استقت منه الحكمة و البلاغة، وهي «عالمة غير معلمة، و فهمة غير مفهمة».

 

* زينب تفرغ عن لسان

أبيها أمير المؤمنين (ع)

في أصعب المراحل وتحت انظارالظالمين الطغاة، كانت مثال الشجاعة واللسان الناطق والبصيرة النافذة الذي يتفجر بلاغة وحكمة ليغرقهم في العار، و يرسي سفينة الثورة على ارض الشموخ و الخلود. وكان منها، عليها السلام، ما سجله التاريخ:

 

* أولاً: فضح اهل الكوفة

و إفساد احتفال النصر

في المدينة التي كانت فيها يوماً سيدة زمانها، (الكوفة) جاءت زينب، عليها السلام، أسيرة وسط احتفال النصر على المتمردين على الحكم و الخارجين عن السلطة. فنطقت بما كان يمثل ضربة في الصميم، وهزة في الأعماق. بكل هيبتها بدأت.. فأومأت الى الناس ان اسكتوا. فسكتوا، فارتدت الانفاس و سكنت الاصوات.

واجهت اهل الكوفة بما جنته أيديهم من الجريمة النكراء، واظهرت صورتهم المشوبة بالضعف و ازدواجية الرأي و سوء الخلق. بينت لهم الابعاد الحقيقية للفاجعة، و انها ليست حركة من متمرد، تم القضاء عليها كما اراد بنو أمية ان يفكر الناس بها. وذكرتهم بمكانة الحسين، عليه السلام، وانهم بقتله قد اعتدوا على ذات الرسول الاكرم، صلى الله عليه وآله، وانذرتهم بالانتقام الالهي منهم.

 

* ثانياً: زينب تسقط هيبة ابن زياد:

وسط نشوة الانتصار ورغبته في الشماتة و اصراره على افقاد الحوراء، عليها السلام، جرأتها لتنهار، فيتمكن من ادخال الرعب في قلوب كل من يأبى مبايعة يزيد، جاءت كلمات السيدة، عليها السلام، بعد تجاهل حكيم لاستفزازاته لها، لتنبئه عن فشله وتسقط هيبته بكل شجاعة، فكانت بليغة امام انسان ألكن.

وقفت بشجاعة و ايمان لتعلن له امام كل من حشده ليشهد نصره، انها لا تشعر بالهزيمة، فما حدث هو شيء جميل، و انه استجابة لأمر الله في الجهاد ضد الظلم، و أن المعركة لم تنته بعد، بل بدأت للتو، وأن نهايتها يوم القيامة وهناك يكون النصر الحقيقي.

 

* ثالثاً: زينب تحطم كبرياء

يزيد و تصيبه بالحيرة

بعد مهرجانات النصر، واستعراض دخول السبايا للشام، ادخلوا الى مجلس الطاغية يزيد - لعنه الله- بكل الإذلال موثقين بالحبال في الاعناق. وهو متربع على سرير جبروته، ينكت الثغر الشريف بقضيبه وهو يترنم بالقول:

ليت اشياخي ببدر شهدوا 

جزع الخزرج من وقع الاسل

لأهلوا و استهـــلوا فرحا  

ثم قــــــالـوا يايزيد لا تشـــل

هنا؛ قررت العقيلة، عليها السلام، ان تقف امام جبروته و طغيانه و ظلمه لتسجل أروع مواقف الدفاع عن الحق، بشجاعة لم يعهدها ذلك المجلس مسبقاً، وقفت و بكل حزم و اقتدار. وبشموخ بيت الرسالة، لتبين لكل من حضر عنده لمشاهدة نصره خلفيات تلك المعركة. تدين الجرائم الاموية بحق آل البيت و توضح مظلوميتهم.

توبخه على اقواله التي توضح كفره، و تبين للجميع أصوله الجاهلية المعادية للدين، بحقدها ووحشيتها في محاربة الرسول و اهل بيته، صلوات الله عليه، وتتوعده بمصير اسلافه في جهنم.

تشيد امام الجميع بأهل البيت، و تفخر بهم و تذكره بفضل جدها عليه وعلى أبيه وجده فهو، "ابن الطلقاء".

و تؤكد له انه بالرغم من النصر الزائف، إلا انه ملطخ بأوحال الهزيمة، وتتحداه في ان يحقق اهدافه في طمس ذكر اهل البيت، عليهم السلام: «فكد كيدك و اسع سعيك وناصب جهدك، فوالله لا تمحو ذكرنا ولا تميت وحينا».

كل ذلك و تستخف به و تبدي احتقارها له، وانها أكبر و أسمى من أن تكلمه او تخاطبه لولا ما فرضته عليها الظروف: «ولئن جرت علي الدواهي مخاطبتك، وإني لاستصغر قدرك و استعظم تقريعك و استكثر توبيخك..».

ولنا ان نتصور ما لهذا الاستخفاف و التوبيخ و التحقيرلفاجر كيزيد امام الجموع، التي اراد ان يتباهى بنصره الزائف امامها، من وقع على نفسه.

ولكن كيف يتصرف؟ لقد حطمت كبرياءه بذكائها، والجمت لسانه عن الرد فاصابته بالحيرة.

 

* {فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ}

بكل الحنين و الألم.. وكل الذكاء في تخليد القضية تعود زينب، عليها السلام، الى أرض الفاجعة، لتقف على القبر الشريف و كأنها تخبره انها قد أدت الدور و تعده بالاستمرار.

تعود لتشعر المتقاعسين عن نصرته، بالمزيد من الندم والأسى لعظيم الفاجعة. لتدعو الناس للتفكير في الثورة المقدسة، و ضرورة عودة العقول لها. تزورها.. تستسقي منها القيم. تستلهم منها المناهج. فتشاركها النصر.

 

* خرجت بعزّها وعادة بقضية

ان الدخول بصورة الاسير الذليل العائد لوطنه بعار الهزيمة بعد عفو الحاكم، لا يليق بمن انتصر بقضيته.

في وقفة ذكية امام مشارف المدينة، جاء القرار بالتخييم خارجها. و إرسال من ينعى الحسين، عليه السلام، لأهالي المدينة عند مسجد رسول الله، صلى الله عليه وآله، فلا يدخلون البيوت بصمت الذليل، بل بقضية بدأت بفاجعة لآل البيت و خلدت بهم.

وحين خرج اهل المدينة الى المخيم، دخلت بشموخها لتنسف التضليل الإعلامي لآل أمية. ومنها عادت القضية الى المدينة لتتحول و كل بقعة نزل بها السبي الى مراكز لإعلام الثورة.

 

* أراد اسكاتها فخلُدت

كان قرار إبعاد السيدة زينب، عليها السلام، من المدينة الى الشام قراراً غبياً، وجاء بنتائج عكس ما كان يخطط الحكم الأموي.

ان عودتها الى ارض من اصدر الحكم بتصفيتها وأهلها، و تشويه صورة ثورتهم، قد فتح عقول و قلوب الشعب المضلل في اراضي الشام، فخلد صوت زينب، عليها السلام، و انطفأ صوت الأمويين.

و عند قبتها، انطلاق للعقل ليميز العبقرية الاعلامية للثورة المقدسة. انه إعلام مسدد ومؤيد من السماء. {أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ}.


ارسل لصديق