استحقاقات الإعلام الحسيني
كتبه: محمد الحسيني
حرر في: 2013/12/16
القراءات: 1104

قال تعالى: {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا } (سورة الاحزاب /39).

{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا  وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا  }  (سورة الاحزاب /45 - 46).

يجد المتتبع لمجريات الأحداث التاريخية، بعد واقعة كربلاء مروراً بأربعينية الحسين، عليه السلام، وحتى يومنا الحاضر، المدى الواسع الذي صنعه الإعلام الحسيني في تخليد وإحياء القضية الحسينية وإبقائها مصدراً ثرياً بالدروس المتجددة. وبينما كان الإعلام الحسيني متقدماً في رؤيته ووسائله تاريخياً، يكاد يكون متراجعاً في عصرنا الحاضر مقارنة بالمحيط الإعلامي السائد اليوم.

* كيف ولماذا؟

المحطات المتضمنة لمحتوى واهداف الإعلام، منذ فجر الإسلام الأول، كثيرة وغنية بالعبر والمضامين الإعلامية، سواءٌ في كيفية وقوعها، أو في توقيتها و وسائل التعبير فيها. وقد عمل بها المعصومون، عليهم السلام، وحرضوا أتباعهم عليها. منها: يوم تبليغ الرسالة في غدير خم بالولاية للإمام علي، عليه السلام، من قبل الرسول الاكرم، صلى الله عليه وآله،  بتجميع الجماهير في منطقة صحراوية، ثم يعتلي مرتفعاً لذلك، في ترجمة لآية التبليغ: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} (سورة المائدة /67).

ومنها: خُطب الإمام علي، عليه السلام، الموجهة لكل الناس في المدينة والعراق، لاسيما المعنية بمصالح الأمة وآمالها وكذلك إرشادها. ومنها: سعي الإمام الحسن الزكي، عليه السلام، المستمر لاطلاع الأصحاب والعامة على مضامين صلحه مع معاوية، ثم اطلاعهم على تجاوزات معاوية لشروط الصلح أيضاً. ومنها: خطب الإمام الحسين، عليه السلام، الجماهيرية ومواقفه في كل محطة مر بها في طريقه من المدينة إلى كربلاء. ومنها: مواقف وكلمات الإمام زين العابدين، والسيدة زينب، عليهما السلام، من يوم عاشوراء حتى شهادتهما. ومنها: التصرفات التفصيلية لجميع المعصومين اللاحقين وصولاً للإمام المهدي المنتظر - عجل الله فرجه - تجاه قضية كربلاء ويوم عاشوراء، وتعاطيهم عليهم السلام، مع الشعراء وتشويق الناس ودفعهم نحو إحياء أفراحهم وأحزانهم.  ناهيك عن بعض الصور الدينية التي تتضمن رسالة إعلامية وإعلانية في آن واحد، مثل التصحّر لصلاة العيد، وتشريع الأذان للصلاة، وهو أذان يصل صداه إلى السماء كما قال رسول الله، صلى الله عليه وآله، «إن أهل السماء لا يسمعون من أهل الأرض شيئاً إلا الأذان» (1). وما أمر الله به من دفع وتشويق الناس للحج: {وأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ}  (سورة الحج /27). وما الفنون الإعلامية ووسائلها المتنوعة التي حفل بها التاريخ الإسلامي منذ اليوم الأول من هجرة الرسول، صلى الله عليه وآله، وحتى وقتنا الحاضر كالخطابة، أدوات التبليغ، الدعوة والإرشاد، متانة المكاتبات والرسائل، إلا صوراً لوسائل إعلامية متنوعة.

 

* الإعلام الحسيني في عصرنا الحاضر

أمسى الإعلام أداة من أدوات الإعلام الجهادية المهمة، يفوق الشعر في دوره كأداة إعلامية جهادية في زمن الرسالة المحمدية، كما صرح النبي الاكرم، صلى الله عليه وآله، لما سُئل عن الشعراء فقال: «إن المؤمن مجاهدٌ بسيفه ولسانه، والذي نفسي بيده لكأنما ينضحونهم بالنبل» (2)، بل الكلام في حد ذاته خطير كوسيلة إعلامية، حيث قال الإمام علي، عليه السلام، « رُب كلام أنفذ من سهام» (3).

فالإعلام وسيلة حضارية للتبليغ والتوجيه والإرشاد، بل أصبح اليوم من الوسائل المؤثرة في الساحة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وهو ما جعل أغلب المفكرين يعدون البلدان الإسلامية والعربية مستعمرة في هذا القرن، (الواحد والعشرين) بسبب الغزو الثقافي بمواقع النت والقنوات الفضائية، واليوم نشهد تحول الهاتف النقال الذي يوضع في الجيب، يمثل جهاز حاسوب متكامل، ينقل الصوت والصورة من والى أي شخص في العالم، بعد أن ارتبط بالشبكة العنكبوتية العالمية.

ما قام به الإمام زين العابدين، وكذلك سيدتنا زينب، عليهما السلام، حققا ما تطمح اليه  أي جهة إعلامية من التأثير في الرأي العام، وتغييره أو إعادة صياغته، فالرأي العام يساهم في تغيير الموازين السائدة، ويدفع صناع القرار نحو التردد كثيراً في اتخاذ أو عدم اتخاذ قرارات تخالف الرأي العام المهيمن على المجتمع، سواءٌ يتشكل الرأي السائد بشكل عفوي أو تحصيلي، وسواءٌ كان ظاهراً أو باطناً.

 

* واقع الإعلام الشيعي

إن حجم الإعلام الشيعي حالياً يكاد لا يُذكر، في مستوى التأثير وأعداد المتلقين في العالم، الذي يناهز تعداد سكانه (7) مليارات نسمة. لاسيما بمقارنته بما لدى الآخرين من عدد الفضائيات ومواقع النت وسائر وسائل الاعلام المقروءة. فلم تصادف البشرية، على امتداد تاريخها، بفترة من الزمن تنتقل فيها المعارف والقيم والنتاج الإنساني والحضاري بينها، بالسرعة الفائقة كما هي عليه اليوم. فقد كانت عملية تأثير حضارة ما على الأمم الأخرى تستغرق عقودا من الزمن، وجهوداً ضخمة من البشر، مثلما جرت عليه عمليات تبادل التأثير الحضاري من الرومانيين على المجتمعات الأخرى، أو من العرب على غيرهم، وبالنتيجة تحتاج إلى فترة أخرى لتتمدد وترسخ في شخصية ومجتمع الآخر. بينما اليوم، وبفضل الوسائل الإعلامية المتعددة المدعومة بالتكنولوجيا المتقدمة، تقلصت الفترة الزمنية وتقاربت المساحة المكانية بين سكان الأرض، وبات تبادل التأثير يستغرق وقتاً قصيراً.

ليس خطأ أن تتحول بعض الحسينيات إلى وسيلة إعلامية فضائية أو «إنترنتية»، أو إلى جريدة حسينية مقروءة، بل هو مواكبة من الحسينيات للتطور الإعلامي، ولكن ضمن فهم وإدراك الإعلام كتخصص، ووفق معايير الإعلام كمهنة واحتراف بما يعود على الشيعة والتشيع بالخير الكثير.

بيد أن مشكلة المشاكل التي تعاني منها أغلب الوسائل الإعلامية الشيعية، الفضائية والإنترنتية، المقروءة والمسموعة والمرئية، غياب أمرين: الأول: الرؤية الإستراتيجية المنبثقة من الذات ومطالبها. الثاني: غياب الاحتراف المهني الإعلامي. لذا ترتبك هذه الوسائل بين الممنوع والمسموح في ما تقدمه من مواد. وتراوح مكانها ما بين التقليدية الكلاسيكية والتحديث في لغتها وأدواتها. وتتعثر في ترجمة خططها بين ما تأمل وتتمنى من جهة، وبين ما يفرضه واقعها ومحيطها وجماهيرها عليها من جهة أخرى.

من هنا، تأتي أهمية التركيز على بعض التوصيات الضرورية لتطوير الإعلام الشيعي، منها: التوجه نحو التخصص الإعلامي والخروج من دائرة الإعلام العام، مثل إعلام فكري وآخر سياسي، وغيرهما تعليمي، مع السعي لتطوير الكفاءات الإعلامية المتخصصة، والعمل على بناء البنية التحتية للإعلام الشيعي الحقيقي كتأسيس مراكز إعداد للكوادر الإعلامية وتأسيس مؤسسات إنتاج فني متعددة الأغراض. والتركيز على إبراز حضارية فكر أهل البيت بصورة عصرية لا تتجاوز التأصيل الفكري، ولا تمس الثوابت الأساس للعقيدة وتدفع إلى الدين بالتي هي أحسن. بل تعمل على تشجيع وتأصيل أمهات الأفكار العصرية بروح دينية منفتحة كالديمقراطية ومبادئ حقوق الإنسان وتنمية مؤسسات المجتمع المدني ونشر ثقافة إدارة الحياة وثقافة السلم الاجتماعي وتعزيز ثقافة الحوار مع المتشابه الذاتي، ومع الآخر المغاير وتكريس ثقافة التعددية، وإعطاء الاهتمام اللازم بأمهات القضايا التي ترتبط بحياة البشرية كافة كالفقر والبطالة والأزمات السكانية والصحية والبيئية والتعليم.

ختاماً؛ مثلما باتت أيام عاشوراء من المحطات التي تتوجه الوسائل الإعلامية لاستثمارها وتفعيلها، كذلك ينبغي التعامل مع أربعينية الحسين عليه السلام، بل كانت هذه المناسبة، منذ أول أربعينية بعد شهادة الإمام، المنطلق الحقيقي للحركة الإعلامية الحسينية.

---------------------

1- ميزان الحكمة: 82/1 ح 441عن كنز العمال 20934.

2- ميزان الحكمة: 1936-1937/5 ح 9432عن نور الثقلين 4/70/105.

3- ميزان الحكمة: 3623/9 ح17832عن غرر الحكم 5322.

 


ارسل لصديق