الشعائر الحسينية بين جيلين
كتبه: خالد الحسن
حرر في: 2013/12/16
القراءات: 822

تستمد الشعائر الحسينية شرعيتها الاجتماعية من شرعيتها الدينية وتجذرها الاجتماعي تاريخيا بحيث أصبحت معلماً للمجتمع الشيعي، وعرفاً راسخاً تتوارثه الأجيال. والتأكيد على الشرعية الدينية إنما للتذكير والتأسيس لحقيقة مفادها، أن «الإحياء» عنوان عام، وقد ذكرت النصوص بعض التفصيلات والتي تشكل التأسيس لـ»المأتم»، وشرعت للبكاء. وعلى مرّ التاريخ أكتسب الإحياء تمظهرات اجتماعية متنوعة تنسجم مع الثقافة والأدوات السائدة. نعم؛ استمر «المأتم» و «البكاء» كعلامة فارقة.

ومن ثمّ الأعراف الاجتماعية في الإحياء هي مطلوبة بما هي محققة للعنوان العام، فهي تفصيل اجتماعي يخلقه وقد يورثه ما دامت الظروف الاجتماعية والثقافية متشابهة أو أن العرف الموروث سيال في الأزمنة والأمكنة لاقترابه من التعبير الإنساني المشترك.

وهنا يتضح أن الشكل والأطر المظهرة للإحياء سوى المنصوص هو متغير اجتماعي.

وقدمنا بما سلف تمهيدا لتقبل الأفكار الجديدة في تمظهر الإحياء، والتي هي محط اختلاف النظر بين الشباب وجيل الآباء.

 

* الآباء المستأمنون على المجتمع

ويصنف جيل الآباء في الغالب في خانة المحافظين على تراث الآباء، حيث يولون مظاهر الإحياء عناية يكسوها الوقار والمهابة. بينما قد يأخذ بعض المحافظين على جيل الشباب «الأفكار الجديدة»، أن بعض ما يأتون به من جديد قد لا يكون لائقاً بجلالة الذكرى، أو يشوب إحياءها بعض التصرفات المرافقة للإحياء الفاقدة للرشد أو الحكمة. ولسنا هنا للمساجلة بين طرفين.. فنحن جميعاً في مركبٍ، وإنما نتوقف لاستيضاح الصورة.

قد تشكلت صورة المجتمع في مقطع زمني وقد يخاله البعض أنه مقطع ثابت ليفصح عن مكونات المجتمع ومؤسساته المتعارفة، حيث يتبوأ جيل الآباء غالبا مفاتيح المجتمع ومؤسساته. بيد أنه أبداً لا يتوقف الحراك الاجتماعي. ويوشك الجيل الجديد بالتطلع، بل والأخذ بأسباب المجتمع.

وبينما يرى جيل الآباء أنفسهم مستأمنين على المجتمع؛ سلامته، ومصالحه، وثقافته، بينما الجيل الشاب لا يرى ذلك، وإن كان جيل الآباء يأخذون بأسباب المجتمع فعلا، لكن الجيل الجديد يجد دائما فسحة فيما تستحدثه تبدلات المجتمع الاقتصادية والثقافية، فينفذ بها للتعبير عن وجوده.

 

* إجهاض الجديد سيئ العواقب

وهذه المنافذ والأطر الجديدة التي يطل بها الجيل الشاب، تزاحم المؤسسات المتعارفة، وربما يُصار لكل جيل أطره الاجتماعية متجاورين في الزمان والمكان.

وهذا العصر المتسارع يسابق الزمن في المستحدثات العلمية وما يرافقها من تبدلات ثقافية واقتصادية وعلمية، لن يسمح بتزاحم بين الجديد وغير الجديد بيسر. ولا أظن أن عسر ولادة الجديد محمود العواقب، كما أن إجهاضه لن يفقده الحياة وإن استطاع تشويهه أو إعاقته لا مسوغ له إن لم يكن خطيئة أحيانا.

وسنعطي لأنفسنا بعض الحق في تسجيل بعض الملاحظات:

1- إشكالية جيل الآباء ينبغي أن تؤخذ بقدر كاف من الاهتمام والاستماع من جيل الشباب. وليس بكثير أن يُطلب من الشباب رعاية بعض الأمور. بدءاً من التروي في تراث الآباء فبعضه ملائم حتى في الزمن القادم وربما كان غالبه، والتوقف كثيرا عند رعاية الأحكام الشرعية فيما يستحدثون أو يرافقه وليس منه، وربما أفسده كله. وكثيرا ما تضيع الضوابط الشرعية حتى في مثل هذه المناسبات المحترمة في غمرة الانفعالات العاطفية. ثم التفكير والتشاور في رعاية مصالح المجتمع العامة والمحترمة شرعاً وعقلائيا. إن ما ينفع الناس هو المعيار بعد ضوابط الشرع، وبهما معاً يزن العاقل السعي في الأمور العامة.

2- بيد أن خطاب الجيل الشاب لجيل الآباء يستحق أكثر من الاستماع.

إن الشباب يبحثون عن مساحة في «المآتم» والشعائر الحسينية، ومع الاحترام الكامل لتجارب وخبرات وحرص جيل الآباء، فإن الشباب يطمح قبل كل شيء إلى البدء من حيث انتهى الآخرون في إدارة الحسينيات والمراسم الحسينية وليس التنكر لجهود الآباء، أو العمل بلا هدى، وهو مبرر يتخذه البعض لمنع الجيل الشاب من الاضطلاع بالمسؤولية .

إن إفساح المجال للجيل الشاب عن طيب خاطر يكفي المجتمع أعباء التزاحم العسير، بل إن لذلك فائدتين أخريين ينبغي التمعّن في نتائجهما: الأولى: أن ذلك تعبير عن الوجود الاعتباري والهوية وتحقيق الذات بالنسبة للشباب فيصرفهم عما لا ينفعهم في دنياهم ويضرهم في أخراهم. والثانية أن الشباب هم الأقدر على مواكبة العصر الجديد الطارق لأبواب المجتمع دائما، فهم رجال العصر الجديد العارفين بأدواته وهمومه، فبهم لا يصبح شكل الإحياء وأدواته خارج الزمان.

3- خطيئة التفكير الحاد الذي ينفر من الجديد والآخر. وبقليل من الهدوء وسعة الصدر ورحابة الفكر سيجد أحدنا الآخر قريباً أو مكملا، وعلى أسوأ الفروض مختلفا، ولا ضير في ذلك ما دام في سعة من الدين ورعاية للمصلحة العامة.

بل بقليل من التأمل سيجد الجميع (الآباء والأبناء) أنفسهم مجرد أناس عابرين عبر الزمان حيث تستمر الحياة ولا تقف عند أحد. وما رسالة الدين إلا أمانة تتناقلها الأجيال.

وهذا الدين محكمة ثوابته تراعى عبر كرور الأيام ليس إلا. ونجاح الجيلين سيحاكم بقدرتهما على التواصل في حمل الأمانة. وبعبارة تخص جيل الآباء أكثر إفصاحا، أن السنين المديدة من العمل لغرس الثقافة الحسينية تذهب سدى، إذا لم يلحقوا تجاربهم وخبراتهم بالجيل الجديد الذي سيضطلع بذات المسؤولية للجيل الثالث مع إمكانية تجديدها وتطويرها إلى الأجيال الأخرى.

وتجدر الإشارة إلى فائدة «التطعيم» في إدارة المؤسسات الاجتماعية برعاية الآباء للجيل الصاعد في تخفيف حدة التغيرات الاجتماعية والتدرج في حدوثها بيسر.

4- ولرجال الدين مسؤولية.. فسواء ما يحدث باسم الدين أو بغير اسمه، فما يحدث في مجتمعنا المسلم، والأحداث تتوالى، والتبدلات في الأعراف والموروثات دائمة. ورجال الدين في هذا كغيرهم. فهم أبناء مجتمعهم وما يبدع أو يخلق من تبدلات وأعراف يشملهم.

وإنما الصفة الاعتبارية لرجال الدين، لخصوص حيثيتها. فمن ثمّ الصفة الاعتبارية تستوجب لهم التمثل بالبصائر الدينية حيث يتجاوزون بها آفاق مجتمعهم بمعنى عدم حبس الدين على أعراف مجتمعهم، وحيث يستنفرون جهودهم في جوهر الدين ورسالته يزودون بكل قوة وحكمة عنه ويدعون له بالتي هي أحسن. أما ما يخص الحراك الاجتماعي فاستهداءً بهدي الدين المتجاوز للثقافة الاجتماعية يضطلعون بدور الإرشاد والتوجيه، فإن استطاعوا بحول الله وتوفيقه كان ذلك تيسيراً للحراك الاجتماعي بين الأجيال. وإنما أردنا بهذا فك الارتباط «في التفصيل»، بين متغيرات المجتمع والدين. ويهم الكاتب جداً التأكيد على فك الارتباط.

وخاتمة المطاف.. نود التنبيه أن ما سبق، يمثل وجهة نظر حاولنا فيها الموازنة فيما هو مختلف فيه بهدف الاستيضاح والتقريب.


ارسل لصديق