المسرح الحسيني بين الواقع والطموح
كتبه: رضا الخفاجي
حرر في: 2013/12/17
القراءات: 1987

حلمٌ مبارك كان يلج على رؤيتنا الابداعية منذ سبعينات القرن الماضي، خلاصته إمكانية تأسيس مسرح حسيني رسالي، ينهض من مبادئ المدرسة الحسينية المحمدية الأصيلة، ليقدم نموذجه الحضاري الخلاّق الى شعوب الارض كافة، بأسلوب معاصر حيوي فعال، هدفه تجسيد الملحمة الحسينية الخالدة مسرحياً، ومن خلال هذا المسرح المبارك تقديم «النموذج الحسيني» الحقيقي ورفع كل ما شاب هذه الملحمة من محاولات التشويه او التزوير المتعمد وغير المتعمد. وكذلك تقديم النموذج الاسلامي الحقيقي الى العالم، خاصة وان هناك الكثير من المذاهب والتيارات التي تسترت بمبادئ الاسلام ظاهرياً، إلا انها من الناحية الفعلية ساهمت في تشويه مبادئه السامية من خلال طرحها التحريفي الذي حاول تشويه الحقائق وتأجيج النفس الطائفي المقيت، وبخاصة تلك المذاهب التي ناصبت العداء لمذهب أهل البيت النبوي الأطهار، عليهم السلام.

لكن التمني، ما كان بامكانه ان يتحول الى واقع حقيقي في الازمنة الديكتاتورية القمعية التي تسلطت على رقاب الشعب العراقي المجاهد، الذي تدين غالبيته العظمى بمذهب اهل البيت الأطهار، سلام الله عليهم .

لذلك قررنا بعد التوكل على الله ان نبدأ الكتابة الإبداعية الاصيلة في أواسط الثمانينات من القرن الماضي، بعد ان هيأنا الكثير من المصادر المهمة عن سيرة الامام الحسين، عليه السلام، وما جرى في واقعة كربلاء الخالدة وما كتب عنها تاريخياً وفكرياً ومسرحياً، حيث وجدنا بشكل خاص في الكتابات المسرحية ان جميع الكتاب الذين سبقونا في هذا المجال كان ينقصهم شيء أساسي وبالغ الاهمية، ألا وهو الجانب العقائدي الاصيل والايمان الحقيقي بجدوى كتابات كهذه !

 فالبعض منهم لم يكن مطلعا تماماً على حقيقة جوهر الصراع بين الاسلام النبوي الذي جسدته الملحمة الحسينية الخالدة، وبين الاسلام القبلي الذي قاده البيت الاموي الذي دخل الاسلام مكرهاً وصاغراً وحاقداً وحاول بجميع اساليبه الخبيثة ان ينحرف عن مبادئه الاصيلة.

والبعض الاخر كتب مسرحيات تطرق فيها الى القضية الحسينية ولكن بنظرة ضيقة ومغايرة أدت ايضاً الى التحريف والتشويه، كما فعل الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد، في مسرحيته، «الحر بن يزيد الرياحي» الذي ادعى فيها «أن الحر كان مسيحياً»، ولم يكن يعرف الحسين، إذن؛ لم يكن معنياً بالصراع. هذا التحريف او النقص في الحقائق جعلنا نسرع في انجاز مشروعنا والبدء في ترجمته على شكل نصوص مسرحية ذات الفصل الواحد والمشاهد المتعددة، معتمدين كما قلنا على الوثيقة التاريخية، ولكن بأسلوب فني مبتكر، يتوفر على النسيج الدرامي المحكم، ويتوفر على عمليات الخلق والتخليق الفني وعلى الاسلوب الحداثوي الابداعي بشرط ألا تخرج كتاباتنا عن جوهر القضية الحسينية، بدعوى التجريب وغيرها من الدعاوى التي تساعد على تشويه الكثير من الحقائق .

ان المسرح الحسيني، مسرح رسالي - كما قلنا- وعلى الكاتب المسرحي قبل كل شيء، ان يكون مؤمناً إيماناً حقيقياً بمبادئ المدرسة الحسينية، وان يكون سعيه صادقاً من اجل تقديم هذا النموذج الى العالم.

إذن .. كانت البداية في ثمانينات القرن الماضي حيث بدأتُ بكتابة مسرحية «قمر بني هاشم العباس بن علي»، وبعدها مسرحية «صوت الحسين عليه السلام»، ومسرحية «سِفر الحوراء زينب سلام الله عليها» ومسرحية، «سِفر التوبة» التي جسدت ثورة التوابين وحركة المختار الثقفي .

وبعد سقوط النظام الديكتاتوري الظالم في العراق، أنجزت مسرحيات حسينية أخرى، هي «آيات اليقين في سِفر أم البنين» وكذلك مسرحية «بهجة الدماء في سِفر كربلاء»، ومسرحية، «سِفر الحسن المجتبى» .

وقد قامت بعض المؤسسات الدينية الحوزوية بتنفيذ بعض اعمالي المسرحية مثل مسرحية «نهر الدم»، ومسرحية «صوت الحسين»، التي نفذتها وحدة المسرح الحسيني التابعة للعتبة الحسينية المقدسة .. كما قدمت جامعة بابل - كلية اللغات - قسم اللغة الانكليزية، مسرحية «صوت الحر الرياحي»، و مسرحية «آيات اليقين في سِفر أم البنين»، وباللغة الانكليزية من خلال فرقتها المسرحية وعلى قاعة الشهيد الصدر في جامعة بابل عام 2012 م .

كذلك تم طبع أعمالنا المسرحية المنتمية الى المسرح الحسيني، إضافة الى كتابنا «نظرية المسرح الحسيني»، الذي تضمن خلاصة تجربتنا الذاتية التي ابتدأت منذ اكثر من ثلاثين عاماً، وطرح رؤيتنا الخاصة في هذا المسرح المبارك، الذي نقول عنه باعتزاز، أننا من أسس هذا المسرح على، أسس علمية وفنية معاصرة، نظريةً وتطبيقاً

 

*الحداثة والابتكار والتوثيق التاريخي

اننا نؤمن بضرورة استعمال الوثيقة التاريخية واتخاذها اساساً جوهرياً في المسرح الحسيني، ولكن بشرط توفر عنصر الحداثة والحيوية وتوفر اسلوب الخلق للتخليق والابتكار في الكتابة، لاننا نعتقد ان الكاتب المسرحي الحسيني عليه ان لا يكون مجرد مؤرخ ينقل الاحداث كما هي، او ان يكون خطيباً منبرياً ينقل الجانب المأساوي من الملحمة فقط. وإذن؛ لابد من توفر العناصر الدرامية في العمل المسرحي، ولابد من تقديم الرؤى الابداعية بأسلوب حضاري، يبتعد عن الاسلوب الطائفي لان نهضة الامام الحسين وجدت للدفاع عن المحرومين والمضطهدين في كل انحاء العالم، وفي كل زمان ومكان. لذلك نحن نسعى هذا الزمن الجديد؛ زمن الحرية والديمقراطية، ان نقدم نموذجنا المسرحي الحسيني الحضاري الى كل شعوب العالم، ومن هنا تكمن أهمية الاعتماد على الوثيقة التاريخية الحقيقية خوفاً من التزوير والتشويه والانحراف تحت ذرائع متعددة .

ان الكثير من شعوب العالم، ومنها الشعوب العربية، لا يعرفون حقيقة ما جرى في كربلاء في العاشر من محرم عام 61 للهجرة، وكذلك كيفية إدارة الصراع، الذي قاده الامام الحسين، عليه السلام، ضد السلطة الاموية الغاصبة، ولا أكون مغالياً إن قلت: ان قسماً كبيراً من شعبنا العراقي لا يعرف الكثير من القضايا الجوهرية من المدرسة الحسينية المحمدية، ومنظومتها الفكرية، لذلك ترى البعض متمسكاً بالقشور وتاركاً الجوهر وهذا ما يفرح الاعداء المتربصين بنا الدوائر ويحسبون علينا أخطاءنا ويقدموهنا الى العالم بشكل مشوه ومنحرف ومبالغ به من خلال قنواتهم الفضائية المشبوهة المعادية لمنهج آل البيت الأطهار. لذلك اتجهنا صوب الفعاليات المسرحية لاعتقادنا بأهمية تأثيرها وفاعليتها خاصة اذا توفر النص على الاخلاص والابداع والابتكار والمعاصرة في الطرح مع توفر الجانب الفني من خلال كادر العمل و رؤية المخرج الابداعية التي باستطاعتها إثراء النصّ وتقديمه الى المشاهد باسلوب يتوفر على الإمتاع والإدهاش والحيوية.

ان المسرح، له تأثير مباشر على الملتقي، وهذا هو ما نريده خاصة ان كان الملتقي من ابناء الشعوب الاخرى والديانات الاخرى. إذن؛ علينا ان نقدم النموذج الحسيني مسرحياً الى العالم، وهذا يتطلب حقائق تصاغ بأسلوب حيوي يتوفر كاتبها على إيمان مطلق برسالة المدرسة الحسينية المحمدية، وكذلك ضرورة توفر كادر عمل فني وتقني مؤمن ايضاً ومدرك خطورة ما يقوم به.

 

* الإيمان المطلق بأهداف النهضة الحسينية

اننا نؤكد دائماً : ان المسرح الحسيني مسرح رسالي، لذلك لا يستطيع كل من هبّ ودب ان يساهم فيه، إلا الذي يؤمن برسالته و لديه المقدرة والموهبة على إيصال النموذج الحضاري الخلاق الى الملتقى في أي زمان ومكان، ذلك النموذج الذي يليق بعطاء وجهاد وتضحية الامام الحسين عليه السلام.

نحن في الوقت الذي نرفض ان تقدم الواقعة مسرحياً تقديماً تاريخياً بحتاً، لان اغلب ابناء شعبنا قد حفظها جيداً، ولكن بنفس الوقت نرفض ايضاً الطرح المغاير والمشوه والمنحرف بدعوى التحديث في الرؤية الفكرية او الرؤية الفنية، وهذا الذي نخاف منه، قد حصل في العديد من النصوص لكتاب كتبوا عن الملحمة الحسينية، وهم لا يؤمنون بها لذلك كانت اعمالهم تشوبها الكثير من النواقص لعدم معرفتهم بجوانب كثيرة من الملحمة او لان بعضهم استغل القضية الحسينية لكي يسلط الضوء على قضية اخرى، اعتقد بها، بأنها أهم من القضية الحسينية وبالتالي جعل القضية الحسينية قضية ثانوية، بينما نؤكد نحن بأن المسرح الحسيني الذي كان لنا شرف اجتراحه وتأسيسه، بأن القضية الحسينية لابد ان تكون هي القضية المركزية، و هي النموذج المتقدم فيها، وان عمل المسرح الحسيني لا يقتصر على تفاصيل ملحمة الطف فقط. 

لان مبادئ المدرسة الحسينية المحمدية هي مبادئ خالدة تصلح لكل زمان ومكان، وان الصراع بين قوى الحق والعدل والخير، ما زال قائماً ضد قوى الشر والباطل، وان على المسرح الحسيني ان يتواصل ويستمر في عطائه لتقديم النماذج المعاصرة المنطلقة من مبادئ المدرسة الحسينية، وفي هذا الجانب نحن كتبنا نصاً معاصراً عنوانه «بهجة الدماء في سِفر كربلاء» وهذا النص المسرحي يُجسد سِفر كربلاء ونضالها عبر التاريخ وصولاً الى الانتفاضة الشعبانية التي حدثت عام 1991 م ودور كربلاء البطولي والاستثنائي فيها .

 

* مسرح يبث الحياة

اذن كل شهيد سقط من اجل القضية الحسينية، يمكن ان نكتب عنه، وكل عالم جليل ومجتهد ثائر قدم نفسه في سبيل القضية الحسينية، يمكن الكتابة عنه اضافة الى امكانية الكتابة عن جوانب اجتماعية لها مساس بالواقع المعاصر المعاش، منطلقين من مبادئ المدرسة الحسينية المحمدية الاصيلة.

فالاسلام محمدي الوجود حسيني البقاء ..

وعلى هذا الاعتقاد، يمكننا القول: إن المسرح الحسيني هو مسرح الحياة وما بعد الحياة ايضاً لانه خير مجسد لمبادئ الاسلام الاصيلة التي تسعى لأن يحصل الانسان على كرامته ويشعر بآدميته في الحياة الدنيا، ويسعى كذلك الى الوصول الى السعادة الابدية في الحياة الاخرى .

كذلك لابد لنا ان نؤكد على ضرورة السعي بالمسرح الحسيني لكي يكون مسرحاً عالمياً، وفي هذا المجال خطونا خطوات مباركة مهمة حيث ترجمت أغلب اعمالنا المسرحية التي جسدت الملحمة الحسينية الى اللغة الانجليزية، وقد قامت العتبة الحسينية المقدسة، بطبع هذه المسرحيات، ومن المؤمــــــــل ان تــــــوزع داخــــــل العراق وخارجه الى الجامعات المتخصصة والى كل شخص يهتم بالشأن المسرحي من ابناء الدول الاوربية الذين يتكلمون اللغة الانكليزية .

كذلك تترجم اعمالنا المسرحية الحسينية حالياً الى الفارسية والى اللغة الاوردية وهي من اللغات الهندية المشهورة ..

بسم الله الرحمن الرحيم

{..فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ} .

صدق الله العلي العظيم


ارسل لصديق