الشيخ عبد الغني عباس في حوار مع (الهدى):
يتمكن المثقف من نشر الثقافة النهضوية عندما يكون بعيداً عن الضغوط السياسية
كتبه: محمد علي جواد
حرر في: 2014/02/04
القراءات: 1482

• ولد سماحة الشيخ عبد الغني محمد آل عباس في مدينة القطيف ، شرق السعودية.

• مع تصاعد موجة الصحوة الإسلامية في عقد السبعينات، اختار الشيخ سبيل الهجرة، قاصداً الدراسة  في الحوزات الدينية، فانضم في ريعان الشباب إلى حوزة الإمام القائم العلمية، ودرس فيها المقدمات تحت اشراف نخبة من الأجلاء الأفاضل.

• بدأ الدراسة في مرحلة «السطوح» على يد آية الله الشيخ المحمدي البامياني - دام ظله- وحضر بعد ذلك أبحاث الخارج عند كل عدد من العلماء الأعلام، أبرزهم: سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي، وسماحة آية الله الشيخ الخاقاني، وسماحة آية الله الفقيه السيد عباس المدرسي، و سماحة آية الله الشيخ فاضل السلطان.

• ساهم في إدارة جملة من الحوزات الدينية، مثل حوزة الإمام القائم بالسيدة زينب عليها السلام، في سوريا، وايضاً في ادارة الحوزة العلمية بالقطيف.

• اهتم الشيخ آل عباس بجملة فعاليات ونشاطات ثقافية، وفيها أبدع وقدم الكثير في ميادين الكتابة والخطابة والشأن الاجتماعي والقرآني. ففي الكتابة أسهم في رفد دوريات ومطبوعات عديدة منذ أواسط الثمانينات، كما صدرت مؤلفات عدة منها: «تطلع أمة قراءة في أفكار آية الله المدرسي». و «القرآن والشريعة»، و«كيف نفهم الواقع»،  في مجال الخطابة، خاض هذا الميدان منذ أوائل التسعينات، حيث كانت باكورة خطابته في لبنان لعامين متتالين ثم ارتقى المنبر الحسيني في السيدة زينب بسوريا، ثم استمر خطيباً في بلاده حتى هذه الساعة. وقد تميزت خطابته بالتركيز على البصائر القرآنية ومعالجة الاتجاهات الفكرية بعد رصدها، لاسيما في ما يتصل بالنهضة الثقافية. وفي الجانب الاجتماعي يسعى سماحته إلى بناء جيل صالح وتربيتهم وفق المنهج الرسالي القويم، وذلك ضمن دروس متفرقة في الفقه والثقافة والدراسات القرآنية. وفي الشأن القرآني أسهم في مع نخبة من الأفاضل في تأسيس «مؤسسة القرآن نور» عام 1423 للهجرة، ضمن تصور خاص للعمل القرآني بحيث تكون متصدية لإبراز ثقافة قرآنية رسالية معمقة.

* التقيناه خلال الزيارة الأربعينية، حيث وصل مع عدد من الزائرين الكرام من المنطقة الشرقية في السعودية، فكانت الفرصة التي نستثمرها كل عام للقاء رموز الثقافة والفكر الرسالي في العالم الاسلامي الذين يفدون الى مدينة الحسين، عليه السلام، لأداء مراسيم الزيارة.. تميز برؤيته الشمولية والثاقبة وحديثه الدقيق الذي أصاب كبد الحقيقة في معظم الإجابات التي تضمنها هذا الحوار الذي بين يدي القارئ الكريم:

 

• لنبدأ من الساحة الثقافية والفكرية.. مع وجود التعددية في الافكار و الرؤى والاجتهادات، كيف ترون السبيل لإيصال الفكر والثقافة الأصيلة الى الأمة؟

 

- بسم الله الرحمن الرحيم

قبل أن نتحدث عن آليات وطرق وأساليب وصول الفكر الى الأمة، ينبغي أن نتحدث عن مصانع الأفكار التي يمكن بواسطتها توجيه الأمة في مسارات واتجاهات معينة. ويبدو لي تحديداً، أننا بحاجة في هذه الأزمنة الى التركيز والتأكيد على الثقافة النهضوية للأمة، ذلك لأن الأمة بقيت لفترة طويلة من الزمن، أسيرة لجملة من الثقافات والافكار السلبية، سواء كان منشأ هذه الافكار، استنباطناً للافكار الدينية، او بسبب أدوات دخيلة من خارج الاطار الاسلامي. بمعنى أننا كلما نظرنا الى ثقافة سلبية في الأمة، علينا ان نبحث عن مصادرها.

مثالنا في ذلك؛ الثورة الفرنسية.. فقد وجد الثائرون آنذاك جملةً من الافكار السلبية المنتشرة في المجتمع الفرنسي، وكانت هذه الافكار بمنزلة العقبة والكابح أمام مسيرة الثورة الفرنسية. فبدأ الثوريون بالبحث عن مصادر هذه الثقافة السلبية، وتوصلوا الى ان مصادرها تنبع من السلطة القائمة.

فإذن؛ ربما لا تكون هنالك قطيعة بين السياسة وبين الثقافة، إنما في كثير من الاحيان نلاحظ ان السياسة توجه الثقافة. من هنا نقول: علينا التأكيد على الثقافة النهضوية في الأمة، وتراثنا الديني مليء بهذه الجذور التي تدعو الأمة الى النهضة. يكفي تاريخنا أن نعود الى عهد الرسول الأكرم، صلى الله عليه وآله، وكيف تمكن أن يحوّل ذلك المجتمع الصحراوي، الى مجتمع علمي وحضاري ومتقدم.. إنها الثقافة النهضوية للإسلام، التي رفعت من شأن هذا المجتمع وهذه الأمة لترتقي مراتب أعلى من حضارة الروم غرباً، وحضارة فارس شرقاً. ولا شك أن هذه هي مسؤولية العلماء والمفكرين والمثقفين والتربويين، وعموم الناطقين بهذه الثقافة، سواءٌ من خطباء وكتاب وفقهاء، عليهم أن يخرجوا من شرنقة الأطر الضيقة، وتوجيه الأمة وتزريقها بثقافة نهضوية حتى تصل الى حياة  العزّة والكرامة والسعادة.

 

• من الملاحظ في الساحة، وجود تقاطع بين ما هو سياسي وما هو ثقافي. فكيف يمكن الحفاظ على مكانة الثقافة من التأثّر بالأجواء السياسية ومن محاولات تجييره وتوظيفه؟

 

- الأمر كما ذكرتم تحديداً.. هنالك اشكالية واقعية وحقيقية، ألا وهي التداخل بين السياسة والثقافة، لكن في ظنّي، اذا وجدنا هيمنة للسياسة على الثقافة، أو وجدنا الثقافة مؤجرة أو مستأجرة - كما نلاحظ في كثير من الاحيان لاسباب مختلفة-، علينا أن ننحو منحى الاستقلال الثقافي. واذا لم يكن المثقف أسيراً للسلطة، أو حتى للشهوة، او لقوى الضغط الاجتماعي، آنئذٍ يتمكن من أداء رسالته بأصالتها وطيبتها ونقائها.

وفي قصة الكليم موسى، عليه السلام، مع فرعون، نلاحظ ثمة تجليات و أبعاداً واضحة في السياسة والثقافة والاقتصاد والتربية، بل هي جماع من أبعاد مختلفة، يذكرها الله تعالى في القرآن الكريم، إنما السبب في أنها غنية بالمعاني والعبر والدلالات. تقول الآية الكريمة: {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ..} (سورة الزخرف /54). فاذا وجدنا انسياقاً من المجتمع للسلطة القائمة، انما له سبب، وهو الاستخفاف الذي يمارسه النظام الحاكم، ومثال ذلك «فرعون». لذا اعتقــــــــد أن المثقف يجب أن يكون فارغ البال من جميع هذه الضغوط. ولاشك هنا؛ أنه سيدفع ضريبة هذا الاستقلال الثقافي، من هنا نجد أن دعاة الاستقلال الثقافي يكونوا دائماً محطّ النظر، لأنهم محصنون من الضغوط الاجتماعية والسياسية. وفي قصة «فرعون» نلاحظ هذه القضية؛ ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا، بمعنى أنه يريد أن يكون هو مصدر الثقافة.

وعليه؛ في ظنّي، المطلوب أن يلتصق المثقف بنصّه.. نعم؛ هنالك جدلية بين النصّ والواقع، لكن بامكان المثقف أن يسير في مسار لا يخالف النصّ ولا الواقع.. وهذا يحتاج الى دقّة في التفكير في استنباط الثقافة. نحن في بعض الاحيان نلاحظ أن توجهاً ثقافياً يَستغرق في مجال بحيث ينسى الواقع، ومثالنا في ذلك، الاتجاهات الصوفية، أو الاتجاهات التي لا تؤمن بالجهاد ولا بالتحرك، أو تلك التي تعيش حالة اليأس لسبب أو لآخر. آنئذٍ يسعون لقراءات مغلوطة من التاريخ الاسلامي، واذا بحثنا في جذور هذه القراءات المغلوطة، نجد مناشئها نفسانية، وليست علمية وصناعية دقيقة. وهذه تحديداً، مشكلتنا مع الذين يستنبطون الثقافة الدينية ولكنهم متأثرون بالأجواء العلمانية. لذا نلاحظ شخصاً يعيش في جوٍ علماني، فيتأثر به على حساب نصّه الديني. أظن؛ ان الطريقة الفضلى لحل هذه الاشكالية، هو التعامل مع النصّ الديني بطريقة منسجمة مع الواقع.

في هذا الإطار ايضاً، نلاحظ أن مفردة «الملأ» وردت (17) مرة في القرآن الكريم، مرتان منها كان لهما دور ايجابي، وهي تحديداً في قصة بلقيس ، وفي قصة يوسف، بينما في (15) مرة كان لها تأثير سلبي على المصلحين، وعلى الذين يدعون الى الثقافة المستقلة، وهذه هي تجسيد لقوى الضغط الاجتماعي، وتتبعها قوى الضغط المالي والاقتصادي ، كما تتبعها قوى الضغط السياسي. لذا أظن، اننا بحاجة - في كثير من  الاحيان- الى فصل الثقافة عن القوى المؤثرة، ولكن هذا لا يعني فصلها عن الواقع، فالمثقف عليه أن يلاحظ الواقع ملاحظةً دقيقة، وعينه الأخرى على النصّ الديني، لكن من دون الوقوع في المؤثرات المختلفة. من هنا تتجسد خطورة هيمنة السياسة على الثقافة، لأنها تؤدي الى حالة من اللبس بين الحق والباطل، وبين الابيض والاسود. فكلما كان المثقف بعيداً عن هذه الضغوط ، تمكن من استنباط واستيحاء جملة من الثقافات الحقيقية التي تؤدي الى نهضة الامة.

 

• هنالك ظاهرة التوجه نحو المعلومة والفكرة السريعة بالاستفادة من وسائل الاتصال المجانية، والاعتماد الكلّي عليها في بناء الفكر والثقافة، وعدم التوجه الى مصادرها وهي الكتاب.. ما هي الاسباب، والاقتراحات للتوجه نحو المطالعة ؟

 

- يبدو لي أن الهدف من المطالعة، هو التأمل. وربما تكون القراءة، أجلى وأعلى مصاديق التأمل. تلاحظون أن الانسان اذا قرأ سطراً او جملة او فكرة، سيتأمل فيها من مختلف الابعاد، وهذا ما نلاحظه في استحباب قراءة القرآن الكريم، حيث إن الانسان عندما يقرأ آيات الذكر الحكيم، يتأمل حروفها و اعرابها وكناياتها والحالة البلاغية فيها، وهذا ربما يدفعه لاستنباط جملة من الافكار. وكما تفضلتم؛ ربما لا نجد هذا في المعلومة السريعة، لأن الباحثين عن المعلومة السريعة، ربما لا يلحظون جانب التأمل والتفكر لإعمال العقل الذي يكون بمقدار أقل في المعلومة السريعة، منه في حالة المطالعة .

هنا يبدو لي أننا أمام أمرين: الاول: الدعوة الجادّة الى الكتاب، والامر الثاني: الاستفادة من التقنية الحديثة في مجال المطالعة. فعندما كنّا اطفالاً، ربما كان بامكاننا في اليوم استقبال معلومة واحدة، بينما اليوم أولادنا ربما يأخذون مليون معلومة في هذا اليوم الواحد. السؤال هنا؛ كيف لنا أن نوجه المعلومة؟ فهذا هو بيت القصيد..

أظن؛ اننا كمتدينين نعيش هذه الأزمنة الراهنة، ينبغي ان نعتمد على الوجبات السريعة. الوجبات الغذائية السريعة تسبب أذى للبدن، بينما الوجبات السريعة في الثقافة ربما تفتح ابواباً.. مثال ذلك؛ لو أننا أعددنا قصاصة ورقية بحجم الكفّ تضم فكرة معينة، ثم وزعناها على الزائرين المشاة بين النجف الأشرف وكربلاء المقدسة، كان أسهل وأيسر للقراءة من كتاب بصفحات عديدة. ثم علينا أن نتذكر أن التحول الانساني، أحياناً يكون في لحظة أو التفاتة خاطفة. فحتى لو كانت هذه الوجبات السريعة ذات أثر سلبي على إعمال العقل، بيد ان بامكاننا الاستفادة من هذه الطريقة، باعداد وجبات ثقافية مختزلة وسريعة. مثال ذلك برنامج «واتساب» على الهاتف  المحمول، بامكانه أن يؤدي دور القصاصة الورقية التي تحمل فكرة سريعة. من هنا؛ أجد أننا مطالبون بتبسيط الثقافة، وعملية التبسيط هذه، بحاجة الى قدرة خاصة ، لأن تبسيط الافكار تنفعنا في نشر الثقافة الرسالية.

 

• ماذا عن آلية هذا التبسيط سماحة الشيخ؟

 

- ربما تكون الآليات تبحث في اوقاتها، انما المهم والمطلوب، تبسيط الثقافة الى جزئيات عديدة، ونغتنم الفرصة لنشرها. وهذه ربما تكون وظيفة الكاتب، فبدلاً من أن يكتب كتاباً من مائة صفحة، ليكتب كتاباً من عشر صفحات. ثم لا ننسى أن الاقبال على القراءة قليل بالأساس في بلادنا، فاذا كان الحال هكذا، من الصعب علينا ان ندعو القارئ لقراءة فكرة معينة.

نعم؛ هنالك في بعض الاحيان خطاب وإصدار للمتخصصين، وهذا له أجواؤه ومحافله الخاصة، كما هو الحال في الاوساط الاكاديمية، حيث يكون الطالب الجامعي مطالباً بأن يعتمد في دراسته الجامعية على المصادر العلمية المكتوبة وليست على مواقع النت، وأن يكون للمصدر تاريخ الطبعة، ومكان النشر وغير ذلك. بينما في التوجيه الاجتماعي والثقافي ، علينا اغتنام فرصة الوجبات السريعة لايصال الفكرة الى المخاطب العام بالطرق المختلفة.

 

• جربت شعوب المنطقة التغيير السياسي، فخرجت من نفق الديكتاتورية لتدخل نفق الفوضى السياسية والثقافية معاً. مصر وتونس مثالاً. ما السبيل باعتقادكم لإبعاد الثقافة عن التقلبات السياسية ومحاولات التوظيف والتجيير؟

 

- اذا نظرنا الى الاوضاع التي آل اليه وطننا الاسلامي، نصل الى النتيجة التي ذكرتموها.. لكن باعتقادي المشكلة ليست في التحولات السياسية الظاهرية. لأن التحولات التي جرت في بعض مجتمعاتنا، كانت بالحقيقة خارج السياق الصحيح. بمعنى أننا بحاجة أولاً؛ الى  تحولات وانعطافات ثقافية، حتى يُصار الى إيجاد تحولات سياسية ثابتة وراسخة في نهاية المطاف. بينما اذا اختزلنا المراحل، فحتى لو حققنا التحولات السياسية، فانه لن يفلح في توفير الأمن والاستقرار في المجتمع. وهذا ما لاحظناه في تونس ومصر، بينما وجدناه بالعكس تماماً في ايران. ففي هذا البلد كان التغيير ثقافياً بدايةً، ثم اتجه للانعطافة السياسية، لذا نلاحظ التحولات السياسية في السياق الصحيح. أما اذا سبق التحول الثقافي، التحول السياسي، أظن أن التحول الاخير سيكون بحاجة الى زمن طويل لمزامنة التحول الثقافي. وهذا لا يقتصر على الحالة الثقافية، إنما ينسحب على سائر جوانب الحياة.

من هنا؛ في ظنّي أن علينا السير في مجتمعاتنا ضمن المسار المرحلي حتى تكون النتائج ثابتة. من هنا؛ لا يمكن أن يكون خيارنا؛ التحول السياسي مع وجود الفوضى والانفلات الأمني وغيرها، لأن هذا التحول لا ينفع المجتمع. ولمعالجة هذه الاشكالية، علينا أن نجعل التغيير جوهرياً، ومن العمق، بأن نبني بنية تحتية، ثم نتدرج نحو  الأعلى، حتى نصل الى التغيير السياسي.

لكن مشكلتنا اليوم - بالحقيقة- هي أن مصالح الدول الكبرى والضغوط الموجودة خارج ارادتنا، ربما يكون لها التأثير السلبي، وهذا إن دلّ على شيء، فانه يدل على ضعفنا وليس قوتهم. بمعنى أن العوامل الخارجية باتت اليوم مؤثرة على واقعنا ومجتمعنا. بينما نحن ابناء البلد والمجتمع، عاجزون حتى عن إيجاد تحولات في مستوياتنا الطبيعية قبل أن نصل الى التحولات الكبيرة.

 

• مجتمعاتنا الاسلامية تطمح للأمن والاستقرار والعيش الكريم. ما هي البرامج التفاعلية على الصعيد الاجتماعي والثقافي التي من شأنها جمع شمل المجتمع ، وتعطي أفقاً لمستقبل واعد، ولنا في المشاريع والبرامج الموجودة عندكم في المنطقة الشرقية مثالاً؟

 

- من حسنات جملة من المشاريع الموجودة في المنطقة الشرقية من السعودية حالياً، أنها نابعة من الواقع ذاته، لأن ربما يقيم الانسان مشروعاً، لكن لا يتناسب مع الواقع الاجتماعي. لذا نجد طلبة العلم والاخوة العاملين في المنطقة يسعون لابتكار وتقديم برامج تتناسب والمرحلة التي يعيشونها. وهنالك توجه الى الفعاليات الاجتماعية بشكلها الأعم، من تغطية حاجات الفقراء والمساكين، وايضاً العمل الثقافي، ضمن مشاريع مختلفة، في مقدمتها المشروع القرآني، بحيث لا أظن، منطقة أو مدينة عندنا تخلو من مشروع قرآني، سواءً على صعيد التلاوة والتجويد، أو على صعيد الثقافة والفكر والتدبّر.

هنا تجدر الإشارة الى أن حركة الكتاب، تشهد نهوضاً ملحوظاً في بلادنا، بمعنى أن لدينا الشاب يكتب والمرأة تكتب. ولا أخفيك؛ أن الفترة السابقة، كان طلاب العلم هم رواد الحركة الثقافية في السعودية، بينما اليوم نجد شريحة من المثقفين والمثقفات والشباب المؤمن والمتدين يكتب ويؤلف في شتى المجالات الأدبية والثقافية والفكرية، وهذا مؤشر ايجابي وحسن، بأن لا يكون المتربون في الحوزات العلمية الوحيدين الذين يكتبون ويؤلفون، إنما تكون ساحة التأليف والابداع للجميع، لأن الحركة الثقافية بالأساس تنبئ عن إعمال في الفكر والعقل، وتتطور شيئاً فشيئاً، وهذا أمر طيب، إذ تتعزز الثقافة في المجتمع، بابعادها المتعددة، من ثقافة اجتماعية أو اقتصادية او حتى نفسية وسلوكية، الى جانب الثقافة الدينية البحتة.    

 

• ما هو السبيل باعتقادكم لإذابة الجليد عن العلاقة بين الحوزة والجامعة، وجعلها علاقة تكاملية؟

 

- هذا السؤال؛ مما يجب التأمل فيه ملياً، نظراً الى وجود العلاقة المتوترة والمتشنجة بين الحوزة العلمية والجامعة خلال العقود الماضية.

بدايةً؛ نحن ندعو طلبة الحوزة العلمية الى مزيد من الثقافة، كما ندعو طلبة الجامعة الى مزيد من المرونة، ذلك أن الحركة هي بالأساس، تكاملية، نعم؛ ربما يغرق طالب العلم أحياناً، في جملة مرئياته بعيداً عن الواقع، وربما ايضاً، يغرق المثقف في جملة من مرئياته على حساب الدين. وهذه معادلة طبيعية، فكل انسان يتجه بالإكثار في باب، يكون ذلك على حساب باب آخر. وهنا؛ لا أريد أن أنحو باللائمة على الحوزات الدينية وعلمائها، ولا على الجامعات، إنما من خلال القبول بالآخر، يمكننا الوصول الى حالة جمعية بين الأمرين، مهما كانت التعقيدات، لذا أظنّ، أن النصّ الديني، يجب أن يكون هو الحَكَم، وعليه؛ أدعو أخواننا المثقفين والجامعيين، الى تتبع الحالة الصناعية في النصوص الدينية. ربما أنت كمثقف تتعامل بطريقة معينة مع الفكر والثقافة، لكن لا يصحّ أن نغفل عن المكوّن الديني للثقافة والفكر. واذا راجعنا عهد المأمون العباسي وحركة الترجمة التي شجع عليها، نجد أنها شكلت خطراً كبيراً على الثقافة الدينية آنذاك.

 

• ماذا تقصدون بالحالة الصناعية؟

 

- المقصود؛ أن هنالك حالة منطقية وأصولية مقبولة للتعامل مع النصوص الدينية، فلا يصحّ ان نتعامل مع النصوص الدينية بخلاف هذه الحالة. فاذا كانت لدينا دلائل وقرائن ، جاز لنا الاستناد اليها. وهذا النقاش دائر على الصعيد السياسي ايضاً، فحينما نتحدث عن «ولاية الفقيه»، أو «شورى الفقهاء»، نسأل عن وجود النصّ المحدد أو الشكل السياسي لهذه المسألة..؟ وهل هناك شكل سياسي - ديني أم لا..؟ أم أن هنالك جملة من المبادئ في السياسة. وللعلم هنا؛ فان الفقهاء يعتمدون على الحالة الصناعية في المسائل الفقهية. بمعنى أن الفقيه لا يتوصل الى نتيجة، إلا بعد الاستناد الى حالة معينة داخل النصّ، ربما تكون حالة بلاغية أو عرفية، أو استفاد من كلمة معينة في النصّ بطريقة معينة. لذا أظنّ أننا جميعاً ، لاسيما مثقفو زماننا اليوم، عليهم ان يبحثوا عن الحالة الصناعية الفقهية، وكيف يمكن ان يتوصل الانسان، وإن كان غير متدين أو طالب علم، الى نتيجة من نصّ ديني. أما اذا صار الأمر مدار الاستحسان والمزاج والمناسبة التي لا يوجد لها محددات وضوابط، أظنّ انه هو الخطر الأكبر. وإذن؛ على الحوزة والجامعة ان يتحاكما الى طبيعة  النصّ الديني - الصناعي، فاذا كنت امتلك حالة صناعية بواسطتها توصلت الى نتيجة، فذاك أمرٌ مقبول، وفي غير ذلك، وحتى اذا كان طالب علم، لكنه توصل الى نتيجة بطريقة غير صناعية، إنما بطريقة «ظنّية» أو «حدسية» مثلاً.. هنا لا تكون النتيجة قطعية، ولا أكون ملزماً باتباعه ، وهذا ما يجب على الاخوة المثقفين تفهّم هذه الحالة. بمعنى؛ ان الضغوط الاجتماعية وغيرها، لا يمكن ان تكون سبباً تدفع الفقيه لتشريع معين.

 

• اذا اتفقنا على وجود التنوع في الرؤى والافكار في الساحة الثقافية، هل ترون من دور لعالم الدين في توحيد الصفوف و تعزيز أواصر المجتمع؟

 

- للإجابة على هذا السؤال، لابد أن نقر بحقيقة وجود النسبية في زماننا الحاضر.. بمعنى أني لا أتمكن من الجزم أني على حق، والآخرين على باطل، كما القول المشهور: «إني على حق، ويحتمل أن يكون قولي على خطأ، وأنك على خطأ، ويحتمل أن تكون على قولك على صواب». وقبل الحديث عن القبول بوجود التعددية في الاجتهادات، يجدر بي الإشارة الى ضرورة البحث عن الاجتهادات المقبولة والمتوافقة مع الحسّ الصناعي الفقهي، ذلك انه ربما تكون بعض المسبقات والخلفيات التي يتمتع بها الفقيه أو المثقف، سبباً للوصول الى النتائج، حتى وإن كانت خاطئة. لذا نحن نقبل بالاجتهاد الذي يتوفر على مؤيدات من الواقع. من هنا تأتي الدعوة - بالحقيقة- الى الاهتمام بالقرآن الكريم، حتى يُصار الى صناعة ما يشبه «القاعدة». فمن يقرأ القرآن الكريم ويتأمل فيه مراراً، ربما تصنع له هذه القراءة قاعدة، تمكنه من أن يستحسن أو لا يستحسن. وأظنّ أن هذه الطريقة أفضل بكثير من أن يترك الانسان القرآن ثم يستحسن، لأن في الحالة الاولى، يستحسن الانسان ضمن المسار القرآني والديني، بينما الآخر، ربما لا يكون له مسار محدد. 

مع وجود هذا التعدد والتنوع في الاجتهاد، نصرّ على أن عالم الدين، يجب أن يكون عامل جمع لا عامل فرقة، فاذا تصدّى عالم دين ليكون عالم جمع في منطقته أو بلده أو أمته، يكون قد أدى وظيفته الحقيقية. اما اذا انسلخ عالم الدين من وظيفة الجمع، فانه سيكون مكرساً لعامل الفرقة والتحزّب والعصبية، وهذا يمثل أكبر المخاطر التي تهدد مجتمعاتنا اليوم. وهذا إن دلّ على شيء، فانه يدل على أن الذين يسعون لتكريس الفرقة والخلاف ، لا ينظرون الى المصالح العامة للأمة، بينما نلاحظ في سيرة وحياة الانبياء والرسل أنهم كانوا يدعون الى الجمع لا التفرقة، كما نلاحظ، أن بين رسول الله، صلى الله عليه وآله، كان هنالك الرومي والحبشي والفارسي وغيره، كذلك الحال عند الأئمة المعصومين، الذين احتووا كل التوجهات، التي ربما كانت مغايرة، لكن لانهم كانوا يسعون الى الجمع، تمكنوا من استيعاب المجتمع بأكمله، وهذا ما يجب أن يقتدي به علماؤنا اليوم.

 

• شكراً سماحة الشيخ على هذه الاجابات الدقيقة، واتاحتكم الفرصة لهذا الحوار.

 

- جزاكم الله خيراً، وأرجو ان تكون كل كلمة تكتبونها في هذه الصفحات، تكون في ميزان أعمالكم.


ارسل لصديق