الأمة.. والوصول الى المرجعية القيادية
كتبه: الشيخ عبد الحسن الفراتي
حرر في: 2014/02/04
القراءات: 918

إن للرسل العظام كلمة واحدة، جاؤوا ليبلّغوها للناس، مهما فصل بينهم الزمن واختلفت الاوضاع التي لابستهم، إنها: «لا إله الا أنا». هذا في مجال العقيدة، كما في قوله تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله الا أنا} (سورة الانبياء/ 25)، و في مجال الشريعة، كما في قوله تعالى: {إن هذه امتكم أمة واحدة وانا ربكم فاعبدون} (سورة الانبياء/ 92).

إن «لا إله الا الله»، فلسفة في العقل، وانسجام في الفطرة وشعور في الوجدان، و «فأعبدون».. هي الفاعلية في النفس بالحب والخضوع، و حركة في الاركان والجوارح بالركوع والسجود، وانها منهج في الحياة يتبعه البشر فيسعدون.

 الآية الكريمة، تذكرنا بحقيقة ما أكبرها..! وما أغفلنا عنها وهي؛ ما دام الإله واحداً فلابد أن تكون السيادة واحدة، والعبادة واحدة، والطاعة واحدة، فلا يجوز الخضوع لسيادة، ولا إتباع أحد، ولا طاعة نظام لم ينزل به الله من سلطان.. وهذا ما تصرّح به الآية الأولى.

وفي الآية الثانية تكون الامة الاسلامية أمة واحدة، ووحدتها نابعة من وحدة إتجاهها الفكري والعملي. فالله هو ربّ هذه الامة، فيه يعتقدون الفكر وإياه يعبدون في العمل. ثم يستحيل أن يأذن الله بانضواء البشر تحت لواء سواه، كما تفيده الآية الكريمة: {وما أمروا إلاّ ليعبدوا الله مخلصين له الدين}، أي ان يخلصوا له الدين والطاعة، ويوحدوه في السيادة. وبمعنى أن الذي يخضع لدين من جانب، ولغيره من جانب آخر، لم يخلص الدين، بل خلطه بغيره.

هذه المبادئ التي يقرها الاسلام ويؤكد عليها، تشمل ناحيتين من حياة الانسان على الارض:

الاولى: ناحية الحكم.

الثانية: ناحية الحاكم.

فاذا كانت الولاية لله، واذا كانت السيادة القانونية، والحاكمية المطلقة له سبحانه، لم يجز للبشر - الذي لا يملك ولاية على نفسه ولا سيادة ولا حاكمية- أن يشرع «قانوناً»، أو ينصب نفسه «ولياً» إلا بإذن الله الولي والسيد الحقيقي، والحاكم المطلق الوحيد،كما لا يجوز له ان يتخذ «حكماً» أو ينتخب «حاكماً» لم يأمر به الله، اذ أنّ المسلم لابد أن يشعر في نفسه بعبودية خالصة لله تعالى شاملة لجميع ابعاد حياته، محيطة بكل جوانبها، وما التشريع والسيادة إلا بعض أبعاد الحياة فلا بدّ أن يخضع لسيادة الله ايضاً.

ومن هنا يتحتم إتباع الرسول، لأن إتباع الرسول هو اتباع الرسالة، وتحقيق سيادة الدين التي هي سيادة الله وحاكميته، والى هذا يشير القرآن قائلاً: ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله (سورة النساء/ 12)، كما ان إتباع الرسالة لا يمكن الاّ باتباع الرسول، إذ هما رافدان من نبع واحد لا يمكن ان يفترقا، فهما مظهران لطاعة الله وعبادته والخضوع لحاكميته.

وبعد الرسول الأكرم، تبقى مجموعة من سننه، صلى الله عليه وآله، وتضاف الى الرسالة الموحى بها، فتُسمّى بالشريعة، ويجب على المسلم أن يتبعها، لأنها شريعة الله، ولا يحق لأحد أن يعصيها اذ انه يسمّى آنذاك مشركاً في عبادة الله، مدعياً سيادة اخرى مع سيادة الله الذي له السيادة والحاكمية وحده.

وهكذا الحال في الامام، الذي يمثّل الشريعة لانه أعطى علمها كاملاً وتحمل أعباءها، فلا يحق لأحد أن يتخذ إماماً لم يأمر او لم يأذن الله تعالى باتباعه، وإلا كان شركاً بالله تعالى يرفضه منطق التوحيد الخالص، (1) يقول القرآن الكريم: ﴿وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخَيرة (سورة القصص/ 68).

ولما كان الخلق لله ، لم يكن لهم ان يختاروا لأنفسهم ما داموا مخلوقين ومربوبين له تعالى، بل الله يختار لهم.. وفي الحديث: «إن الامامة أجل قدراً وأعظم شأناً وأعلى مكاناً وأمنع جانباً وأبعد غوراً من أن يبلغها الناس بعقولهم او ينالوها بآرائهم».(2)

من هنا يعتقد المسلمون الذين تلقوا تعاليم الاسلام عن طرق أهل بيته المعصومين عليهم السلام، بان الذي يمثل قمة هرم الامة والدولة الاسلامية هو رسول الله ،صلى الله عليه وآله، ومن بعده الأئمة المعصومون الاثنا عشر الذين عينهم الرسول الكريم باسمائهم واحداً بعد الآخر.

 

* المعصوم يمهّد للقيادة المرجعية

وقد سنحت فرصة ممارسة قيادة الدولة الاسلامية مضافاً الى دور الامامة بعد الرسول الكريم ،صلى الله عليه وآله، لأمير المؤمنين علي بن ابي طالب ،عليه السلام، مدة خمس سنين ولولده الحسن بن علي ،عليهما السلام، سنة واحدة بعده، اما الائمة المعصومون الآخرون، سلام الله عليهم اجمعين، فلم تتوفر لهم هذه الفرصة، وهم (عليهم السلام) - بحسب ما تتمتع به قيادتهم من خصائص- لا يكرهون الناس على اتباعهم بالقوة، بل يقنعون الأمة بمشروعهم فاذا اقتنعت بقيادتهم مارسوها، و إلا مارسوا دورهم الايجابي المبني على الحوار والاقناع، هذا كله مضافاً الى مواصلة دورهم الاستراتيجي، الالهي وهو دور الامامة والولاية الالهية على الناس.

ولما اقتضت المشيئة الالهية خفاء الامام الثاني عشر بعنوانه لا بشخصه، و إلا فانّه موجود بين الناس ويعيش كما يعيشون، لكن لا يعرفونه بشخصه. بمعنى أن الله سبحانه، أخّره ليؤسس دولة الحق والعدل حينما تفشل كل النظم المبتدعة، وبعد أن يدرك ويقتنع الناس في العالم بأسره، بعقمها وفشلها، حينئذ يتطلّعون تلقائياً الى المنقذ العظيم، لهذا مهّد الأئمة، عليهم السلام، الذين سبقوا الامام الثاني عشر، بالتثقيف والتوعية وبيان المبررات والاسباب ، لحالة إنقطاع الامام عن جماهيره لفترة من الزمن، وتعيين وكلاء له، حتى اصبحت الأمة قادرة على التعايش مع هذه الحالة، فوقعت غيبة الامام الثاني عشر، بعد ان وضح ،عليه السلام، لأتباعه معالم الطريق، فلم يعين له خلفاء محدَّدين بالاسم وانما وضع شروطاً فمن انطبقت هذه الشروط عليه، كان هو النائب عن الامام المعصوم، وعلى الامة ان تتبعه كما تتبع الامام المعصوم - بفارق ان المعصوم معصوم من أي خطأ ولكن النائب له قد تحدث منه زلة ما - لذا قرنت الاحاديث الشريفة طاعة المرجعية الدينية الجامعة للشروط، بطاعة الامام، عجل الله فرجه الشريف، كما يقول الحديث الشريف: «اما الحوادث الواقعة فارجعوا بها الى رواة احاديثنا فإنهم حجتي عليكم وانا حجة الله عليكم»، والحديث الآخر عنه، عجل الله فرجه،: «من كان من الفقهاء صائناً لنفسه حافظاً لدينه مخالفاً لهواه مطيعاً لأمر مولاه فللعوام ان يقلدوه».

فنفهم ان من هذه الشروط، بلوغ أعلى الدرجات العلمية المعروفة بـ»الاجتهاد»، وحصول القدرة على التوصل الى الحكم الشرعي من مصادر التشريع الاصلية.

والشرط الآخر؛ هو الدرجة العالية من ضبط جماح النفس وكبح شهواتها والعمل الجاد على تحلّيها بفضائل الاخلاق وتهذيبها من الرذائل الخلقية التي تنافي انسانية الانسان ونهت عنها الشرائع الالهية المقدسة، فيقول الحديث عن المعصوم ،عليه السلام،: «من طلب علماً ليصرف وجوه الناس اليه فليتبوأ مقعده من نار جهنم».

وكذلك؛ الخبرة بشؤون الحياة وتفاصيلها وما يكتنف الأمة من احداث وتحديات، ويستعين بالخبراء في مختلف الاختصاصات، اذا لم يكن محيطاً بها بالمقدار المطلوب.

وتقوم هيئة من العلماء القادرين على التحقق من توفر هذه الشروط في المجتهد لتعترف له بالمرجعية، وتدعو الناس الى تقليده والرجوع اليه في الاحكام الشرعية.

 

* دور إنساني بنّاء

وبالتأكيد؛ فان وظيفة الفقيه لا تنحصر بالفتوى وبيان الاحكام الشرعية، إنما له وظيفتان أُخريان:

1- القضاء بين الناس وفض الخصومات.

2- تدبير شؤون الامة وولاية أمرها.

ومن خصائص رسالة المرجعية الدينية ايضاً:

1- اعتماد سياسة الحوار لإقناع الآخرين، وهذا هو مبدأ قرآني أصيل، لقوله تعالى: ﴿لا إكراه في الدين وقوله: {ادعُ الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن} (سورة النحل/ 125).

2- العالمية: وتتمثل في تحسس آلام وهموم البشر جميعاً، لأن قلبها مملوء بالرحمة وحب الخير لكل الناس تأسّياً بالنبي ،صلى الله عليه وآله، الذي خاطبه الله تبارك وتعالى: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين (سورة الانبياء/ 107)، ومن كلام امير المؤمنين علي بن ابي طالب ،عليه السلام، الى مالك الاشتر لما ولاه مصر: «..واشعر قلبك الرحمة للرعية فانهم صنفان، امّا أخ لك في الدين او نظير لك في الخلق» (3) فتجد المرجعية الدينية حاضرة بتعليقاتها ومواقفها في إعصار «تسونامي» في جنوب شرق آسيا - مثلاً- وايضاً في إعصار «كاترينا» في الولايات المتحدة، وغيرها من الكوارث الطبيعية. وايضاً ما يتعلق بالازمات العالمية، مثل أزمة الديون وانهيار المصارف بسبب تعاطي الفوائد المجحفة (الربا)، وكذلك الحضور بالرأي والموقف والبيان و إصدار المواقف في الحروب الاهلية في افريقيا، وما يعيشه العالم المسيحي من تقاطع مع العالم الاسلامي.

هذا ناهيك عن حضور المرجعية الدينية في دعم ومساندة قضايا المسلمين، مثل إصدار البيانات والمواقف في زيارة عاشوراء و أربعين الامام الحسين ،عليه السلام، والدعوة للتغيير والبناء الذاتي، وإعمار البلاد، بالاستلهام من ثورة ابي الاحرار الحسين بن علي ،عليه السلام، وكذلك توحيد المواقف في موسم الحج، والدفاع عن قضايا الشعوب المظلومة المضطهدة، مثل قضية فلسطين ولبنان والبحرين، ودعم قضايا المرأة التي تحاول بعض الجهات العلمانية، استغلالها والمتاجرة بها، من خلال رفع شعارات الحرية وحق العمل وغيرها، بما يؤدي الى المساس بكرامتها وعفتها. وهنالك أيضاً؛ التصدّي لثقافة التكفير و إلغاء الآخر بفضح كهنة السلاطين و ابواق الشياطين من ادعياء الفتوى.

3- الشمولية: أي شعورها بالمسؤولية أزاء كل القضايا التي تمر بها الانسانية لانها تمثل الشريعة والقانون، كون الشريعة الاسلامية غطت كل شؤون الحياة بالنصوص المباشرة، و وضعت القواعد التي يُستنبط منها الحكم والحل والموقف أزاء مختلف القضايا، ولذا؛ حينما أعطت الشريعة هذا الدور الواسع للفقيه، فانها لم تعط له كشخص حتى يستكثر عليه، إنما للطابع القانوني الذي يمثله، بمعنى أنه يمثل «قانون الاسلام»، تماماً؛ كالقاضي في المحاكم الموجودة حالياً، حيث لا سلطة للحكومة ولا لغيرها عليه - كما هو المفترض- وينفذ قراره على الجميع، وهذه الهيمنة ليست له كشخص، وانما للقانون الذي يحكم به.

وانطلاقاً من هذه المسؤولية نجد المرجعية، تسلط الضوء وتتابع ظواهر وحالات عديدة في العالم، من انتشار الأوبئة و مشاكل البيئة والانفجار السكاني، والمخدرات والتدخين والامراض النفسية في العالم وغيرها.

4- المبدأية ونزاهة الاساليب؛ فهي تؤمن ان الغاية مقدسة، فلا بد ان تكون الوسيلة والواسطة ايضاً مقدسة، وبعبارة اخرى ضرورة مراعاة التقوى في الاهداف والاساليب، ولا تؤمن بالنظرية السائدة «الغاية تبرر الوسيلة»، ولا تجعل القيمة العليا في اعمالها ومشاريعها وسياستها للمصالح، إنما للمبادئ وحسب، وان كل مصلحة تتعارض مع المبادئ فهي مفسدة.

5- الشفافية في التعاطي مع الجماهير وعدم اتباع سياسة الخداع والتجهيل والتضليل لأنها، فلا تخشى احداً، لأنها لا تريد مكسباً لنفسها انما تريد الخير للآخرين.

6- الحرص على إعمار الحياة والدعوة لإقامة النظام المتحضر للمجتمع والمحافظة على الدولة والمؤسسات التي تحفظ النظام الاجتماعي العام، وتعتقد ان الشريعة المباركة هي الاصل والسابق لبناء المجتمع المدني المتحضر ومؤسساته ومنظماته. (4).

وتأسيساً على ذلك، وعلى صعيد العراق مثلاً، كان للمرجعية الدينية دور ايجابي وبناء في منع انهيار المجتمع وعدم انزلاقه في الحرب الطائفية والحفاظ على المال العام. مع الدعوة الحقيقية للمشاركة الشعبية في بناء الوطن والمشاركة في الانتخابات وانتخاب النزيه والكفؤ، لا سيما في قضية صياغة الدستور العراقي الذي أقرّ في البند الثاني، بضرورة عدم تعارض تشريع القوانين مع شريعة السماء (5)، مما حدا بممثلي الشعب لذكر دور المرجعية الدينية في ديباجة الدستور العراقي، وهذا شكل نجاحاً للمرجعية الدينية، التي وصفها الدكتور محسن عبد الحميد بـ «المعجزة»، خلال زيارته لمراجع العراق عندما كان رئيساً دورياً لمجلس الحكم.

وتكفي الزيارة المليونية، لاسيما في زيارة الاربعين، و توجه الملايين مشياً على الاقدام صوب مرقد أبي الاحرار الامام الحسين ،عليه السلام، من كل بقاع العالم، لتكون مؤشراً متقدماً لنجاح المرجعية الدينية، عبر حوزاتها وخطبائها بإيصال صوت الحسين ونهضته الى كل بقاع و اصقاع الارض.

أما دور المرجعية في قيادة سوح الحق والوغى ضد الباطل عبر التايخ القديم والحديث، فيطول فيه المقام، كمشاركة السيد محمد المجاهد - احد علماء كربلاء - في الحرب ضد الروس أثر هجومهم على ايران، وكذلك فتوى تحريم التبغ في ايران من قبل المرجع الديني السيد محمد حسن الشيرازي، ضد شركة «الهند الشرقية البريطانية»، وكذلك ثورة العشرين بقيادة المرجع الديني الشيخ محمد تقي الحائري الشيرازي. وما بعده شيخ الشريعة الاصفهاني. وايضاً دور الشيخ الآخوند الخراساني في «ثورة الدستور» بقيادة الشيخ فضل الله النوري، والثورة الوطنية بقيادة السيد ابن القاسم الكاشاني والدكتور محمد مصدق.

-------------------

1/ القيادة الاسلامية - جواد كاظم  ص31

2/ كتاب الكافي/ ج1/ ص154

3/ نهج البلاغة/ عهد مالك الاشتر.

4/ دور المرجعية الدينية في الامة الاسلامية - موقع الصادقين

5/ وبهذا الصدد أقام مكتب المرجع المدرسي أكثر من (14) مؤتمراً في محافظات عراقية مختلفة بما فيها كربلاء المقدسة، والعاصمة بغداد، بخصوص صياغة الدستور العراقي وقد أداره وحضره قانونيون عراقيون، مما شكل عاملاً محفزاً للاستلهام من القيم الالهية والانسانية، ولاسيما من عهد مالك الاشتر (رضي الله عنه) عند كتابة الكثير من بنود الدستور العراقي، ناهيك عن الاتصالات الخاصة باللجنة المختصة للتأكيد على تضمين الشريعة كونها مصدراً أساساً في الدستور.


ارسل لصديق