الأنبار .. طريق الى الحرب أم البناء؟
كتبه: حسين محمد علي
حرر في: 2014/02/04
القراءات: 901

كل أمة أو شعب ناهض يعيش أزمات ومشاكل، ويريد الحل بما يضمن حقوقه ويحقق طموحاته وتطلعاته، لابد أن يبحث عن الأسباب أولاً؛ قبل التفكير في الحلول والمكاسب، لأن في هذه الحالة سيكون في دوامة الأزمة، فهو يعيش أزمة حقوق، ثم يخوض أزمة الحصول على هذه الحقوق في الوقت نفسه.

بمعنى انه سيعيش دوامة العنف في داخله ومع الجهات الرسمية والحكومية خارج محيطه.

فالعراق اليوم يعيش أزمة جديدة وعلى درجة كبيرة من الخطورة، تتداخل فيها أبعاد اجتماعية وسياسية وحتى تاريخية، وهي من سلسلة أزمات تعصف بالعراق منذ تاريخ (9-4-2003). هي حرب شوارع بين جماعات ارهابية يتشكل عمودها الفقري من تنظيم ما يعرف بـ «داعش» وارهابيين محترفي القتل والذبح قادمين من خارج العراق، وبين جماعات أخرى تقودها العشائر العراقية تساندها الحكومة بالمال والسلاح، بهدف إعادة السيطرة على مدن محافظة الانبار. بيد أن خلفية هذه الحرب تستبطن أسباب وعوامل نشوء هذه الحرب، هي بالحقيقة تنسحب على عديد الازمات والمشاكل الموجودة في العراق:

العامل الأول: النظرة الطائفية

عندما يتحدث الساسة بشكل خاص عن «الوطن» كمفردة ومفهوم، يعنون به الأرض الواحدة التي تحمل على ترابها جماهير الشعب، بغض النظر عن تنوعهم الإثني (القومي او الطائفي او العرقي)، وتوجهاتهم الفكرية والثقافية. بمعنى أن التقسيمات الادارية في العراق على شكل محافظات، كما هو الحال في جميع انحاء العالم، لا يفصل الناس بعضهم عن بعض، إنما المقصود الحدود الادارية التي تنظم عمل كل محافظة حسب حاجات المجتمع فيها. وإذن؛ فكربلاء المقدسة، ليست للكربلائيين، كما ان الانبار ليست للانباريين، وهكذا سائر المحافظات. بينما السائد في العراق، وبعد التاريخ المذكور، هو وجود ثلاث «كانتونات» مقسمة بشكل غير معلن وغير مكتوب، اجتماعياً وحتى سياسياً، فاضافة الى «اقليم كردستان» ويضم ثلاث محافظات، فان المناطق ذات الاغلبية السنّية هي الاخرى تشكل كانتوناً يضم محافظات الانبار والموصل وصلاح الدين. فلا نجد عراقياً يتجول في غير مدينته وخارج محيط انتمائه. وهذا الذي مهّد وأسس لما بات يعرف بـ»المحاصصة السياسية»، فلو لم يكن التمهيد الثقافي والاجتماعي وحتى النفسي لظاهرة التمييز الطائفي، لما كان باستطاعة السياسيين ان يثبتوا هذه الوصمة على العراق.

العامل الثاني: جدلية الأمن والحرية

عندما سقط نظام صدام، وزالت الديكتاتورية الحزبية وشبح الرعب والارهاب والكبت، برزت هنالك ارادتان داخل الشعب العراقي؛ الاولى للضحايا ممثلين بالشيعة والاكراد، الذين استبشروا بالحرية، والارادة الثانية كانت للموالين - الى حد ما- الى النظام البائد، ممثلين بالطائفة السنية، حيث طالبوا بالأمن والسلام، وهذا ما حصل وتحقق للأثنين، ولم يشهد العراق، في الايام الاولى من سقوط صدام، وحتى مرور حوالي عامين، أي حالات انتقام بين الجانبين، أو مناوشات او اشتباكات مسلحة كالتي تشهدها الكثير من بلاد العالم. وهذه نقطة مضيئة تحسب للشعب العراقي، لما يحمله من تماسك وأصالة في هويته وحضارته التي تجعله محصناً من التمزق والاقتتال الأهلي. لكن المشكلة وقعت حين فقد الجانبان أو الشريحتان الاجتماعيتان الحرية والأمن، اللتان تمثلان لازمة أكيدة للتطور والنمو والبدء بحياة جديدة واعدة. كما لو أن هنالك أطرافاً ذات مصالح خبيثة في العراق، لا تريد الأمن والحرية معاً لكل العراقيين، سنّة وشيعة وأكراداً.. وعندما حصلت التجزئة في الحقوق، حصلت التجزئة على الخارطة ايضاً، فشهدنا كيف أن هذا يحرُم ذاك، نعمة الحرية ويحوله الى أسير للماضي المقيت، وذاك يحرُم هذا نعمة الأمان والاستقرار.

العامل الثالث: فقدان مشاريع التنمية

هذا العامل يتأثر بالعاملين الآنفين، لكن في كل الاحوال، فان العراق يمتلك مؤهلات النمو والتطور والتقدم، وهذا ليس كلاماً للمجاملة والإطراء، إنما هي حقيقة يقرها باحثون في شؤون الاقتصاد والتنمية، فالعراق يمتلك ثروات هائلة الى جانب قدرات انسانية كبيرة، حيث العقول المبدعة المعروفة في المنطقة، والنسبة الجيدة من الشباب المتدفق حيوية بين تعداد سكانه، هذا الى جانب نعمة المياه والاراضي الخصبة على مساحة واسعة. وتجاهل كل هذه الفرص الذهبية وبقاء العراق مع مرور عشر سنوات كاملة، يعيش ويأكل من المنتوجات المستوردة، وما يستتبع ذلك من انتشار حالة البطالة والتضخم والتخلف، من شأنه زيادة حالة الانهزامية وعدم الثقة بالنفس، واستفحال العقد النفسية والشعور بالضياع واللاهدفية في الحياة. وهذه وغيرها، تذكي نار العنف والاضطرابات السياسية والاجتماعية.

وعندما نتحدث عن تغيير جذري وشامل في الابعاد كافة في بؤرة الأزمة الراهنة في العراق، علينا الالتفات الى فرص النمو الكبيرة الموجود في باطن الأرض المتأزمة حالياً، حيث تمتلك محافظة الانبار ثروات طبيعية غنية، فحسب المدير العام لشركة المسح الجيولوجي «خلدون البصام» فان الانبار تعد من إغنى مناطق العراق في مجال الثروة المعدنية اللافلزية، وفي مقدمتها، الفوسفات و الكبريت، بل هنالك حديث من خبراء على وجود كميات من الذهب الخام في باطن الصحراء الانبارية.

فبعد كل هذا، هل بالامكان توقع حل عسكري لهذه الأزمة؟

لو نظرنا الى تجارب شعوب تعيش ضمن بلد واحد، وهي تتنوع الى عديد الطوائف والأعراق والمذاهب، مثل الهند التي تضم عدداً كبيراً من الديانات والمذاهب، وهنالك اتباع ومؤمنون، وربما تكون بعض هذه المذاهب مثيرة للاستغراب وحتى الاستهجان، لكن الجميع يحظون بالاعتراف من الآخر، فلا أحد يتجاوز على حقوق وعقائد أحد، وهذا ما يسمى بـ «التعايش السلمي». وهذا تحديداً ما يحتاجه العراق بأسره قبل أي شيء آخر، لان الحل الموضعي والترقيعي لن يزيد البلد إلا أزمات متتالية قابلة للانفجار، فبدلاً من ان يكون المستقبل لاندلاع هكذا أزمات ، ليكن واعداً بالمشاريع التنموية والانسانية التي تنتزع فتيل الازمات الى الابد.

فاضافة الى المشاريع الاقتصادية التي كثر الحديث عنها والمطالبة بها، هنالك مشاريع ذات طابع ثقافي وانساني، من شأنه ان يغير مسيرة حياة سكان الانبار وسائر المحافظات العراقية. هذه المشاريع ينبغي أن تنطلق من الحوزات العلمية وتحديداً من علماء الدين والخطباء والفضلاء. ولعل تحريك عجلة التأليف والنشر والمطالعة، من الطرق المختصرة للوصول بالشعب العراقي الى بر الأمان. وحتى لا نجانب الواقع، هنالك فعاليات ونشاطات في الساحة، لكن نحتاج الى المزيد مثل معارض كتب في اكثر من مدينة، والتشجيع على نشر وتبادل المؤلفات والاصدارات وفتح مكتبات عامة لتبادل المعرفة والثقافة. اضافة الى فعاليات اجتماعية ودينية وثقافية، لاسيما في مناسبات بهيجة، مثل المولد النبوي الشريف والاعياد الاسلامية وغيرها، ما من شأنه ان يبعث الروح الأخوية ويعزز الشعور بالثقة والاطمئنان لدى الجميع.

وللحقيقة نقول: أن أزيز الرصاص ودخان القنابل هو الذي يحجب اليوم عن الكثير من العراقيين، رؤية آفاق المستقبل، فكل شيء بالقتال والصراع والثأر.. كما لو أن العراق يفتقد للإرث الحضاري العظيم الذي تركه النبي الأكرم وأهل بيته، عليهم السلام. ويفتقد قيم واهداف النهضة الحسينية. نعم؛ لابد من الحزم والقوة لتحكيم القانون وتعزيز الأمن والسلم الأهلي، وفي المقولة المعروفة حكمة: «من أمن العقاب أساء التصرف». بيد أن هذه اللغة يجب أن تكون في حدودها المعينة واهدافها الواضحة، ولمن توجه..؟ بينما تأخذ لغة المنطق والحوار والسلم، مكانها الأوسع في الساحة. وهذا لن يتحقق إلا بتضافر الجهود واجتماع العقول الحكيمة من الجانبين، ليس على أساس غالب ومغلوب، إنما على أساس «العدل» و «الإنصاف» وهذا ما لا يختلف عليه أحد مهما كان. ومن خلاله تظهر النوايا الحسنة والجادّة في البناء والإعمار وإصلاح كل فاسد ومفسد في هذا البلد .


ارسل لصديق