التدبّر الموضوعي .. أصالة في فهم الدين والحياة
كتبه: السيد سجاد المدرسي
حرر في: 2014/02/05
القراءات: 1326

إن دراسة آيات الكتاب الكريم، تتم عبر طريقتين أساسيتين:

- الاولى : التدبّر الموضعي.

ويكون في السورة القرآنية بدءاً من أولها واستمراراً مع السياق الوارد فيها حتى انتهاء السورة. ويسمى هذا النوع من التدبر عند علماء المنهج بالتدبر الـ «سياقي - الموضعي»، ويمتاز هذا النوع من التدبر باستكشاف العلاقات الخفيّة بين المواضيع المبحوثة في الآيات الكريمة.

ذلك أن الآيات الواردة في السورة الواحدة تروم معالجة مشكلة ما، ويتم هذا العلاج عبر مجموعة من الحلول المختلفة التي قد لا تبدو انها مترابطة في الوهلة الاولى، ولكن اكتشاف العلاقات بين الآيات من خلال معرفة هدف السورة وسياقها يزيل هذا الاشكال.

- مثال على ذلك:

قد يجد تالي القرآن الكريم، صعوبة في فهم العلاقة بين إنزال عقوبة الجلد على الزاني والزانية في سورة النور، وبين الحديث عن الرجال الذين لا تلهيهم تجارةٌ ولا بيعٌ عن ذكر الله سبحانه.

وبمعرفة هدف السورة، الذي يتمثل ببناء البيت الإيماني، يتيسر فهم تلك العلاقة، حيث ان سبيل بناء ذلك البيت يقتضي القيام باجراءات صارمة لكل ما يهدد هذا الكيان، بدءاً من الزنا والقذف ومروراً بالإفك و نزعة إشاعة الفحشاء في المجتمع، و انتهاءً بالنظر الى الاجانب بريبة، او ابداء الزينة لغير الاقارب وغير ذلك. هذا مضافاً الى القيام ببناء ذلك البيت الرفيع عبر بيان ما يقوّمه من قيم وخلقيات وسلوكيات.

- الثانية: التدبر الموضوعي

تتم هذه الطريقة عبر دراسة موضوعٍ محدد في حقل من الحقول المختلفة عبر الآيات الشريفة، ويهدف المتدبر من ذلك استظهار الرؤية القرآنية الكاملة تجاه هذا الموضوع، ذلك أن القرآن الكريم يبحث جانباً من كل موضوع حسب الحاجة اليه في سياق الآيات التي تعالج قضية ما، في حين يبحث الجوانب الاخرى منه في آيات أخرى، وجميع هذه البحوث يشكل الصورة الكاملة للموضوع برؤية قرآنية، ومن هنا فان المفسر او «المتدبر» في هذا النمط من انماط التفسير سوف لا يلتزم بالسياق القرآني للسورة الكريمة او الترتيب الوارد في القرآن الكريم للسور المباركة، بل سيكون جهده منصباً بدراسة الموضوع أنّى كان.

وهناك تعاريف مختلفة لهذا النمط من التفسير، تصب اكثرها في المعنى المذكور، مثلاً يقول صاحب كتاب «التفسير الموضوعي التأصيل والتمثيل»:

«هو عملية منهجية تتجه الآيات القرآنية، من حيث موضوعها، لا موضعها، بغية الكشف عن الموضوعات التي عرض لها القرآن الكريم، وتصنيفها تحت ما يناسبها من مجالات، وافرادها في كتابات تبرز ما فيها من دلالات وهدايات".

 

* تاريخ التدبّر الموضوعي

ان معظم التفاسير التي اتخذت القرآن الكريم منطلقاً لفهم الحياة والدين، التزمت النمط الاول من أنماط التفسير او «التدبر» حيث كانت تدرس الآية حسب سياقها الوارد في المصحف الشريف، ولم يعهد المسلمون تفسيراً موضوعياً للقرآن الكريم، ولذلك فقد يتصور انه نمطٌ مستحدث ليس له أصلٌ او جذر.

ومن هنا فلابد لنا ان نذكر المراحل التي مرّت به هذا النمط من أنماط التدبر في القرآن الكريم.

أولاً: المحكم والمتشابه

لقد حوى كتاب ربنا على آيات محكمات هنّ أمّ الكتاب، واضحات، باهرات، ظاهرات، وفي المقابل احتوى القرآن الكريم على آيات أخر، كانت متشابهة في معناها على من جهلها، وقد أمر الله سبحانه برد المتشابه من الآيات الى محكمها لكيلا يلتبس الأمر على الانسان.

ان عملية رد المتشابه الى المحكم هي بمنزلة عمل موضوعي، اذ لا يلتزم المتدبر سياق الآيات، انما يعتمد على عموم القرآن الكريم لرفع تشابه الآية الكريمة.

ثانياً: الدعوة القرآنية

لقد دعا القرآن الكريم في غير موضع، بالرجوع الى آيات أُخر من سور أخرى، بغية فهم المراد من الآية الكريمة، وانكشاف الحكم بشكل تام، فمثلاً قال الله سبحانه: {يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهيمَةُ الْأَنْعامِ إِلاَّ ما يُتْلى‏ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَ أَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُريد} (سورة المائدة /1).

فعبارة ﴿إلا ما يتلى عليكم تلفّها الغموض، لو تركت وشأنها، فأنّى لتالي القرآن ان يعرف ما حرّم عليه عبر هذه الكلمة .

لذا فان العبارة هذه تدعو القارئ لان يرجع الى آيات أخرى ذكر فيها ﴿ما يتلى عليه من المحرمات، وهذه الآيات هي التالية:

{قُلْ لا أَجِدُ في‏ ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى‏ طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَ لا عادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحيم}‏ (سورة الانعام /145).

{إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَ الدَّمَ وَ لَحْمَ الْخِنْزيرِ وَ ما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَ لا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحيم} (سورة البقرة /173).

{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَ الدَّمُ وَ لَحْمُ الْخِنْزيرِ وَ ما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَ الْمُنْخَنِقَةُ وَ الْمَوْقُوذَةُ وَ الْمُتَرَدِّيَةُ وَ النَّطيحَةُ وَ ما أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ ما ذَكَّيْتُمْ وَ ما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَ أَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذينَ كَفَرُوا مِنْ دينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَ اخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتي‏ وَ رَضيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ ديناً فَمَنِ اضْطُرَّ في‏ مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحيم} ‏  (سورة المائدة /3).

ثالثاً: القرآن والقيام بالعرض الموضوعي

قد يجد المتدبر في القرآن أن مجموعة من الآيات او سورة كاملة، تتحدث عن موضوع واحد، مثل سورة الواقعة، حيث تمحور حديثها حول تقسيم الناس الى ثلاثة اقسام: {وكنتم ازواجاً ثلاثة * فاصحاب الميمنة ما اصحاب الميمنة * واصحاب المشئمة ما اصحاب المشئمة * والسابقون السابقون * اولئك المقربون}.

رابعاً: اهل البيت عليهم السلام، و الإستلهام من القرآن

لقد زخرت النصوص الشريفة عن العترة الطاهرة، بوصايا وحقائق مستلهمة من القرآن الكريم، حيث تذكر الحكمة او الوصية، ثم تذيّل بآية من آيات الكتاب الكريم الذي يعد معيناً لهذه النصوص المباركة، فمثلاً نجد في وصية النبي، صلى الله عليه وآله، لابن مسعود قوله : «يَا ابْنَ مَسْعُودٍ لَا تَتَكَلَّمْ‏ بِالْعِلْمِ إِلَّا بِشَيْ‏ءٍ سَمِعْتَهُ وَ رَأَيْتَهُ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ‏ {وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا}،وَ قَالَ‏ ﴿سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَ يُسْئَلُونَ‏ وَ قَالَ‏{ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ عَنِ الْيَمِينِ وَ عَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} وَ قَالَ ﴿وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيد» (1).

وهكذا فعل امير المؤمنين عليه السلام، حيث قسّم الكفر الى خمسة اقسام حسبما ورد في القرآن الكريم، فقال عليه السلام:

«وَ أَمَّا الْكُفْرُ الْمَذْكُورُ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَخَمْسَةُ وُجُوهٍ مِنْهَا كُفْرُ الْجُحُودِ وَ مِنْهَا كُفْرٌ فَقَطْ وَ الْجُحُودُ يَنْقَسِمُ عَلَى وَجْهَيْنِ‏ وَ مِنْهَا كُفْرُ التَّرْكِ لِمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ وَ مِنْهَا كُفْرُ الْبَرَاءَةِ وَ مِنْهَا كُفْرُ النِّعَمِ...».

خامساً: استلهام العلماء

اعتمـــــــــد العلــــــــماء الطــــــــريقة «الموضوعية» في نصوص الروايات، حيث قسموهــــــــا حسب مواضيعها، وخصوصاً النصوص التي وردت في المسائل الفقهية، بجعل النصوص حسب ابوابها الفقهية، وهكذا قاموا، بتقسيم الآيات حسب مواضيعها، فقام الفقهاء بدراسة آيات الاحكام، كما قام علماء العقيدة بدراسة الآيات التي تخص الاصول العقدية.

وبعد هذه المرحلة بدأ هذا النمط بالنضوج وانتشرت التطبيقات العملية، فازدادت التأليفات في هذا الجانب، رغم قلة التأليفات في الجانب التنظيري لهذا النمط من أنماط دراسة الكتاب الكريم، ويمكننا ان نشير الى موسوعتي «بحار الانوار»، للعلامة المجلســــــــي، و «التشــــــــريع الاسلامي» للمــــــــرجع المدرســــــــي، كتطبيقات عملية لعملية التدبر الموضوعي في القرآن الكريم، فرغم ان الاول هو موسوعة روائية، إلا ان العلامة المجلسي قد جعل في بداية كل باب من ابواب كتابه مجموعة مــــــــن الآيات القــــــــرآنية المرتبطة بالموضوع، اما الموسوعة الثانية فقد خصصت سبعة اجزاء منه، للتدبر الموضوعي في القرآن الكريم حول قيم الهدى والايمان والعلم.

---------------

1- مكارم الأخلاق - ص 455


ارسل لصديق