أطفالنا صنّاع المستقبل
كتبه: الشيخ فارس الجبوري
حرر في: 2014/02/05
القراءات: 1321

قضت الارادة الالهية أن يكون الانسان حراً مختاراً. وهذه الارادة منّة عظيمة من الله تعالى، فكان الانسان حراً وقادراً على انتخاب طريقه، لا عبداً من طبعه ان يساق بالعصا الغليظة. ومن هذا المنطلق ينبغي التأكيد المرة بعد الاخرى على أن للتربية والتعليم دوراً أساساً في وجود وحركة الانسان. أما وضع أو سنّ العقوبات ورسم القوانين الرادعة، وتوجيه المجتمع عبر الوسائل الاخرى، فهذه كلها امور وحيثيات تأتي في الدرجة الثانية. وهاتان الحقيقتان تقوداننا الى القول بان قائد الانسان هو عقله، وهو الذي يهديه ويرسم له طريقه الصحيح وان قوانين العقوبات لابد وان تختص بالشواذ والنوادر من الناس ممن لم يطلهم التعليم.

 

* الأم .. دور أساس في صياغة الشخصية

لعل المتدبر في قول رسول الله، صلى الله عليه وآله: «الشقي من شقي في بطن امه...»، (الكافي، ج8ص81). يفهم ان السعادة والشقاء انما يكتبان على الانسان وهو لما يزل جنيناً في بطن أمه. وها هي الهندسة الوراثية اليوم تؤكد لنا العلاقة بين حال الانسان بعد ولادته وبين ما يمر به في طور التكوين في رحم أمه.

من هنا يمكن القول: اذا اردت مجتمعاً صالحاً فابحث عن أم صالحة، واذا رأيت مجتمعاً فاسداً، فاعلم ان جذور هذا الفساد تمتد وتمتد الى ان تصل الى بعض الأمهات. فالام ليست مدرسة فحسب، بل هي حياة. فحينما يولد الانسان من أم طيبة تراه يكون ذا خصال وسجايا طيبة، أما لو كانت أمه غير صالحة فغالبا ما يكون الولد معقداً، يميل الى الشر والفساد. ففي فترة الحمل هناك ثمة مسؤولية على الأم تتمثل في ضرورة الاهتمام بحالتها الدينية، مثل الالتزام بالفرائض العبادية، وحضور المجالس الدينية، والتزود بالثقافة الاسلامية والانسانية الاصيلة، بما يعود عليها وعلى وليدها فيما بعد بالفائدة الكبرى، بدلاً من تضييع الوقت في مجالس اللهو ومشاهدة واستماع ما لا تحمد عقباه.

 

* الطفل ابو الرجل!

وبعد ان يولد الطفل ويبدأ بالرضاعة والنمو يكون أشد استقبالاً لمتغيرات الحياة، من ذلك الشاب الجامعي الجالس تحت كرسي استاذ جامعي قدير. لان الوليد مثل الصفحة البيضاء الجاهزة لاستقبال خطوط الكتابة في حين ان طالب الجامعة قد أوشكت قناعاته على الاكتمال. ولذلك كان لمرحلة الطفولة المبكرة أثرها الكبير على مستقبله. حتى ان علماء التربية قالوا: «ان الطفل ابو الرجل»! لما لحقبة الطفولة من تاثير بالغ على صياغة الشخصية في الكبر. ثم ان الطفل بعد الولادة يكون بحاجة الى:

1- تغذيته بالعاطفة والحنان

فينبغي على الوالدين تزريق الحب للطفل، حتى لا يشعر فيما بعد بعقدة نقص العاطفة؛ لتفادي حصول أي فراغ او هوة في هذا المجال. واذا ما حدث ذلك - والعياذ بالله- فعلينا توقع الشذوذ واللاعقلانية في مواقفه وتصرفاته. فحالة الحب والحنان، يجب أن يتلقاها الطفل في فترة الرضاعة، ولعل الازمة الكبرى التي يعاني منها جيلنا المعاصر هو الفراغ العاطفي الناشئ اساساً من انشغال الآباء والامهات بشؤون الحياة، وتهيئة مستلزمات العيش اليومي، ونسيانهم أهمية الحاجة العاطفية؛ ولذلك نرى الروح الانهزامية تسيطر على تصرفات كثير من الاولاد. وبالتالي ظهور جيل متزلزل الارادة، فاقد للثقة بنفسه، لا يعرف للشجاعة والاقدام معنى.

2- تحــــــــــسيسهِ بالكــــــــــرامة والاحترام

ينبغي للاولاد ان يولدوا على الكرامة التي اختص الله بها الانسان، اذ يقول تعالى: {لَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} (سورة الاسراء ،70) . فمن أشد ضروريات التربية ان يتحسس الطفل بالكرامة بشكل شديد؛ لان من دون هذا التحسس فان الطفل لن يعِي معنى الحرمة؛ وحينما يكبر يكون زوجاً او مديراً او عاملاً، أو أي مكان يتبوأه في المجتمع، لن يجد الحاجة لاحترام حرمات الآخرين، لا يعرف معنى الكرامة والحرمة لنفسه.

وحينما نتدبر في الآية الكريمة: {وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا} (سورة يوسف ،21). نجد ان المنعطف الخطير في حياة النبي يوسف، عليه السلام، قد بدأ من زاوية الكرامة التي أكد عزيز مصر على إمرأته في ان توليها إياه. وهكذا اذا اردنا ان يبلغ اولادنا مبلغاً حسناً، وشأناً رفيعاً في المجتمع، فلنبدأ من نقطة الكرامة ونشعرهم بها، فلا نحطم شخصيتهم بالكلام اللاذع وتوجيه الاهانات. والرسالة موجهة بالدرجة الاولى الى الأم الصالحة التي تريد الصلاح والرشاد لولدها. فالكرامة تمثل قاعدة الانطلاق نحو النمو الصحيح، والنظر الى الاشياء والامور من الزاوية الايجابية.

ان احترام الطفل لايعني أبداً الخضوع لرغباته، كما يتصور الكثير من الآباء والأمهات، بل لابد ان نجعل من هذا الاحترام وسيلة و اداة لتربيته. وهذا يستدعي التحدث معهم بصراحة وعفوية مثيلة لما يحملونه من براءة وعفوية. وهذا يمكّن الطفل من أن يتوجه في الكبر، الى الأبوين لاستشارتهم والالتزام بوصاياهم والأخذ بنصائحهم.

3- تكريس احــــــــــترام حقوق الآخرين

في بعض البلدان التي تهتم شعوبها اهتماماً بالغاً بالحقوق العامة ترى ان الأم هناك تؤكد لولدها على ضرورة رعاية الحقوق العامة، كمقاعد القطارات مثلا باعتبارها من الاموال العامة، أو الاستفادة الصحيحة من الماء والكهرباء، ووسائل النقل العامة، وأي شيء آخر له علاقة بالجانب الاجتماعي. مثل هذه التربية تجعل من الطفل مواطناً صالحاً في الغد القريب، مواطناً لا يفكر في مصالحه الذاتية فقط، بل يضع في سلّم أولوياته مصالح الاخرين، فلا يفكر في ان يكون هو دون غيره، او يتكالب على احتلال المناصب وحيازة الاشياء، ومصادرة الآراء، والغاء دور الاخرين. وهي من أسوأ ما يمكن ان يتربى عليه الطفل.

 

* التربية بين الماضي والحاضر

يشيع في مجتمعنا اليوم أسلوبان من التربية» يتجسد الاول في ان بعض الوالدين يحاولون ان يجعلوا أولادهم نسخة ثانية منهم، وكأنهم يريدون ان يتكرروا بأولادهم! والنوع الثاني يتجسد في اصرار الوالدين على تسليم أولادهم الى الشارع والمجتمع ليتعلموا ما يشاؤون، مطلقين لهم العنان وكأنهم لا يمتّون اليهم بصلة. ومن الطبيعي ان يكون لكل نوع أسبابه ومبرراته ومن ثم نتائجه.

فالنوع الاول؛ يبدو انه نابع من تكرس الانانية في شخصية الوالد حيث لا يعرف من الحياة إلا نفسه؛ فهو يرى ما يفعله صحيحاً وما يتركه خطأ، جاهلاً أنه كائن معرض كما غيره للخطأ. وهذا نابع من كون الوالد ذا شخصية متكبرة على من، وما حوله من حركة وحياة؛ فهو جاهل بضرورة إيلاء الثقة بمن يستحقونها لكي يوفر الفرصة امام اولاده في محاكاة الاخرين. كما انه جاهل بطبيعة الانسان المتغيرة بتغير الزمن. فالله سبحانه وتعالى حينما خلق في الانسان حب او غريزة تقليد الآخرين بمن فيهم الآباء، فقد خلق فيهم رغبة اخرى وهي رغبة التحدي والاقتحام، واثبات جدارة الذات. إلا ان اصرار الوالدين على اسلوب الاستنساخ - إن صح التعبير- يعد إصراراً على محاربة الفطرة الانسانية التي جعلها الله تعالى متنوعة الاشكال. فحركة الزمن حركة متغيرة وكل جيل يأتي في زمن جديد وظرف جديد يفرض عليه التأقلم مع ذلك الزمن ولهذه الحقيقة اشار امير المؤمنين، عليه السلام، بقوله: «لاتقسروا اولادكم على آدابكم فانهم مخلوقون لزمان غير زمانكم» (تصنيف نهج البلاغة /لبيب بيضون،644).

أما النوع الثاني: والذي يتمثل في اطلاق العنان للاولاد فهو الآخر باطل، ولا يعود بغير الضرر عليهم؛ ذلك لان رمي الابناء في مهب الريح سيما العاتية منها يعني قطع العلاقة والرابطة المقدسة بين الآباء وذرياتهم. وهو تجاهل فاضح لحق الاولاد على آبائهم، اذ انهم بحاجة الى من يأخذ بأيديهم، ويجنبهم الكثير من السقطات التي هم في غنى عنها. بل ان كثيرا من اشكال الانحراف يؤدي بالاولاد الى نقطة لا رجعة عنها.

أما الخيار الثالث، فهي تربية الاولاد وفق الخطوط العريضة للحياة، ومن ثم منحهم الفرصة للسير وفق تلك الخطوط. وبتعبير آخر ضرورة وعي الوالدين لأهمية تربية اولادهم على خلاصة التجارب البشرية، ومن ثم وضعهم على سكة التطبيق للاستفادة من تلك التجارب و الحِكم. اما دخول الوالدين في تفاصيل حياة اولادهم اكثر من الحد اللازم ، يسلب منهم قابلية التفكير والاعتماد الايجابي على الذات. وها هي الدراسات في علم النفس، ترى ان الافراط والتفريط في صلاحية الوالدين في التربية عاملاً من عوامل تدمير الاولاد. فتراهم في مرحلة يتبعون اولادهم خطوة بخطوة حتى يرى الاولاد انفسهم محاصرين خلالها من كل جانب، وفي مرحلة اخرى يرون انفسهم ضائعين دونما ملجأ يأويهم من المخاطر. إذن؛ فالصحيح في الامر هو الحكمة والتعقل والخيار الوسط في قضية التربية.

ان الاولاد بحاجة الى من يدلهم على الطريق فحسب، وليس الى من يأخذ بأيديهم الى النهاية، ولا يجدر بنا ان ننسى الحقيقة القائلة بـــــــان «كل وقوف يسبقه تعثر او سقوط»، فالطفل لا يلتذ في الوقوف ما لم يسبق ذلك عثرات وسقطات.

فبدلاً مــــــــــن ان تحــــــــــرضه تحريضاً مباشراً على ان يكون جدياً في حياته، حاول ان تزرع روح الجد والنشاط والتحدي في عمق نفسية أبنائك؛ وذلك عن طريق الثقة بهم وتحسيسهم بانك تثق بهم.

 

* العقلانية منهجاً للتربية

فمـــن الضــــــروري ان نغذي ابناءنا المبادئ والاعتقادات باسلوب عقلاني وليس على شكل شحنات عاطفية فحسب، اذ المعتقدات لابد وان تكون لها جذورها العقلية والمنهجية الواضحة، وبما أن للطفل وجداناً وفطرة وله عين صغيرة وايضاً أُذن صغيرة، وله عقل صغير ولكنه يتناسب مع حجمه، فان على الوالدين تغذيته بالمبادئ والقيم من خلال الفطرة والوجدان، دون الخرافات والاساطير. فالطفل له قدرة على الاستيعاب، ولكن باسلوبه الخاص. ومسؤولية الوالدين ان يربوا اولادهم ضمن المنهجية العقلية لتكون بمثابة القاعدة الرصينة في التربية الدينية. وبما ان كتاب الله كتاب حي وناطق، ويتحدث الى قارئه بقدر عقله؛ علينا ان نقرب الاطفال من آيات القرآن الكريم، ومفاهيمها بالطريقة المناسبة لكل واحد منهم، لان في ذلك الضمانة الوحيدة ليعيشوا اجواء القرآن الكريم.

وما نقصد به من الاسلوب العقلي والمنهجي هو الابتعاد عن الخرافة والعاطفة البحتة لــــــــــدى نشر الافكار والقيم، مع مراعاة الاسلوب المتدرج الذي يشد الطفل الى كتاب ربه. ولعل استشارة المتخصصين في مجال تعليم القرآن خير معين في التنقل بالطفل في اجواء كتاب الله تعالى، حيث تكون البداية بعملية التحفيظ، ثم التفسير المناسب لعقلية الطفل، ثم تعليم الاحكام والمسائل الشرعية.

 

* تعلّم اسس التربية

عندما يكون الانسان حريصاً على تخريج ابناء صالحين الى المجتمع، فانه بحاجة لأن يتقن فنون التربية والتعليم. فالقضية لن تكون بالسهولة التي يتصورها البعض، وأن الطفل يكبر ويدرج على الأمور الصالحة ضمن الاجواء السائدة وبصورة عفوية وطبيعية..! فمن يرغب في رعاية وردة في حديقة منزله، تراه يسأل هذا الخبير وذاك او انه يقرأ على الاقل ما يرشده الى طريقة رعاية تلك الوردة، ولكن هل ان طفله أقل شأناً من وردة؟! وهل انه لايستحق مزيدا من الاهتمام؟!

وهنا تجــــــــــدر الاشـــــارة الى ضرورة إعادة النظر في قواعد واساليب تثقيف اولادنا، وهم آباء وأمهات المستقبل. فمن المهم وضع برامج منظمة ومستمرة لمن بلغ مرحلة الزواج؛ لتعليمهم أصول التربية الدينية، والادارة المنزلية، فجهلهم باصول التربية يجعل أولادهم عرضة دائمة للوقوع في اسر المشاكل النفسية والفكرية، وبالتالي سيكــــــــــونون شـــــركاء مباشرين في كـــــل ما يرتكبونه من أخطاء وذنوب طيلة حياتهم. ولابد لــــكل زوجين شابين ان يدخـــــلا دورة تعليمـــية قبل الزواج، تبين لـــــهما مـــــعنى الزواج وهدفه، وكيفــــــــــية ضـــــمان السعــــــــــادة لهم ولابنـــــائهم.


ارسل لصديق