العمل المؤسساتي ضرورة حياتية
كتبه: باقر ياسين
حرر في: 2014/02/05
القراءات: 1008

إذا كانت هناك ميزة يتميز بها عصرنا الحديث في مجال العمل والانتاج، فإنها «المؤسسات». فجميع البحوث ‏والدراسات التي تبحث في تطوير المجتمعات وتحضّرها، تسلط الضوء على كيفية تجاوز عصر الفرد إلى عصر المؤسسة، والحالة الفردية إلى الحالة الاجتماعية.

إن كلمة «الحضارة» و»المدنية»، وما يراد منها من دلالات ومصاديق، تؤدي كلها معنى حضور الإنسان واجتماعه وتفاعله ، بل إننا عندما نريد أن نعرّف الإنسان تعريفاً يميزه عن سائر الأحياء، فلا مناص لنا من ‏القول: أنه كائن اجتماعي سياسي، وقد ظهر هذا التعريف مؤخراً في مؤلفات المفكرين والعلماء.

وعندما بين القرآن الكريم الصفة الاساسية للانسان فانه ركز على صفة البيان والعلم وذلك في الآية الكريمة التي كانت باكورة وحي الله تعالى الى النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله،  {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ *  اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ }(سورة العلق /1-5).

وفي سورة الرحمان التي تتجلى فيها رحمة الله عزوجل نقرأ قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآَنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ  } (الرحمـن/1-4).

وفي سورة القلم تطالعنا الآيات الكريمة: {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ}  (سورة القلم/1ـ2).

فلماذا كان القلم أداة العلم، والبيان وسيلته، ولماذا كان العلم ‏والبيان ميزة الإنسان؟

الجواب: لأن العلم والبيان يتوليان مسؤولية نقل الخبرة مـن إنسان إلى آخر، ومن جيل إلى جيل، في حين إن هذه القدرة معدومة تماماً لدى سائر الكائنات الحيّة، ولذلك فإنها متوقفة عند حد معين مـن الفهم والمعرفة.

فالبيان وسيلة لنقل التجربة مـن إنسان إلى آخر، والسمة الأساسية له هي سمة الحضور، فالإنسان كائن حيّ متحضّر، اجتماعي، مبيّن ناطق، ولكن الناس مع ذلك يختلفون في مستويات تحضّرهم، فهناك بعض الحضارات متقدمة، وهناك ‏حضارات متوسطة في التقدم، في حين أن هناك حضارات بدائية متخلّفة.

إن القيمة التي نقيس بها الحضارة ونحكم على ضوئها بأنها متقدمة، أو متوسطة، أو متخلفة، هي مدى «الحضور» فيها؛ فنحن قد نحضر عند بعضنا حضوراً مادياً بحتاً، كما تجتمع أعواد الثقاب إلى بعضها في العلبة، ولكن عندما نفتقد لسمة المعنوية فمن الطبيعي ان نفقد السمة الحضارية.

ولذلك فإننا لا نستطيع أن نسمّي علبة أعواد الثقاب بحضارة الثقاب، لأن الحضور في هذه الحالة هو حضور مادي صرف وليس حضوراً معنوياً.

والآن؛ فإن من الوسائل التي يستطيع بها العلماء معرفة مدى تحضّر شعب، هي مفردات اللغة التي يتعامل بها، فهناك‏ بعض الشعوب البدائية لا تمتلك مفردات لغوية كثيرة، فالجمل عندها بسيطة التركيب، لأن أفرادها لا يتمتعون بخبرة كبيرة لكي يحتاجوا إلى نقلها إلى بعضهم البعض، فنقل الخبرة بحاجة إلى البيان، والبيان بحاجة إلى تطوير للفهم، ولذلك ‏نجد أن معلوماتهم بسيطة، وحضارتهم محدودة رغم أنهم يعيشون سوية.

إن الحضارة روح، وتفاعل معنوي يؤدي إلى التعاون، ونحن إذا أردنا أن نبني الحضارة الإسلامية فعلينا أن نعود إلى ‏الجذور، وإلى الفكرة الأساسية في الحضارة، وإلى المحتوى فيها، ونفكر في الطريقة التي نجعل بها حضورنا إلى بعضنا البعض حضوراً معنوياً فاعلاً وقادراً على صنع الواقع المتقدم، وإيجاد الأرضية المشتركة للعمل.

نحن نبقى عاجزين عن أن نتقدم خطوة واحدة إن لم نخرج مـن زنزانة أنفسنا كأفراد لندخل في رحاب التجمعات، ونعيش ‏حياة المؤسسات، لا حياة الأشخاص، وأن نحذر مـن أن تكون رموزنا، تحمل طابعاً شخصياً مستنداً إلى أفراد معينين فإن ذهبت، يتوجب علينا أن نبنيها مـن جديد مـن ألفها إلى يائها.

على سبيل المثال؛ فإن المؤسسة المرجعية التي تمتلك تاريخاً عريقاً يمتد إلى أكثر مـن ألف سنة، هي المؤسسة الشرعية الوحيدة التي تستطيع أن تنوب عن الإمام الحجة المنتظر، عجل اللَّه فرجه، في عصر الغيبة، ورغم ذلك لا يوجد حتى الآن كتاب تم تأليفه حول تجربة المؤسسة المرجعية خلال ألف عام من الخبرات والجهاد، والعطاء العلمي ‏والحضاري في مختلف الأمور.

إن السبب في ذلك أن المؤسسات لم يكن لها وجود في ذلك العصر، ولذلك فإن التاريخ لم يكتب، ولم تنتقل الخبرات ‏والتجارب إلا من خلال الألسن والأفواه. وفي مثل هذه الحالة تسود جميع مجالات حياتنا. فنحن نعيش أفراداً ولم نستطع بعد أن نعي ضرورة ظهور المؤسسات في حياتنا.

والسؤال المهم المطروح في هذا المجال: كيف نحوّل مجتمعنا مـن مجتمع الآحاد إلى مجتمع الجمع والحضارة؟

للإجابة على هذا السؤال المهم لابد من تسليط الضوء على مسألة اساسية، وهي أننا نمتلك مؤسسات اجتماعية غير فاعلة لابد أن نبعث فيها الروح والحيوية والنشاط لكي تصبح بذلك ‏مؤسسات فاعلة. ونحن في هذا المجال بحاجة إلى مؤسسات جديدة تستطيع أن تجاري العصر الذي نعيشه، ومن أجل‏ تحقيق هذا الهدف علينا أن نقوم بوظيفتين؛ الأولى هي بعث الروح في المؤسسات القائمة، والثانية بناء مؤسسات جديدة حسب مقتضيات العصر. ويمكن الاشارة الى هذه المؤسسات بما يلي:

 

* 1/ الأسرة

وهي من أولى وأهم المؤسسات التي يجب أن نعمل على إحيائها، وبعث الروح فيها، فللأسف الشديد،  التفاعل والحضور غير قائمين في أسرنا، فهناك الكثير مـن الحواجز والاختلافات بين أفراد الأسرة الواحدة؛ فالصراحة، والتعاون، والروح الجماعية المشتركة، كلها صفات تفتقر إليها الغالبية العظمى مـن أسرنا، وهذه ‏حالات سلبية يجب أن نبادر إلى معالجتها.

فمن الظواهر المشهودة في هذا المجال، أن الأبناء يعملون - وبمجرد وفاة أبيهم- على هدم المحل التجاري أو نوع الحرفة التي كابد الأب ‏وبذل الجهود المضنية في العمل بها وإنشائها، في حين أنهم في الحقيقة يجمعهم مصير مشترك، وحياة واحدة. وهذه الظاهرة إن دلّت على شي‏ء، فإنما تدل على أن الروح الجماعية مفقودة تماماً في أسرنا.

إننا - كمسلمين- مكلّفون بإعادة الروح إلى أسرنا، لكي تعود الروح إلى المؤسسات والكيانات الأخرى في المجتمع.

 

* 2/ مؤسسة المسجد

ومن المؤسسات الاجتماعية الأخرى التي يجب أن نصبّ اهتمامنا عليها هي مؤسسة «المسجد». فالتجمع ‏الذي يحضر في مسجد مـن المساجد ينبغي أن يكون لمجيئهم فائدة، وأن يعرف كل واحد مـنهم السبب الذي جاء من‏أجله إلى المسجد، وأن يتعرّف على روّاد المسجد، وينشئ علاقات اجتماعية معهم، ويسعى من أجل أن يشترك مع‏ الآخرين في تأسيس صندوق مشترك للتعاون، والقيام بالأنشطة الاجتماعية والسياسية.

إن المسجد يُعد - بعد الأسرة- اللبنة الحضارية الأولى في الأمة، فهو ليس محلاً لأداء العبادات وحسب، بل مكاناً ربما يصلح لأن تمارس فيه الكثير مـن الأنشطة في مختلف مجالات الحياة.

 

* 3/ مؤسسة البلدية

المؤسسة الاجتماعية الثالثة التي ينبغي الاهتمام بها هي مؤسسة «الحيّ»، فالإسلام يأمرنا بأن نهتم بجيراننا ليكوّن الواحد منا هو وجيرانه مؤسسة اجتماعية فاعلة ونشطة، كأن تقام الاجتماعات والجلسات الدورية بين سكان‏الحيّ الواحد، أو أن يكون لهم تنظيم بلدي لإدارة شؤون محلّتهم لكي لا يضطرّوا إلى ترقّب القوانين الإدارية حتى تحل ‏مشاكلهم، فمن المفروض أن نكون نحن المبادرين إلى القيام بهذه الأعمال، فعلى أهل المحلة الواحدة أن يجتمعوا فيما بينهم ‏ليحدّدوا احتياجات محلتهم مثل بناء مسجد، أو تأسيس مستوصف، أو صندوق للقرض الحسن، أو حتى المحافظة على نظافة الحي السكني، بل والعمل على ضمان الحالة الصحية، بالحؤول دون انتشار الحشرات والأوبئة وغيرها - إن وجدت -.

هنا، ربما يقول البعض، إن هكذا اعمال من اختصاص الجهات الحكومية، لاسيما المسائل الصحية او الخدمية، بيد أن المبادرة من الأهالي تمثل خطوة عملية تعود عليهم بالنفع والفائدة أولاً، ثم إنها ستكون عامل حثّ وتحريض للجهات الحكومية لأداء واجبها أزاء الناس.


ارسل لصديق