التطور و الارتقاء واستحقاقات المرحلة
كتبه: كاظم السعيد
حرر في: 2014/02/05
القراءات: 828

التغيير الحضاري وهداية الانسان الى طريق الهدى والصواب ليس كلاماً يقال، وعملاً هيناً، فهو مسيرة تحكمها سنة إلهية وهي الصراع بين الخير والشر والحق والباطل، وقد جسد القرآن الكريم هذا الصراع بأروع ما يكون في بيان سيرة الانبياء، عليهم السلام، خلال مهمة تبليغهم رسالات الله في مجتمعاتهم، ولم يكن لنبي او رسول من قبل الباري عزوجل ان تفرش له الارض بالورود، بل نقيض ذلك، حيث كانت تزرع في طريقهم الاشواك والعقبات الكأداء ويواجهون الموت بأقسى انواعه بسبب الطبيعة الانسانية التي تتشكل منها المجتمعات؛ لذا فان المجتمع الذي يريد ان يلحق هذه المسيرة الحضارية لابد ان يشهد ثلاث مراحل:

1 - مرحلة الرواد الذين يفجرون طاقاتهم الايمانية، ويبثون في روح المجتمع الثقة بالنفس، والتوكل على الله، وهؤلاء هم الانبياء الذين يذكرنا الله - تعالى - بهم ليبين لنا صفاتهم الانسانية، ومنها الصفة التي يشير اليها قوله - سبحانه - : {إذا تُتْلى عليْهمْ ءاياتُ الرّحْمن خرُّوا سُجّداً وبُكيّاً}  (سورة مريم /58).

2ـ مرحلة الجيل الذي يرث الكتاب، والحضارة، ولا يلتزم بهما بشكل عملي كما كان الرواد يلتزمون بهما؛ فالايمان موجود لديه، ولكنه ليس ايمان التحدي، إنما إيمان التبرير. كما ان الطقوس والشعائر الدينية قائمة بين أوساطه، ولكنها محوّرة. ويشير تعالى، الى هذه المرحلة في قوله: {فخلف من بعْدهمْ خلْفٌ أضاعُوا الصّلاة واتّبعُوا الشّهوات فسوْف يلْقوْن غيّاً} (سورة مريم /59).

أولئك الرجال الذين يخلقون المجتمع اللاأبالي، واللامسؤول، والمجتمع القشري الفارغ، ولكنهم يرتبطون بجيل الرواد بشكل ظاهري.

3- مرحلة أولئك الرجال الذين يخالفون الواقع الفاسد ويتوبون الـى الله ويتحملون مسؤوليتهم الشرعية. والى هؤلاء يشـير تعالى، في قوله: { إلاّ مـن تاب وءامن وعمل صالحاً فاُوْلئك يدْخُلُون الْجنّة ولا يُظْلمُون شيْئـاً}  (سورة مريم /60)

ان هذه المراحل الثلاث: مرحلة القيادة، ومرحلة عدم الشعور بالمسؤولية، ومرحلة التوبة و العودة الى صفاء ونقاء الرسالة، تنطبق على كل مجتمع. فقد تجد في المجتمع الواحد أناساً يحتلون دور الرواد، و آخرين يتمثل فيهم الدور الثاني؛ دور أولئك الذين لا يأخذون من الكتاب سوى رسمه، ومن الدين إلا اسمه، ومن الطقوس إلا قشورها وظاهرها، كما ونجد الى جانبهم التائبين الذين يحاولون العودة الى المصادر الاولى لمبادئهم.

أي اننا نعيش اليوم في مجتمع مزدوج الشخصية، مجتمع نجد فيه ذلك الشاب الثائر الصادق في ايمانه والذي لا تجد بينه وبين قلبه حجاباً من نفاق، ولا بين قوله وعمله حجابا من التبرير، فنجده اذا وعد وفى، واذا قال صدق، واذا عمل اتقن. في حين نجد الى جانب هذه الفئة من المؤمنين، فريقا يدّعون الايمان ولكنهم يكذبون في ادعائهم هذا. ويصلّون ولكنهم لا يؤدون تلك الصلاة التي امر بها الله - عز وجل -؛ فيصلون صلاة فارغة، لا تنهى عن الفحشاء والمنكر في سلوكهم.

والى جانب هاتين المجموعتين، تجد شخصيات قيادية رائدة تستطيع ان تتحمل المسؤولية، وتقود سفينة الامة الى شاطئ النجاة، وهذا هو جيل الأولياء الذي يجسد دور الانبياء.

وبطبيعة الحال فان القليل منّا يختار ان يكون ولياً من اولياء الله - تعالى- فهذا الاختيار هو طموح عال بحاجة الى جهود جبارة رغم ان من حق الانسان المسلم ان يتمنى بأن يكون في مصاف الصديقين  والحواريين كأبي ذر الغفاري، وسلمان المحمدي، ومالك الاشتر، وحبيب بن مظاهر.. وغيرهم من اولئك الصديقين الذين كانوا على أقل مرتبة من المعصومين، عليهم السلام.

ان الله - عز وجل - لا يغلق أبواب السمو والارتقاء في وجه الانسان، ولم يخلقه بحيث لا يمكنه ان يصل الى هذه المراتب العالية، فان باستطاعته ان يصل الى المستويات الايمانية الرفيعة من خلال التوكل على الله - جلت قدرته -، وتربية روح الطموح والتطلع في نفسه، فاذا حدد الهدف، وصل الى ما يريد، والله-  سبحانـه وتعالى- سيؤيده بالتوفيق والنصر، شريطة ان تبدأ الخطوة الاولى من الانسان نفسه كما يشير الى ذلك - تعالى - في قوله: {ويزيدُ اللّهُ الّذين اهْتدوْا هُدىً والْباقياتُ الصّالحاتُ خيْرٌ عند ربّك ثواباً وخيْرٌ مّردّاً} (سورة مريم /76). أي ان الاهتداء يبدأ من ذات الانسان ثم يزيده الله هدى، فالخطوة الاولى لابد ان تكون من الانسان، ثم تأتي الخطوات الاخرى من الله - عز وجل -، فان لم يستطع الوصول الى المستوى السابق، ليكن على الاقل من الذين يقول عنهم القرآن الكريم: {إلاّ مـن تاب وءامن وعمل صالحاً}.

اما اذا كان الانسان يعيش في مجتمع اللامبالاة ثم لم يتبرأ من صفاتهم واعمالهم وتبريراتهم، فان هذا الانسان لابد ان يحشر مع هذا المجتمع، ويُعد منه. ولننظر في هذا المجال الى دقة القرآن الكريم في التعبير، فهو يحدثنا عن الانبياء؛ أولئك الذيـن أنعم عليهم من ذرية آدم، ثم يحدثنا عن جيل عدم الشعور بالمسؤولية قائلا: {فخلف من بعْدهمْ خلْفٌ أضاعُوا الصّلاة }، ثم يقول بعد ذلك:﴿ إلاّ مـن تاب وءامن وعمل صالحاً، وبعبارة اخرى فان الانسان عندما يولد في المجتمع اللامسؤول واللاأبالي والمجتمع المنطوي على ذاته والتبريري فانه يحشر مع هذا المجتمع، وان سيئـات وخطايا هذا المجتمع سوف تلاحقه، وسيكون مسـؤولاً عنها الا اذا تاب، والتوبة تعني الانفصال، أي ان يجعل الانسان بينه وبين هذا المجتمع سداً، وحاجزا.

فالانسان الذي يتوب، هو المؤمن، يقول تعالى: ﴿إلاّ مـن تاب ، لان هذا الانسان مؤمن في ظاهره؛ فهو يصلي ويصوم ولكن ايمانه ايمان سطحي، ولذلك لابد ان يتوب اولا ويكفر بالايمان القشري، والشهوات التي حولت الدين الى مجموعة مراسيم وطقوس وتقاليد مفرغة من المحتوى.

وفقهاؤنا يؤكدون في رسائلهم العملية على ان الانسان المسلم اذا أخذ ايمانه من باب التقليد فانه سوف لا يقبل منه، فلا يمكن للانسان ان يقلّد أحداً في اصول الدين، فلابد له ان يفهم ضرورات الدين ولا بأس ان يقلد في سائر الامور.

وللأسف، الكثير منّا ما يزال ايمانه تقليديا، فهو يقدس التقليد اكثر من تقديسه للدين نفسه، فالجزء الاكبر من افكارنا تجده مختلطاً بالتبرير واختلاق الاعذار، ولذلك فان القرآن الكريم جاء ليزيل من نفوسنا هذه الحالة التبريرية، فيبين ان الانسان مسؤول عن نفسه، وان اي عذر لا يمكن ان ينفعه، ويرفع عنه هذه المسؤولية: {بل الإنسانُ على نفْسه بصيرةٌ * ولوْ ألْقى معاذيرهُ} (سورة القيامة /14-15)

 وهكذا فان الدين هو اداة الارادة، واداة العقل في مقاومة شهوات النفس، واكتشاف ما فيها من انحرافات، أما الدين الذي يصبح جزءاً من النفس المليئة بالشهوات، والدين الذي يكرس السلبيات في نفس الانسان، والدين الذي لا يستطيع الانسان ان يختار الحق على الباطل، لا قيمة له.. انه دين اللامسؤولية والتبريرية.

وفي مقابل ذلك يستعيد الدين قيمته اذا ما حذفنا من انفسنا صفة التبرير، فيصبح مقياساً وملاكاً يمكن الاعتماد عليهما، وازاء هذه المبادرة سيدخلنا الله - تعالى - الجنة دون ان نظلم شيئا، فكل شيء بمقدار عنده، ولا تتصور انه، تعالى، من الممكن ان ينسى موقفا صغيرا من مواقف التحدي كان قد بدر منك، فاذا كنت - على سبيل المثال - مشتركا في جلسة ودية، فرأيت ان احد المشتركين في هذه الجلسة انبرى ليغتاب صديقا غائبا، ثم وقفت لتدافع عنه، فان هذا هو موقف تحد و إن بدا بسيطاً، ولكنه لايمكن ان ينسى عند الله - سبحانه وتعالى-: ﴿وما كان ربُّك نسيّاً (سورة مريم /64)، فاعمال الانسان مقدرة ومحسوبة، ومحفوظة في كتاب لا يضل ولا ينسى.

ان امامنا مشاكل وصعوبات تتطلب منا الصبر، ونحن مهددون في حياتنا بالنفاق من خلال إفراغ الصلاة من محتواها. فالالتزام بالدين يُعد أمراً صعباً، ولكن من السهل ان يستسلم الانسان للاهواء والنفاق والازدواجية، فاذا تركنا الله - تعالى - أوكلنا الى انفسنا، ومنع عنا عصمته، فنهبط الى ادنى المستويات حيث جاذبية الارض والشهوات.

وبالطبع، لا اريد ان اقول هنا ان الانسان يستطيع خلال لحظة واحدة ان يتخلص من كل رواسب المجتمع الفاسد؛ المجتمع الذي يدعي الاسلام ولكنه يترك الواجبات، ويترك الجهاد، ويخضع للطغاة، فمن الصعب ان يتخلص الانسان من آثار مثل هذا المجتمع، ولكن علينا ان نجعل مسيرتنا في جهة التخلص من التبرير، وعدم الشعور بالمسؤولية.


ارسل لصديق