(الدينُ لعِقٌ على ألسنتهم)
كتبه: رضا الخفاجي
حرر في: 2014/02/06
القراءات: 1324

هذه المقولة الخالدة للإمام الحسين، عليه السلام، التي يصف فيها حالة المجتمع الاسلامي في عصره, حيث وصلت الأمور الى مرحلة التردّي, كون غالبية المجتمع العربي آنذاك لم تكن تؤمِن إيماناً حقيقياً بمبادئ الاسلام الذي ساوى بين العبد وسيّده ونبذ الطائفية والعنصرية عندما أكدّ على «إنَّ اكرمكم عند الله أتقاكم».

لقد كانت النزعة القبلية والقانون القبلي، سائدين في المجتمع الاسلامي، خاصّة إذا علمنا بأنّ «الرِدَّة» سيطرت، بعد مؤامرة السقيفة، حيث انتصر الاسلام القبلي ذو النزعة الجاهلية على الاسلام النبوي الذي كان متمثلاً بخط الامام علي، عليه السلام، وأهل بيته الأطهار وأصحابه الأخيار الذين كانوا يمثلون الأقلية الصادقة والمؤمنة والمناضلة, التي طلّقت الدُنيا ومآربها المتهافتة، ولذاتها الفانية، وتوجهت بإيثارٍ مُنقطع النظير لبارئها, مجاهدةً من اجل إعلاء راية الاسلام في كُلِّ بقاع الأرض.

إذن؛ المشكلة الكبيرة التي كان يعيشها المجتمع الإسلامي منذُ عصر الرسالة الاسلامية والى الوقت الحاضر، هي مشكلة الإيمان الحقيقي. فعندما يؤمن شخص ما أو مجتمعٌ ما، بمنظومةٍ من القيم السماوية، فإنّهُ يعمل المستحيل بكل قوة واخلاص للحفاظ عليها ونشرها في كُلّ بقعةٍ يستطيع الوصول اليها.

إن الدين الاسلامي، دينُ عِلمٍ ونورٍ وحضارةٍ إنسانيةٍ  دينُ عَملٍ ومحبةٍ وتعاونٍ وتراحمٍ وتكافلٍ إجتماعي. فهو الذي استطاعَ ان يحفظ للمجتمع الاسلامي كرامته عِندما انتشر في الجزيرة العربية، في عهد الرسالة وما بعدها، حيث اندفع المخلصون للجهاد في سبيل الله، لكننا نرى في كُلِّ زمانٍ ومكان، تدهور الحالة الايمانية، عندما يتسلط على رقاب الناس حاكم ظالم مُستبد لا يعمل بدستور الاسلام وينشر القتل والرعب من اجل تثبيت سلطته الفاسدة، وكذلك يعمل على اشاعة التحريف والتزييف البعيد عن القيم الاسلامية وكُلّ القيم السماوية، ومن المؤكد تعرض المجتمع للتأثر من هؤلاء الحكام، لأن غالبية المجتمعات يسودها الفقر والجهل اللذان يؤديان سريعاً الى انتشار الأمراض الاجتماعية التي تكرس واقع التجزئة والتناحر.

لقد شخّص الامام الحسين، عليه السلام، هذه الحالة في ظل الحكم الأموي الذي اغتصب السلطة الشرعية، ونشر الرعب والقتل والاستبداد مما أدّى الى انهيار التماسك في مجتمع حديث بالاسلام، أيّ إنّ المبادئ الاسلامية لم تكن مترسخة بعد في قلوب وضمائر الغالبية العظمى من المجتمع، لذلك كان المؤمنون يمثلون الأقلية التي تعرضت الى الاضطهاد، مِنْ إبعادٍ وتهميش وتقتيل. وإلاّ لو كانت الغالبية مؤمنة لانحازت الى الإمام علي عليه السلام، والى الامام الحسين، في كربلاء لأنهم يعرفون مَن هو الامام علي، عليه السلام، وما هي مكانتهُ الحقيقية عند الله ورسوله، وكذلك مَن هو الامام الحسين، لكن المعرفة شيء والإيمان شيء آخر. لذلك خافوا من بطش بني أمية، وفضلّوا حياة الذُلّ الفانية على حياة الكرامة الخالدة.

وما أشبه اليوم بالبارِحة. ففي عصر المستكبرين والمستبدين الذين سعوا بكلّ إمكانياتهم المادية وبكُلِّ أساليبهم الخبيثة، الى نشر ثقافة وسلوك معاديين للدين الاسلامي العظيم ولكُلّ الاديان السماوية الاخرى، لأنهم يعرفون جيداً مدى تأثير العامل الديني في المجتمع.

خاصة إذا توفرت قيادات إسلامية جهادية مُخلصة لقيم السماء، قادرة على التصدي والمواجهة وتغيير المعادلة لصالح الاسلام.

إن مقولة الامام الحسين عليه السلام تنطبق تماماً على مجتمعنا المعاصر.

ولنترك المجاملات جانباً ونشخّص بدقة أسباب تخلّف مجتمعاتنا الاسلامية التي انتشر فيها الفساد الأخلاقي والمادي وأصبح القتل أمراً مألوفاً، وأصبح الارهاب الذي يهدف الى تدمير وجود الانسان، وكأنّهُ من المسلّمات التي لايمكن القضاء عليها. يقول الامام علي، عليه السلام: «كيفما تكونوا، يُولّ عليكم». إذن تنهض الحكومات من رَحِم مجتمعاتها، فتكون إنعكاساً لها، أي إن البيئة الاجتماعية هي التي تحدد نوعية النظام السياسي. لذلك ومن خلال هذا المنبر الاسلامي الأصيل - الهُدى- ندعو مخلصين الى أن يكون دور حوزاتنا العلمية أكثر فاعلية وأكثر تأثيراً ونرفض التوجُّه الذي يُريد إبعاد الدين عن السياسة.


ارسل لصديق