إضاءات من نهج البلاغة سياسة علي (عليه السلام) روح الإسلام
كتبه: محمد الصفّار
حرر في: 2014/02/06
القراءات: 1419

بقدر ما أزاحت الثورة الشعبية العارمة على سياسة عثمان من أعباء أثقلت كاهل الأمة الإسلامية، وآلام أقرحت صدور المسلمين، فإنها أيضاً فتحت جبهات قادها النفعيون والإنتهازيون ضد أمير المؤمنين، عليه السلام، من بطانة عثمان وأوليائه الذين فقدوا في ليلة وضحاها كل ما يملكون.

فقد كان للتحوّل الجذري السياسي الذي أحدثته هذه الثورة أثر كبير في التحوّل الاجتماعي والاقتصادي لدى هؤلاء الذين تعوّدوا على حياة الترف والقصور والمناصب على حساب الفقراء والمعدمين من المسلمين مما دفعهم إلى العداوة وشن الحرب على أمير المؤمنين، عليه السلام، بدعوى هم يعرفون بطلانها قبل غيرهم، وهي مطالبتهم بدم عثمان لأن منهم من اشترك بدمه كطلحة والزبير وعائشة التي كانت تحرّض الناس على قتله، وطالما ارتفع صوتها في المدينة: «اقتلوا نعثلاً فقد كفر». وهم يعلمون ان علياً، عليه السلام، كان أبرأ الناس من دم عثمان، رغم أنه كان من المجاهرين بالرأي المضاد القوي ضده، وأيّد ما أراده الثوار من الإصلاح لكنه لم يحُــض على قتله.

لقد جرت على أثر هذه الدعوى من الدماء ما لم تجر بقدرها في حروب البسوس وداحس والغبراء. وفي الحقيقة أن هؤلاء الثلاثة لم يكن اشتراكهم في قتل عثمان، حميةً للمسلمين وغضباً على سياسته الجائرة، وإنما اشترك طلحة والزبير في قتله خوفاً من أن يطالهما غضب الثوار لأنهما كانا من بطانة عثمان والمنتفعين من سياسته، هذا أولاً وثانياً انهما اشتركا في قتله بعد أن بلغت الثورة مداها وألهبت غضبها ولم تطق كظم آلامها فدعتهما نفساهما اللتان جبلتا على النفعية إلى الانتفاع من محصّلة هذه الثورة.

أما دافع عائشة فكان مادياً أيضاً، لأن عثمان منعها عطاءها استناداً إلى الحديث الموضوع الذي منع به أبوها، فاطمة حقها في فدك وهو: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث».

هذه هي الجبهة الأولى التي اتّضحت أغراضها من شن الحرب على دولة أمير المؤمنين، عليه السلام، أما الجبهة الثانية فهم ولاة عثمان وأهل بيته وبطانته الذين وصفهم أمير المؤمنين، عليه السلام بقوله:

(ثم قام معه بنوا أبيه يخضمون مال الله خضم الإبل نبتة الربيع).

 

* ثورة علي (ع)!

بعد أن بويع أمير المؤمنين، عليه السلام، للخلافة، فان أول ما فعله، عليه السلام، إحداث ثورة شاملة ضد الأوضاع الإجتماعية والسياسية، واجراء تغيير جذري لنظام قائم على الإثرة، فأعلن عزل ولاة عثمان، وفي مقدمتهم معاوية، عن الشام، واسترجاع القطائع والأموال و إزالة التمايز الطبقي الذي رفع من لا يستحق وخفض من لا يستحق، فدعا الى استرداد الحقوق إلى أصحابها بقوله:

«والذي بعث محمداً بالحق أنه لا بد أن يعود أسفلكم أعلاكم وأعلاكم أسفلكم وليسبقن سابقون كانوا قصروا وليقصرن سباقون كانوا سبقوا».

أما في ميدان العطاء فقد أحدث تغييراً ثورياً آخر، تمثل في مبدأ المساواة في العطاء بصرف النظر عن الإنتماء القبلي والعرقي وهو المبدأ الذي كان معمولاً به في عهد رسول الله، صلى الله عليه وآله، والذي ألغاه عمر، وجعل بدله التمايز بالإنتماء القبلي والعرقي، وبلغ هذا التمايز الطبقي حداً بشعاً في عهد عثمان وكان السبب في الثورة والانقلاب الجماهيري عليه.

لذا يمكن القول: إن إقرار الإمام، عليه السلام، مبدأ المساواة في العطاء، يُعد انقلاباً اجتماعياً بكل ما تعنيه هذه الكلمة من دلالات، وهو الذي عاد بالمجتمع والأمة إلى النظام الأصيل في الإسلام الذي ألغى الفوارق الطبقية. وهذه السياسة كانت كفيلة بإنهاء جوع الفقير وسد حاجة المحروم الذي سببه احتكار الأغنياء للثروة، فقد أعلن، عليه السلام:

«إن الله فرض في أموال الأغنياء أقوات الفقراء فما جاع فقير إلا بما متع به غني». كما كان له موقف حاسم وحازم من الأملاك والأموال التي اقتطعها عثمان لأهل بيته وأعوانه وولاته فأعلن، عليه السلام، ردها إلى ملكية الدولة وحوزة بيت المال:

«ألا إن كل قطيعة أقطعها عثمان وكل مال أعطاه من مال الله فهو مردود في بيت المال، فإن الحق القديم لا يبطله شيء ولو وجدته قد تزوج به النساء وفرق في البلدان لرددته إلى حاله، فإن في العدل سعة ومن ضاق عنه العدل فالجور عليه أضيق».

هذا المبدأ، لم يرق لحاشية عثمان وأقاربه الذين كان بيت المال تحت أيديهم، وهم مروان بن الحكم وسعيد بن العاص والوليد بن عقبة وأمثالهم، فتكلم عنهم الوليد وطلب من أمير المؤمنين من جملة كلامه أن يضع عنهم ما أصابوه من الأموال الطائلة من بيت المال في عهد عثمان فقال، عليه السلام لهم:

«ليس لي أن أضع حق الله عنكم ولا عن غيركم».

ثم أخذ مسحاته ومكتله ليعمل في حفر بئر وهو يردد الآية الكريمة: «تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين».

وفي اليوم الثاني أعطى، عليه السلام، لكل من حضر دون استثناء ثلاثة دنانير وأخذ هو، عليه السلام، ثلاثة دنانير ايضاً، فقال سهل بن حنيف: يا أمير المؤمنين.. هذا غلامي بالأمس وقد أعتقته اليوم فقال، عليه السلام:

«نعطيه كما نعطيك»

كان، عليه السلام، يعـــــرف أن هذه المبادئ السياسية في إزالة الفوارق الإجتماعية، ستجابه بمعارضة الأغنياء الذين اتخذوا انتماءاتهم القبلية وقرابتهم من عثمان سبيلاً لاحتكار الثروات والأموال، فبدأت محاولاتهم لإستعادة مكانتهم، ومن ألف أمرا شق عليه فراقه، فشق عليهم ذلك وأنكروه، حتى صاح الزبير في مجتمع المدينة معلناً بداية شرارة التمرد: هذا جزاؤنا من علي..! قمنا له في أمر عثمان حتى قتل، فلما بلغ منا ما أراد جعل فوقنا من كنا فوقه..!

لقد أوضح الزبير بقوله هذا كوامنه وبلغ به طمعه أن صار يتحدث بالأباطيل فهو لم يستأذن علياً في اشتراكه بقتل عثمان ولم يكرهه أمير المؤمنين على بيعته، كما لم يكره غيره ممن لم يبايعوه لكن الأموال التي كان يجنيها من عثمان والتي فقدها الآن أفقدته صوابه فنسي أو تناسى سياسة رسول الله، في الأموال التي أعادها أمير المؤمنين بعد أكثر من عشرين سنة، وشارك الزبير، طلحة في تمرّده إلى الحد الذي بلغ بهما إلى نقض البيعة و إعلان الحرب تحت ستار الطلب بدم عثمان.

أما علي، فلم يكن الزبير وطلحة وغيرهما من الذين أشرب في قلوبهم حب المال وكثرة العطاء يثنونه عن عزمه في تطبيق شريعة الإسلام الحقّة وانتهاج نهج رسول الله في المساواة فأعلن موقفه أمام كل المعارضين:

«أتأمرونني أن أطلب النصر بالجور فيمن وليت عليه والله لا آمر به لو كان المال لي لسويت بينهم فكيف وأن المال مال الله».

فاتسعت جبهة المعارضة من قبل بطانة عثمان وأوليائه ليعلنوا الحرب، فكما حارب علي، عليه السلام، كفار قريش، لإرساء دعائم الاسلام، فقد حمل السيف للدفاع عن مبادئ الإسلام وتطبيق شريعته، فتجسد في سياسته روح الإسلام التي تنكّر لها المنافقون فنقضوا البيعة وفارقوا الطاعة وشقوا الصفوف بعصا الخلاف، لكن علياً لم يثنه عن موقفه المبدئي شن الحروب عليه وبقي متمسكاً به.

«مالي ولقريش والله لقد قاتلتهم كافرين ولأقاتلنهم مفتونين وإني لصاحبهم بالأمس كما أنا صاحبهم اليوم».

 

* القلّة في طريق الحق

وتتسع رقعة المعارضة في الأمصار وتتسلل فلول المنهزمين من حرب الجمل مع غيرهم من الأغنياء وبقية الأمصار إلى الشام لينضموا إلى جبهة معاوية ولكن علياً القائل: «لا تستوحشوا طريق الحق لقلة سالكيه»، لم يكن ليضيره انضمام هؤلاء إلى معسكر الباطل ورغم تأزّم الظروف فإنه كان مطمئناً وهو يحارب، حرب الحق وينتصر للعدالة بالعدل فيكتب إلى عامله على المدينة سهل بن حنيف:

«أما بعد فقد بلغني أن رجالاً ممن قبلك يتسللّون إلى معاوية فلا تأسف على ما يفوتك من عددهم ويذهب عنك من مددهم فإنما هم أهل دنيا هم مقبلون عليها قد عرفوا العدل ورأوه وعلموا أن الناس عندنا في الحق أسوة فهربوا إلى الإثرة فبعداً لهم وسحقاً».

وعندما بلغه أن عامله على أردشير مصقلة بن هبيرة الشيباني يفضّل أهله على غيرهم في العطاء كتب إليه:

«بلغني عنك أمراً إن كنت فعلته فقد أسخطت إلهك وأغضبت إمامك إن حق من قبلك وقبلنا من المسلمين في قسمة هذا الفيء سواء».

كما يكتب إلى الأسود بن قطيبة صاحب جند حلوان:

«أما بعد فإن الوالي إذا اختلف هواه منعه ذلك كثيراً من العدل فليكن أمر الناس عندك في الحق سواء فإنه ليس في الجور عوض عن العدل».

ويوصي الأشتر في عهده التاريخي الخالد عندما ولاه مصر من ضمن وصاياه: «وإياك والإستئثار بما الناس فيه أسوة فعما قليل تنكشف عنك أغطية الأمور وينتصف منك للمظلوم».

ويأتي إليه عقيل بن أبي طالب وقد افتقر أشد الفقر وتغيرت وجوه أولاده من الجوع ليطلب من أخيه صاعاً من القمح فيصف لنا أمير المؤمنين هذا الموقف في خطبته فيقول :

«والله لأن أبيت على حسك السعدان مسهداً أو أجر في الأغلال مصفّداً أحب إلي من أن ألقى الله ورسوله يوم القيامة ظالماً لبعض العباد وغاصباً لشيء من الحطام وكيف أظلم أحدا لنفس يسرع إلى البلى قفولها ويطول في الثرى حلولها والله لقد رأيت عقيلاً وقد أملق حتى استماحني من بركم صاعاً ورأيت صبيانه شعث الشعور غبر الألوان من فقرهم كأنما سودت وجوههم بالعظلم وعاودني مؤكداً وكرر عليّ القول مردداً فأصغيت إليه سمعي فظن أني أبيعه ديني وأتبع قياده مفارقاً طريقتي فأحميت له حديدة ثم أدنيتها من جسمه ليعتبر بها فضج ضجيج ذي دنف من ألمها وكاد أن يحترق من ميسمها فقلت له ثكلتك الثواكل يا عقيل أتئن من حديدة أحماها إنسانها للعبه وتجرني إلى نار سجرها جبارها لغضبه أتئن من الأذى ولا أئن من لظى».

ويأتي إليه الأشعث بن قيس بهدية، هي في الحقيقة رشوة أراد منها تحقيق غرض دنيوي كان في نفس الأشعث الإنتهازية فقال، عليه السلام:

«وأعجب من ذلك طارق طرقنا بملفوفة في وعائها، ومعجونة شنئتها، كأنما عجنت بريق حية أو قيئها فقلت: أصِلة أم زكاة أم صدقة ؟ فذلك محرم علينا أهل البيت.. فقال: لا ذا ولا ذاك، ولكنها هدية. فقلت هبلتك الهبول..! أعن دين الله أتيتني لتخدعني؟ أمختبط أنت أم ذو جنّة؟ أم تهجر؟ والله لو أعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلته وإن دنياكم عندي لأهون من ورقة في فم جرادة تقضمها. ما لعلي ولنعيم يُفنى ولذة لا تبقى نعوذ بالله من سبات العقل وقبح الزلل وبه نستعين).

ويأتي إليه عبد الله بن زمعة وهو من شيعته يطلب منه مالاً فقال له:

«إن هذا المال ليس لي ولا لك، وإنما هو فـيء للمسلمين وجلب أسيافهم، فإن شركتهم في حربهم كان لك مثل حظهم وإلا فجناة أيديهم لا تكون لغير أفواههم».

ويقول من خطبة له:

«من استهان بالأمانة ورتع في الخيانة ولم ينزه نفسه ودينه عنها فقد أحل بنفسه الذل والخزي في الدنيا وهو في الآخرة أذل وأخزى وإن أعظم الخيانة خيانة الأمة وأفظع الغش غش الأئمة».

ويخطب في الناس فيقول من بعض خطبته: «و لألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز».

ويدخل، عليه السلام، بيت المال في البصرة بعد انتصاره في حرب الجمل، فنظر إلى كثرة ما فيه من الذهب والأموال والنفائس فقال:

«غري غيري» مراراً..

وعند خروجه من البصرة قال:

«ما تنقمون مني وأشار إلى قميصه والله انه من غزل أهلي. ما تنقمون مني يا أهل البصرة وأشار إلى صرة في يده فيها نفقته والله ما هي إلا من غلتي في المدينة وإن خرجت عنكم بأكثر مما ترون فأنا عند الله من الخائنين».

ومن خطبة له، عليه السلام:

(ألا وإن إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه ومن طعمه بقرصيه، ألا وإنكم لا تقدرون على ذلك ولكن أعينوني بورع واجتهاد وعفة وسداد، فوالله ما كنزت من دنياكم تبراً ولا ادخرت من غنائمها وفراً ولا أعددت لبالي ثوبي طمراً ولا حزت من أرضها شبراً ولا أخذت منه إلا كقوت أتان دبرة ولهي في عيني أوهى من عفصة مقرة».

«هيهات أن يغلبني هواي ويقودني جشعي إلى تخير الأطعمة ولعل بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص ولا عهد له بالشبع أو أبيت مبطاناً وحولي بطون غرثى وأكباد حرى أو أكون كما قال القائل:

 وحسبكَ داءً أن تبيتَ ببطنةٍ    وحولكَ أكبادٌ تحنُّ إلى القدِّ

أأقنع من نفسي بأن يقال هذا أمير المؤمنين، ولا أشاركهم في مكاره الدهر أو أكون أسوة لهم في جشوبة العيش. فما خلقت ليشغلني أكل الطيبات كالبهيمة المربوطة همها علفها...»

«إليك عني يا دنيا فحبلك على غاربك قد انسللت من مخالبك وأفلت من حبائلك».

«اعزبي عني فوا الله لا أذل فتستذلّيني ولا أسلس لك فتقوديني».

هذه هي سياسة الحق والعدل والنبل.. سياسة علي بن أبي طالب، عليه السلام، وهذه هي نفحة من نفحات نهج البلاغة وقبساً من هديه الذي حاد عنه المسلمون فتاهوا بغياهب الظلم وابتلوا بولاة الجور وحكام الضلال.


ارسل لصديق