الإسلاميون والسلطة.. بين مدرستين
كتبه: كريم الموسوي
حرر في: 2014/02/06
القراءات: 887

علاقة الحركة الإسلامية بالسلطة السياسة في بلداننا، وسمت بالشائكة أو المأزومة، أو الملتبسة، والمحصلة؛ تبقى أحد العقد المستعصية على الحل مع كثير من العقد التي تثقل بلادنا الإسلامية مما يؤخر من تقدمها وانطلاقتها في ركب الحضارة.

إن كثيراً من أزماتنا المستعصية - ومنها هذا الموضوع- هي أزمات عندما تسكن في بلادنا، لكنها في البلاد المتحضرة، نراها تذوب ولا تعد أزمة، وهذا بسبب حالة التخلف والاستبداد المستحكم عندنا.

وكثير مما يُعاب على التشيّع في عالم التخلف والانحطاط، ما لو وزنته في عالم التحضر لكان من مفاخر التشيّع، و مدعاة لافتخار الشيعة، منها النظام الإداري أو ما يسمى بالمرجعية الدينية.

ومثال ذلك ما يثيره البعض من التشكيك بولاء الشيعة لبلدانهم، او احتجاجهم على الشيعة بالعمل السياسي والثقافي في بلاد الأكثرية السنيّة، فخطر لي أن لو تم نقل هذا التصور والاعتقاد، الى مؤسسات المجتمع المدني في الدول المتحضرة، لكان رد الفعل آلاف علامات التعجب والاستنكار لأنها تخالف أوليات الحقوق المدنية للإنسان، لأنهم بالتأكيد يتحدثون عن التعاطف الفكري دون السياسي، ولو عنوا بالولاء السياسي فيرجع السؤال عليهم: ولِمَ تبحث فئة عريضة من المجتمع عن الولاء الخارجي؟ أليس بسبب خطأ النظام السياسي الداخلي وظلمه، وبالتالي هو أحق باللوم والعتب والتشنيع؟

الفكر الشيعي -إجمالاً- أكثر تقنيناً وأكثر التباساً، في آن، مقارنة بالفكر السني، فالفكر السنّي، كونه مذهباً إسلامياً نشأ في قصور الخلافة، وبالتحصيل كانت السلطة -واستمرت- تحت شعار «ولي الأمر»، المفروض الطاعة وله الأسبقية في التنفيذ في حال التعارض انطلاقاً من اقتران طاعته بطاعة الله والرسول، و استناداً الى قول البارئ - عز وجل-: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ}، أما الفكر الشيعي المحكوم بالإمامة، ذو المواصفات الكاملة، فقد بدأت أزمته مع السلطة في الساعة الأولى لمواراة الرسول الأكرم، صلى الله عليه وآله، التراب، لأنه أصبح في صف المعارضة حينما طالب بالحكم للمعصوم، وانطلقت من هناك تسمية «الروافض»، وغيرها عليهم.

إن معيار الولاء في بلداننا ملتبس، والسبب أن السلطة السياسية - وقل الحاكم- هو الأصل وليس الوطن، ويُختصر الوطن في فرد واحد أو عائلة، وبالتالي عند الحديث عن الولاء فالمطلوب الولاء للرئيس أو الملك، ومطالب المواطن بالتعزية إذا رحل الأول وكتابة التبريكات للثاني إذا جلس على الكرسي. وعندما يتم فصل الوطن عن الحاكم - وهي ضرورة قاطعة- يكون حب الأوطان والعمل من أجلها والتضحية في سبيلها والدفاع عنها إيماناً، ومطالبة البعض الشيعة في الذوبان في بلدانهم مقبولة إذا كان القصد الوطن وليس النظام السياسي بكل سوءاته.

هذه النظرية تأصلت في الفكر السني ولم تعد طارئة أو محكومة بعنوان «الضرورة»، أو

«الاضطرار» كما في الفقه الشيعي، وإلا بماذا نفسر السكوت المريع وعدم التحرك أمام الاستبداد والديكتاتورية طيلة العقود الماضية، حتى تجمدت حركة التنمية في بلداننا وسقطت في وحل التخلف والحرمان؟

إن تركيب نظرية «ولي الأمر» على الحاكم هي أكثر النظريات التي تغلغلت في الفكر الإسلامي تخلفاً وخطورة، لأنها نظير للدكتاتوريات مبسوطة اليد، وقد شلّت الحياة السياسية في وطننا الإسلامي عقوداً من الزمن، ونقلته من أزمة إلى أخرى، في جو من الصراعات والانقلابات، والحل يكون بنسف النظرية التي تقول أن الحاكم هو «ولي الأمر»، وأخطر منها نظرية تسمية الحاكم «أمير المؤمنين»، مادام قد تربع على العرش بأي طريق كان، دون موازين عقلائية وشروط الكفاءة والدين والتي يختصرها الله في كتابه العزيز بـ «التقوى» في قوله تعالى {إن أكرمكم عند الله أتقاكم}، كما تأطرت في الفكر الشيعي في نظام «المرجعية»، ويكون التعامل مع الحاكم تحت عنوان «الحكومة»، كما ورد تفصيله في الفقه الإسلامي دون إلزام الولاء والعبودية والبنوّة.

فالحكومات تأتي لتكون سلطة تنفيذية ليس إلا، وليس أي عنوان أكبر من هذا، ولها مهمة محدودة بزمن، فإن نجحت في مهمتها تبقى، وإلا فعليها الرحيل لتحل محلها من هي خير منها وأكثر قدرة على خدمة هذا المجتمع، فما أسهل رحيل الحكومات في الدول المتقدمة، وما أعقدها من مسألة في دولنا. بل قد يقف البلد على أطراف أقدامه في حال رحيل الرئيس، والأمة كلها تعيش القلق والاضطراب، فبعض بلادنا من أجل تغيير الحاكم يجب أن يتعبأ حلف عسكري ضخم مثل «ناتو» لإزاحة شخص مثل «القذافي» عن السلطة.

أليس السبب في هذا هو هذه النظرية الأموية المشؤومة؟ وإلا فمادام الحاكم هو ولي الأمر فهل نلوم المتصارعين على العرش - الخليج مثالاً- وهم يفكرون ليل نهار في الطريقة التي يصلون فيها الى قمة السلطة، حتى وإن سالت في الطريق أنهار من الدماء.


ارسل لصديق