القاسم - عليه السلام- مرقد شامخ و رمز للصبر والتحدي
كتبه: أمجد الربيعي
حرر في: 2014/02/06
القراءات: 1386

من أبواب الحوائج المعروفة والمشهورة، ومن الرجال الذين صدقوا وعدهم لله تعالى، ومضوا على سيرة آبائهم، حاملين راية «لا إله الا الله محمد رسول الله علي ولي الله»، متأسّين بمصاب جدهم الحسين، عليه السلام، انه السيد الجليل سليل العترة الطاهرة، القاسم بن الامام موسى بن جعفر، عليهما السلام، الاخ الشقيق للامام الرضا، عليهم افضل الصلاة والسلام. وفي هذا الحيّز، نحاول ان نلقي نظرة عن حياة الامام القاسم، عليه السلام، والمدينة التي سُميت باسمه، والتي اصبحت من المدن المهمة في حاضرة العراق العراق.

ولد الإمام القاسم عام 150هـ في المدينىة المنورة. عاصر خلال حياته الشريفة أربعة من خلفاء بني العباس وهم المنصور، المهدي، الهادي و الرشيد، وأُمّه، أُمّ ولد ، تكنّى بأُمّ البنين .

 

* «خرج منها خائفاً يترقّب»

ولما كان العتاة، من بني العباس، معروفين ببطشهم وشدة وطأتهم على رجال البيت العلوي، ولأنهم ضاقوا ذرعاً بوجود الإمام لما يمثل من امتداد للنبوة ومعدن للحكمة ومنهل للعلم وأبوة ورحمة للمؤمنين، فقد تعقبوا العلويين للتخلص منهم بأية طريقة كانت، مما دفع الأئمة، عليهم السلام، لاتباع نهج التخفّي والتمويه بالاستعانة بأبنائهم غير المعصومين من الذين يرادفونهم علماً وتقوى لإخفاء الإمام المعصوم، حفاظاً على الوجود الكوني برمته، بناءً على الحديث الشريف عن الإمام الصادق، عليه السلام: «لولا وجود الإمام لساخت الأرض بأهلها»، وهكذا فقد انتشر أولاد الإمام الكاظم، عليه السلام، في بقاع الأرض للتمويه على شخص الإمام الرضا، عليه السلام، وفي مقدمتهم الإمام القاسم، عليه السلام، المعروف بغزارة علمه ورجاحة حلمه وشدة ورعه إضافة لكونه الأخ الشقيق الوحيد للإمام الرضا عليه السلام من الذكور.

هاجر الإمام القاسم عليه السلام من مدينة جده المصطفى، صلى الله عليه وآله، صوب العراق مع القوافل التجارية التي فارقها عند مشارف الكوفة ليسير بمحاذاة نهر الفرات قاطعاً المسافات الطوال، تاركاً كل قرية أو مدينة يمر بها حتى وصل إلى منطقة «سورى»، إذ وجد بنتين تستقيان الماء، فقالت إحداهن للأخرى: «لا وحق صاحب بيعة الغدير.. ما كان الأمر كذا وكذا...»! فسره سماع هذا القسم، وتقدم باستحياء ليسأل التي أقسمت:

«من تعنين بصاحب بيعة الغدير»؟ فأجابته:

 انه سيدي ومولاي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، عليه أفضل الصلاة والسلام.

عندها أطمأن قلبه وهفت نفسه لأهل هذا الحي الذي يسمى «باخمرا»، نسبة الى كثرة خمار الطين، وهو التراب المخلوط بالماء والتبن المستخدم في البناء والملج.

طلب القاسم، عليه السلام، من البنت صاحبة القسم ان تدله على مضيف رئيس الحي، فاستجابت لطلبه قائلة: «إن رئيس الحي هو أبي..»، والذي رحب به، وأحسن ضيافته، وانتظر القاسم، عليه السلام، حتى مضت ثلاثة أيام فبادره بقوله:

يا عم..! ما عبد الله بأفضل من العمل، فهلا وجدت لي عملاً يكون لي مغنماً؟ فقد طاب لي العيش بين ظهرانيكم.

أبدى الشيخ استعداده لاستضافة القاسم، عليه السلام، مدى عمره، إلا انه أمام إصراره، عليه السلام، طلب إليه أن يختار عملاً بنفسه، عندها اختار أن يكون ساقياً للماء، لما في سقاية الماء من أجر عظيم، ولما للماء من أهمية في الحياة. فجذب الإمام القاسم، عليه السلام، بورعه وتقواه وعبادته وعلمه أنظار اهل الحي وفي مقدمتهم رئيسهم الذي يوليه اهتماماً بالغاً، وكان كلما تفقده ليلاً وجده صافاً قدميه قائماً قاعداً، راكعاً ساجداً، ونوره ساطع الى عنان السماء، ثم انه يمضي نهاره صائماً غالب الأيام ، لذا استقر في نفسه أن يزوجه إحدى بناته، فعرض الأمر على قومه فأنكروا عليه ذلك لأنهم لم يعرفوا له حسباً ونسباً، إذ إن القاسم، عليه السلام، لم يعرفهم بنفسه سوى انه «الغريب»، ولم يوقفهم على نسبه الشريف مخافة بطش السلطة الغاشمة. فلم يكترث الشيخ لاعتراض قومه فمضى في مشيئته ليعرض أمر الزواج على القاسم، عليه السلام، فاستجاب، عليه السلام، لعرض الشيخ مفضلاً البنت صاحبة القسم التي دلته على مضيف أبيها يوم قدومه الحي، وبهذا تشبه قصة الامام القاسم، عليه السلام، قصة نبي الله موسى، عليه السلام، في خروجه متخفياً الى الأرض التي كان فيها نبي الله شعيب، عليه السلام، ولقائه البنتين عند سقاية الماء، والدلالة على البيت ثم الزواج من إحداهن .

 

* الشجاعة الى جانب الأخلاق

تجتمع الروايات تقريباً على عدم وجود عقب للقاسم، عليه السلام، من الذكور فيما تشير أخرى إلى انه أعقب بنتاً اسمها «فاطمة».

ظهرت من الامام القاسم، عليه السلام، كرامات وصفات لم تجتمع لشخص خلال وجوده في الحي، فقد وفرت مياههم، وزادت محاصيلهم، وبورك في مجهودهم، إضافة إلى ما تمتع به، عليه السلام، من حسن شمائل وطيب معشر وسمو أخلاق وغزارة علم أفاضت على أهل الحي .

وخلال وجوده في تلك البلدة، سجّل القاسم، موقفاً شجاعاً أثبت أصالته وجذوره العلوية التي تدفعه لمناصرة المظلوم ومقارعة الظالم. فقد حصل أن تعرض الحي الذي يسكنه الى محاولة غزو وسلب ونهب من قبل لصوص وقطاع طرق، وتمكن بمفرده أن يستعيد ما سلبه الغزاة من الحي بعد ان قاتلهم وشتت جمعهم، إذ وقعت الحادثة بغياب رجال الحي واستنجاد النسوة بالقاسم، عليه السلام، الذي تبع الغزاة واسترجع ما بأيديهم لتقص النساء ما حدث للرجال عند عودتهم وما كان من شجاعته ونخوته فاكبروا مقامه وأجلّوا شخصه أكثر

مرض القاسم مرضاً شديداً فأحضر عمه وأخذ يوصيه بوصاياه، وقال: اذا أنا مت فادفني في حجرتي هذه وأجعل على قبري علماً خضراً، هذه الكلمة أثارت الرجل، فقال في نفسه: آن الأوان لأن تخبرني؛ من أنت؟

فقال: يا عم اذا كنت تسأل عن حسبي ونسبي، أنا القاسم ابن موسى بن جعفر، عليهما السلام، فجعل الرجل يضرب رأسه وهو يقول» وا حيائي من أبيك الامام موسى بن جعفر..!

فأوصاه بابنته، اذا صار موسم الحج تحج أنت وزوجتي وتأخذ طفلتي معك وتصل الى المدينة انشاء الله ورسم له الموقع لمنزل أهله وقال ان في تلك الدار أمي فأنزل ابنتي فستدرج وتعرف طريقها.

توفي القاسم، عليه السلام، هناك مظلوماً غريباً، وقد نفّذ عمّه الوصية، وبنى على قبره قبّة، ونصب عليها علماً أخضراً. وتشير المصادر التاريخية أن وفاته، عليه السلام كانت في أوائل شهر ذي الحجة عام 190 للهجرة، أي في نهاية خلافة هارون العباسي، وسافر عمّه لأداء مناسك الحج، وأخذ حفيدته معه (ابنة القاسم)، ومن هناك لينفذ وصية القاسم، عليه السلام، بأن يوصل ابنته الى أهله في المدينة. وكانت طوال الليل وطوال الطريق، تأن وتحن وتتذكر أباها، فلما دخل المدينة وتوجه الى دور بني هاشم، وصل الى باب دار عالية، فسأل: لمن هذه الدار؟ قالوا: هذه دار تخص أولاد و ذراري رسول الله، صلى الله عليه وآله، ولكن ما فيها إلاّ أرامل وأطفال، فبعد أن طرق الباب، فُتحت له، عندها أنزل الطفلة، فأخذت تدرج وتدلف الى داخل الدار، فاجتمعن النساء حولها، فجاءت أم القاسم، عليه السلام، وجعلت تتطلع الى شمائلها وعلمت من خلال شمائلها، أنها ابنة ولدها القاسم. وهكذا تتكرر حادثة أخرى من تاريخ الانبياء مع هذا السيد الزكي والولي الصالح. فكما استشعر نبي الله يعقوب ريح ابنه يوسف من قميصه، استشعرت أم القاسم، ريح ابنها من خلال ابنته.

أصبح بعد ذلك قبر القاسم مزاراً يحكي معاناة هذا السيد المظلوم، وقد ظهرت في قبره الكثير من الكرامات دونها بعض الكتاب في مؤلف مختصر، وفي هذا الاطار هناك قصيدة جميلة للخطيب الشيخ محمد علي اليعقوبي وكانت له حاجة وقضيت ببركة السيد المظلوم، القاسم بن الامام موسى بن جعفر، والقصيدة طويلة:

 

يا سعد دع ذكر الاولى قد أغضبوا

أحمد في عترته لما مضى

فيا بنفسي وبأهلي أفتدي

سليل موسى وأخ المولا الرضا

القاسم الندب الذي في وجهه

سنا النبي والوصي قد أضا

ذاك الذي فيه وفي آبائه

جميع حاجات البرايا تقتضى

لم أنسه في كل حي خائفاً

لم ير إلا شانئاً ومبغضاً

حتى قضى ما بين قوم

ما دروا انه ابن فاطم والمرتضى

 

* مدينة القاسم والروضة المقدسة

ناحية القاسم من النواحي المهمة وتتبع في التقسيمات الادراية الى محافظة بابل، وتقع في منتصف الطريق بين مدينة الديوانية والحلة، يحدها شمالاً قرية «المعيميرة» وشرقاً ناحية «المدحتية»، وغرباً ناحية «الكفل»، ويبلغ عدد نفوسها (200) الف نسمة. سكن مدينة القاسم في أواخر العهد العثماني أسر قليلة ثم توسعت في العهد الملكي، واخذت بالتوسع في العهد الجمهوري حتى وصلت الى ما هي عليه في الوقت الحاضر.

أما عن عمارة المرقد الشريف، فقد مرّ بمراحل متعددة يذكرها الباحث محمد علي محي الدين، حيث يذكر الى ان المصادر التاريخية لم تشر الى تأريخ العمارة الاولى للقبر الشريف، ولا نعلم عن طرازها وطريق بنائها ، أما العمارة الثانية فكانت في القرن الرابع الهجري، وامتد بقاؤها حتى القرن الخامس الهجري 334-447هـ في العهد البويهي، وهي العمارة التي أشار اليها العلامة جواد شبر.

اما العمارة الثالثة فقد كانت عمارة القرن السادس، وبقيت حتى القرن السابع ، ذلك أن مشهد القاسم، عليه السلام، كان مشيداً قبل العهد الصفوي، وقد أقامت حوله مجموعة من الاسر العلوية، لعلها من بقايا اهل «باخمرا» والعمارة الرابعة في القرن التاسع الميلادي، في العهد الصفوي سنة 914هـ ويصف لنا الشيخ محمد حرز الدين، العمارة التي وقف عليها سنة 1325هـ ويعود عهدها الى اواخر القرن الثالث عشر الهجري فيقول: كان لمرقده الشريف حرماً سميك الدعائم ضخم البناء متوسط السعة والاساطين الى جنبه رواق للزائرين عليه قبه بيضاء، وكان فوق قبره شباكاً خشبياً أثري الصنع.  وفي عصرنا الحاضر، وتحديداً في سنة 1325هـ تصدى العالم الجليل السيد محمد، نجل العالم الجليل السيد مهدي القزويني، لإصلاح الحرم و إنشاء شباك جديد مكسو بالفضة ببذل من الشيخ خزعل الكعبي امير ولاية «عربستان» وفي سنة 1341 هـ /1922 م بني حول المرقد صحن واسع كبير فيه الغرف وامامها أواوين لتكون مأوى للزائرين والوفود، وكان بناؤها من اموال جمعتها القبائل المجاورة للمرقد لغرض سد الغرامات الملقاة عليهم من السلطة الحاكمة بعد فشل ثورة العشرين، لما عدلت السلطة عن اخذها أجمع رأيهم على صرفها في بناء هذا الصحن الكبير للمرقد الشريف.

وفي سنة 1341 هـ/1949م كُسيت القبة البيضاء بالقاشاني الازرق بسعي من الحجة الشيخ قاسم محي، الذي كان وكيلاً للسيد ابي الحسن الاصفهاني في المدينة، وقد سعى حينها الى شراء ماكينة لتوليد الكهرباء خاصة بالمرقد الشريف ، والى اعمال اخرى تخدم الحرم المطهر وزائريه .

وفي سنة 1380 هـ / 1960م أمر المرجع الديني الراحل السيد محسن الحكيم - قدسر سره- بتأسيس مكتبة عامة في الصحن الشريف وهي أول فرع من فروع مكتبته العامة في النجف الاشرف، وكان وكيله في المدينة السيد محمد تقي الجلالي الذي بسعيه شيدت حسينية كبيرة في الجانب الغربي الشمالي من الصحن وتم ايضا تحويل ما بقي من خان الوقف المجاور للصحن، الى حوزة دينية لرواد العلم والفضيلة، فازدهرت في عهده ، وكثر فيها طلاب العلوم الدينية، لكن جاء اليوم الذي تطبق فيه السلطة البعثية الغاشمة على هذا النشاط الحضاري والعلمي، وتعتقل السيد الجلالي ثم تحكم عليه بالاعدام، مما أسفر عن اغلاق الحوزة ، وتفرق طلبتها.

وفي أواسط التسعينات كانت هناك جهود لبعض الاخيار لتطوير الصحن والمرقد الشريف، منهم الحاج حسين عبود وكاظم عمّاش الذين قاموا بجمع التبرعات والاشراف على اعمال البناء ، وتوسع العمل توسعاً كبيراً، وبنيت قبة كبيرة كُسيت بالذهب .

ويبقى الامام القاسم ملاذاً آمنا تهوى اليه قلوب المؤمنين، فهو سليل لعترة طاهرة. كيف لا.. وهو بحق خير خلف لأطهر سلف، و هو الذي قال فيه الامام الرضا عليه السلام: «من لم يستطيع زيارتي، فليزر أخي القاسم».


ارسل لصديق