المزارات الشيعية .. العِبرة والعَبرة
كتبه: علي جواد
حرر في: 2014/02/06
القراءات: 1709

تنتشر في أرجاء العالم الاسلامي مزارات ومشاهد تمثل حلقات مضيئة من تاريخنا، حيث تختزل في مكان واحد، المواجهة المحتدمة بين الحق والباطل، وبين الفضائل والرذائل. وعندما نجد القلوب تهفو الى هذه الأماكن، نعرف أن الانتصار واضح للحق والفضيلة، لذا فان الزائر الذي يحمل مشكلة أسرية واجتماعية تضيّق عليه صدره وتعكّر مزاجه، يجد أنه يقف أمام حلول عديدة بفضل تلك القيم والمفاهيم التي تضمها تلك المشاهد. كذلك اذا كان يعاني مشكلة مع النظام الحاكم، فانه يجد نفسه منتصراً، لانه - ببساطة - مظلوم وليس ظالماً. هذا فضلاً عن الحاجات المستعصية التي يعجز عنها الطبيب والمحامي وحتى المال احياناً، فتكون بعض هذه المزارات بمنزلة الملاذ الأخير للكثير من المحبين والمؤمنين لقضاء حوائجهم وتحقيق أمانيهم.

وعندما نجول بنظرنا على الخارطة، نجد أن بلاداً بعيدة جداً عن العراق وايران، تضم مراقد لأولاد رسول الله صلى الله عليه وآله، او لأولياء صالحين، من المقربين للأئمة المعصومين، عليهم السلام، مثال ذلك «بي بي حكيمة» في جمهورية اذربيجان، وهي شقيقة السيدة «فاطمة المعصومة» ابنة الامام الكاظم، عليه السلام، او مرقد «مالك الأشتر» في الاردن، او المزارات والمشاهد المقدسة الموجودة في سوريا ولبنان. كلها تؤشر على قضايا عادلة مات هؤلاء دونها، مما يشجي النفوس ويعتصر القلوب ويستدر الدموع. واذا كنّا على هذه الحالة فيما مضى من الزمن، حيث نستذكر تلك المواقف البطولية والملاحم التي سطروها أمام الاعداء، قبل أن يقضوا نحبهم في مواجهة غير متكافئة، فنحن اليوم في وضع آخر عندما نزورهم ونستذكرهم، فقد تضاعف الأسى مرات عديدة، لاسباب أهمها؛ ظهور امتداد لحقبة الظلم والطغيان والانحراف الأموي والعباسي متمثلاً في الجماعات التكفيرية والارهابية الدموية، التي تجد هذه المزارات بمنزلة المنطلق الذي تصدر منه شرارة الانفجار في وجوههم، لذا يحاولون إبعاد الناس عنها بمختلف الاساليب، سواءً بالترهيب أو النسف والتدمير، او نشر الاكاذيب والتشكيكات حولها.

والسبب الآخر يعود الينا نحن، وليس الغرباء من خارج  البيت الشيعي. هو عدم الاهتمام والجدّية بهذه المزارات، بل عدم إدراك اهميتها و ابعادها الحضارية في حياة الأمة. ولعل الأخطر في الأمر ان يتصور البعض أن الصحيح لديه هو حصر هذه المزارات في إطار «السياحة الدينية»، فإن كانت ثمة فائدة ترتجى - حسب هذا التصور- فهي في تحويلها الى مناطق جذب سياحي، كأن تشيّد حولها الحدائق الغنّاء، والمطاعم والفنادق والمسابح وحتى صالات الاحتفال...! ثم يكون المرقد وسط هذا الصخب السياحي، مثل تحفة تاريخية جميلة، تصلح لالتقاط الصور التذكارية!

ومع عدم معارضتنا لأي تجميل وتوسعة للمراقد والمزارات المقدسة بحيث تخدم الزائر وتجعله مكتفياً من الناحية الخدمية، لكن يجب أن لا ننسى أننا امام دروس وعبر تاريخية، تفيد لحاضرنا ومستقبلنا، فالمراقد التي تحمل قصصاً وحكايات شجيّة ومثيرة، مثل قصة «أولاد مسلم»، أو قصة «سعيد بن جبير»، أو قصة «حجر ابن عدي»، أو قصص أولاد الأئمة المعصومين المنتشرة مراقدهم في ايران والعراق، لا يجب أن تنحصر في هذا الاطار الضيق والعاطفي، إنما تمتد في العقول والاذهان، ليتدبر في أمرها الزائر، ويسأل نفسه عن السبب الذي دفع هؤلاء لأن يواجهوا الظلم والطغيان، وربما البعض منهم، مات ولم يواجه السلطة بشكل مباشر، مثل «عبد العظيم الحسني» المدفون في منطقة «ري» جنوب طهران، فما الذي أتى به من المدينة الى ايران، ليستقر في «ري»، وحسب المصادر التاريخية، فان هذا السيد الجليل، لم يمض سوى أربعين يوماً في «ري» قبل أن توافيه المنية ويدفن هناك.

هذه المعلومات والتفاصيل لن تنتظم إلا بوجود موسوعة معرفية متكاملة عن المزارات الشيعية في العالم أجمع، تشرف عليه مؤسسة عالمية تأخذ على عاتقها تدوين وتنظيم ثم نشر سيرة حياة هؤلاء الأولياء الصالحين بين اوساط الأمة، بل والعالم بأسره، وذلك بالاستفادة من أحدث الوسائل الفنية والتقنية، ليعرف العالم أن هنالك أناساً ضحوا براحتهم و بأموالهم وحياتهم من اجل أن يبقى الآخرون بعيدين عن التضليل والانحراف والجهل.


ارسل لصديق