مستقبل (القيادة) لضمان الحاضر
كتبه: رئيس التحرير
حرر في: 2014/03/17
القراءات: 858

لا عتب على الاحزاب السياسية والتيارات الثقافية وعموم الشريحة المثقفة الطامحة للتغيير، عندما تنشغل بأمر «القيادة» في البرهة الزمنية الراهنة، بل وتعرب عن تخوفها وكبير هواجسها بأساليب شتى تتبع لغة خطابها للجمهور، فالمسؤول في الدولة، يخشى على مساحة نفوذه وسطوته، وما اكتسبه من تأييد جماهيري بعديد الاغراءات، فيما يخشى المثقف على مساحة تأثيره على السلوك والعادات وكل ما تشكله المنظومة الثقافية، ومردّ ذلك أن بلادنا - بشكل عام- تعيش على صفيح ساخن، حيث التقلبات والتحولات السياسية في كل لحظة، مما يدفع الجميع لاستعجال تحديد محور التأثير، ومن الذي ينبغي ان يقود الساحة ويصنع القرار؟

وهذه ليست ظاهرة جديدة في العراق و مصر و الخليج وسائر بلادنا، إنما - بالحقيقة- تعود الى ماضي الانسان وبدايات تشكيله للنظام الاجتماعي في فجر الحضارة، ونلاحظ؛ كلما افتقدت الأمم والشعوب البوصلة نحو القيادة الرشيدة والنهج القويم، كلما زاد انغماسها في مستنقع الازمات والمشاكل في حاضرها وحياتها اليومية، ولذا نجد أن القرآن الكريم يعالج هذه الظاهرة من الناحية النفسية والسيكولوجية للانسان، فيشير الى نزعات «العجلة» و «الكِبر» وغيرها من الحالات النفسية القابلة للتقويم، ويشير الى قصة بني اسرائيل، وكيف انهم، وبعد فترة وجيزة من انتصارهم على فرعون، وتخلصهم من ذلك العذاب والهوان والذل، يتجهون الى عبادة «العجل»، بعد أن طلبوا من هارون، شقيق نبي الله موسى، عليهما السلام، بأن يصنع لهم إلهاً كما هو لدى الآخرين!

وبالرغم من الكوارث والمآلات المدمرة التي انتهت اليها الأمم والشعوب بسبب فقدانها «البصيرة القيادية»، وتقلبها بين هذا الحاكم وذاك، وهذا النهج السياسي وذاك، فانها قلّما شهدت محاولات التسديد من الشريحة المثقفة والحريصة على الحاضر والمستقبل، والأمينة على شعاراتها واهدافها بتحقيق الحياة السعيدة للانسان. وما يثير التساؤل حقاً؛ هو تكرار التجارب المريرة والخاطئة، الواحدة بعد الآخرى، مثال ذلك؛ استخدام لغة التهديد والترغيب في صنع القائد وأيضا الرأي العام، التي تعود الى عهد «فرعون»، ثم بعد آلاف السنين، نشهد ظهور شخص مثل «صدام» يتبع نفس الأسلوب وينجح في تكريس حكمه وتحكيم نهجه لأكثر من ثلاثين عاماً، أي بمقدار جيل كامل. يكرّس الاستبداد في الرأي ولغة العنف والقسوة ومحاربة العقل والمنطق. وبمعنى أننا بين يدي المقاييس والمعايير الصحيحة، ومنها؛ العدل والحرية والكرامة الانسانية، لكن نفتقد للمبادرة الشجاعة لإنارة الطريق أمام المجتمع والأمة للتعرف على القيادة وفق تلك المعايير التي لا يختلف عليها اثنان. ولعل القرآن الكريم خير من يبين لنا هذه المهمة في الآية الكريمة من «سورة الأعراف»، في وصف «الرسول الأميّ»، {..وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}.

وبدلاً من أن يكون الحراك الثقافي في المرحلة الراهنة صوب تحكيم العقل والمنطق والبحث عن الحقيقة، نجده يتخبط بين أغلال الفكر والثقافة والخوف من التغيير وإصلاح ما أفسدته الديكتاتورية الفكرية، في العقود الماضية. ولعلنا بذلك نعود الى المربع الأول..! لكن أي مربع يا ترى..؟! انه المربع الذي كانت عليه الاقوام الاولى التي نزلت عليها الرسالات الالهية لتثير دفائن العقول وتدعوهم للتفكّر والتدبر واكتشاف حقائق الحياة بانفسهم. وهذا يدفعنا لمراجعة تجربة نبي الله ابراهيم الذي توصل الى حقيقة الخالق عبر التفكّر والتأمل كما يشير القرآن الكريم، وبشجاعته الفكرية وعزيمته الايمانية، حصل على درجة «الإمامة» والقيادة من السماء. ان المبادرة الشجاعة والباسلة لإبراهيم، عليه السلام، بتحطيم الاصنام الحجرية - المادية، وايضاً الفكرية، ضمنت للأمم والإنسانية جمعاء طريقاً طويلاً ممتداً مع التاريخ، يمكن ان تسلكه للتغيير الحقيقي، والتحوّل من الجهل الى رحاب العلم والمعرفة بالحياة والكون والخالق. بمعنى إن هذا النبي العظيم، الذي يُعد «أبو التوحيد» عبر التاريخ، علّم الشعوب كيف تنتخب قيادتها لتعيش قوية، عزيزة، مُكرمة.


ارسل لصديق