الإمام علي [عليه السلام] .. معارضاً ومــعـترفاً بـشـرعية الـمـعارضة
كتبه: الشيخ عبد الحسن الفراتي
حرر في: 2014/03/18
القراءات: 1381

ان مدرسة اهل البيت، عليه السلام، تتعامل مع رموزها المعصومين من خلال كل تحركاتهم الحياتية كونها حجة وميزاناً يوضح الصواب من الخطأ ومرجعاً لا يمكن الحياد عنه لذا تكون حياة الامام علي، عليه السلام، السياسية مرجعية اساساً لاستخلاص الدروس والقواعد في العمل السياسي.

اننا نستطيع ان نقسم الحياة السياسية للامام علي، عليه السلام، الى أربعة ادوار رئيسة في اربع مراحل وهي :

الدور الأول: كونه ثائراً ومؤسساً مع الرسول الاعظم، صلى الله عليه وآله، للحركة الاسلامية المباركة في المرحلة المكّية، أي المرحلة الثورية ضد النظام الجاهلي المسيطر بفكره واستبداده على الناس.

الدور الثاني: كونه وزيراً للقائد الاعلى، وهو الرسول الاكرم، صلى الله عليه وآله، في السلم والحرب. وهي مرحلة المشاركة في السلطة السياسية في المدينة المنورة.

الدور الثالث: كونه معارضاً في زمن «الخلفاء» الثلاثة. وهي مرحلة المعارضة.

الدور الرابع: كونه حاكماً بعد «الخليفة» الثالث، وهي مرحلة الحكم. (1)

الملاحظ ان التركيز تم في حياة الامام بحثاً وكتابة وتحليلاً وخطابة في اطار المرحلة الثورية ومرحلة المشاركة ومرحلة الحكم، أما مرحلة المعارضة - التي استغرقت اكثر من ثلث حياته الشريفة- فقلما تم التركيز والبحث عنها.

ولأهمية هذه المرحلة، ينبغي ان نتعرف على سمات ومعالم معارضة الإمام أولاً؛ اذ تعد هذه المعارضة نموذجاً يحمل الكثير من الدروس القيّمة لكل من اراد ان يتخذ دور المعارضة في ظل المجتمع الاسلامي.

 

* أولاً: الهدفية

يقول الامام، عليه السلام: «اللهم انك تعلم انه لم يكن الذي كان منافسة في سلطان ولا التماس شيء من فضول الحطام، ولكن لردّ المعالم من دينك ونظهر الاصلاح في بلادك فيأمن المظلومون من عبادك وتقام المعطلة من حدودك..». (2)

فقد حدد الامام، عليه السلام، من خلال هذا الدعاء هدفين رساليين لمعارضته وحركته السياسية :

الهدف الاول: «لنرد المعالم من دينك»، وهو إرجاع معالم الدين بشكله العام لتكون هي الحاكمة و الملحوظة في المجتمع الاسلامي، مع ملاحظة ان صلوات الجمعة والعبادات العامة كالحج والجهاد وغيرها، كانت مقامة من قبل الذين كان يعارضهم الامام مما يدلنا على ان معالم الدين التي يقصدها الامام هي الشاملة لكل مقتضيات الدين سياسياً وتربوياً واجتماعياً واقتصادياً وما الى ذلك.

الهدف الثاني: «نظهر الاصلاح في بلادك»، وهو اظهار الاصلاح العام الذي يتعلق بمجمل وضع بلاد السلمين سواء في الجانب التربوي والاخلاقي والسياسي والاقتصادي او العمراني.

ومن ثم يعقب الامام، عليه السلام، بأن تحقيق هذين الهدفين سيؤدي الى نتيجتين طبيعيتين هما :

اولاً: إنصاف المظلومين، وهي القضية الكبرى في الحياة، حيث ان المظلومين عنوان عام لكل من هضمت حقوقه المادية والمعنوية. ثانياً: إقامة ما تعطل من الحدود التي تمثل السياج الذي يحمي المجتمع الاسلامي من كل حالات التعدي والعدوان.

 

* ثانياً: المبدئية

لم ينطلق امير المؤمنين، عليه السلام، في معارضته من خلال اجتهاداته الشخصية، بل من مرجعية مبدئية هي القرآن الكريم والسنة النبوية، فمتى ما وُجدت فجوة بين النظرية الاسلامية من جهة والواقع الذي يديره الحاكم من جهة اخرى، كانت هنالك معارضة بمقدار تلك الفجوة. وكلما اتسع مقدار الفجوة ازدادت نسبة المعارضة.

وهذا ما نلاحظه في شدة معارضة الامام، عليه السلام، لـ «الخليفة» عثمان بعد اتساع الفجوة في عهده، عمن سبقه، واتساعها بمقدار أعظم في عهد الطاغية يزيد مما استوجب من الامام الحسين، عليه السلام، اتخاذ منهج المعارضة الثورية التي لا مجال للمساومة فيها.

لقد استندت معارضة الامام علي، عليه السلام، لمن عاصرهم مــن الحكام إلى اساسين هما :

أولاً : ان موقع الخلافة وإمامة المسلمين قد أنيطت به شخصياً بناء على نصّين: الاول: قرآني، والثاني: نبوي في حادثة الغدير وغيرها، وقد أعلن الامام، عليه السلام، ذلك صراحة في العديد من اقواله وخطبه، منها ما أوضحه في بداية «الخطبة الشقشقية».

وثانياً : عدم قدرة الآخرين علمياً وفقهياً وعملياً، على القيام بمهمة قيادة الامة بالنحو الذي يكون مكملاً لقيادة الرسول الاعظم، صلى الله عليه وآله، وبما يحافظ على حيوية الامة ايمانياً وحضارياً. ان عدم وجود الكفاءة العلمية لدى غير الامام ادى الى عدم سيرهم على اسس علمية صحيحة في مجال الحكم كما ادى الى وجود ممارسات سلطوية غير صحيحة أوغلت في هضم حقوق بعض الناس.

فنرى ان الامام علياً في «الخطبة الشقشقية»، يعبر عن الجو العام لحكم غيره بـ « طخية (ظلمة)عمياء، يهرم فيها الكبير ويشيب فيها الصغير..»، وهي كناية واضحة عن حالة التخبط في السير بعيداً عن المنهج الرباني النير الذي ينبغي ان يثير أجواء الرقي والسلامة، معتبراً تلك الحكومة - في فقرة اخرى من الخطبة- بمثابة الارض الوعرة الخشنة الصعبة التضاريس، و لوعورتها يكثر السقوط والعثار فيها مما يتطلب كثرة الاعتذار.

اما فيما يتعلق بهضم حقوق بعض الناس، فقد هبّ الامام مدافعاً عن أي مظلوم ظُلم بحكم قضائي، او أمر اداري خاطئ، كما في دفاع الامام، عليه السلام، عن ابي محجن حين اراد عمر جلده اكثر من الحد الشرعي الخاص بشرب الخمر بعد ان قال بيتاً من الشعر أوضح فيه رغبته الأكيدة بشرب الخمر، (3) فرفض الامام استحقاق ابي محجن للزيادة في الجلد.

 

* ثالثاً: العلنية

كانت معارضة الامام للحكام، علنية و واضحة، فهو يرى نفسه أحق بالخلافة، و أجدر على القيام بمهامها بما خوله النصّان القرآني والنبوي، في واقعة الغدير، فكان يجهر بمعارضته ويقول: «انا خليفة رسول الله و وزيره و وارثه». وحين احتجت قريش على الانصار بأنها من شجرة رسول الله، قال كلمته الشهيرة: «احتجوا بالشجرة و اضاعوا الثمرة». ويروى في ذلك ايضاً انه سمع صارخاً ينادي: انا مظلوم..! فقال له، عليه السلام، هلمّ فلنصرخ معاً، فاني مازلت مظلوماً منذ قبض رسول الله.. وقوله «فلنصرخ معاً» دلالة على صدحه واعلانه في المعارضة.

ان المعارضة الصادقة تصدح بكلمة الحق أمام السلطان الجائر، ولا تتحرك بنفاق معهم، كما هو ديدن المتملقين، الذين يقولون لهم: «إنا معكم..»، وعندما يكونون بين الناس، يبدون امتعاضهم من سياسات الحاكم..!

اما ما نراه من لجوء المعارضة الصالحة الى حالة السرية في بعض الازمنة، فانما تفرضه ظروف القهر، فاذا زالت تلك الظروف، فالعلنية هي الطريق الانفع و الأصوب، وهذا ما نسترشده من المرحلة السرية عند بدء الدعوة النبوية الشريفة.

 

* رابعاً: السلمية

كانت معارضة الامام، عليه السلام، سلمية بعيدة عن البطش والتخريب والعنف بل كان يتحرك في معارضته بالمنطق والكلمة الحق، ذلك أن الكلمة الحق أقوى من أي سلاح، فهي تخاطب العقل والضمير، أما التخريب وخلق الاجواء الضاغطة، فهو من الاساليب الارهابية، من أي جهة كانت، لذا نرى ان امير المؤمنين، لم يرفع سيفه بوجه أحد، رغم قدرته على التحرك المسلح، وحين لجأ المعارضون لـ «الخليفة عثمان» الى استخدام وسائل القوة، لم ينضم اليهم بل دافع عن حياة «الخليفة».

 

* خامساً: الايجابية

المعارضة في مدرسة اهل البيت، عليهم السلام، على نوعين: معارضة تتسم بالثورة على النظام الحاكم بالجور والمعلن للفسق و القامع للحريات والناهب لاموال الناس، كالتي اختطها سيد الشهداء الامام الحسين، عليه السلام. وهنالك معارضة ايجابية في تعاطيها وتعاملها مع الحاكم، كالتي اتخذها الامام علي، عليه السلام، مع «الخلفاء الثلاثة»، ففي عهدهم كان الامام يختلط بهم وينصحهم، ولم يكن يتجنبهم ويتركهم لحالهم، بل كان يتدخل لمصلحة الامة. فنراه، عليه السلام، يتدخل لنصح هذا الحاكم وذاك، ويشير عليه بالرأي الحسن كما اشار مراراً على «عمر» في القضايا التي تتعلق بشؤون الامة والناس.

ان المعارضة الصالحة، في الوقت الذي تبدي الرأي وتصحح مسيرة النظام وتقدم الحلول العملية، ينبغي ان لا تتحول الى آلة يسخرها النظام لتمرير مخططه او بعض مشاريعه غير السليمة، او تكون بوقاً ينفخ في مدح السلطة. فمن المهم ان تبقى المعارضة في وضعية يعرفها الجميع باستقلاليتها و تجردها عن المناصب الحكومية، وعدم اسباغها الشرعية للنظام بما لا يستحقه.

 

* سادساً : الاخلاقية

المعارضة الصادقة، هي التي تتسم بالاخلاق في تصرف قياداتها و افرادها، فاذا كان مبرر المعارضة هو وجود حالة الظلم، فلا يجوز ان تمارس هي الآخرى الظلم بأي شكل من الاشكال بحق أي فرد، او أي جهة اخرى منافسة لها.

ويحدثنا التاريخ ان الامام علياً، كان يستخدم أعلى درجات الخلق الحسن مع معارضيه. ولم تكن هذه الاخلاقية، مقتصرة على مرحلة المعارضة، بل حتى وهو في زمن الحكم والقوة الظاهرية. فذاك الخارجي الذي كان يستمع الى الامام مسألة فقهية، قال بصوت مسموع أمام أمير المؤمنين: «قاتله الله من كافر ما أفقهه..»! حتى أراد اصحاب الامام قتله فنهاهم وقال كلمته الحكيمة: (إنما هو سبّ بسبّ او عفو عن ذنب، وأنا أولى بالعفو عنه». وحتى معاوية واهل الشام الذين خرجوا لقتاله لم يكن الامام ليرضى بسبهم، فقال مخاطباً اصحابه: «إني أكره لكم أن تكونوا سبابين».

 

* علي.. الخليفة والمعارضة

إذا كان الامام، عليه السلام, قد أسس المعارضة الشرعية في الاسلام بعد الرسول، صلى الله عليه وآله، وهو يومئذ أحد افراد الأمة في مقابل حكام عصره، فانه يعد ايضاً، المُنظر الأول لمنهج التعامل الحسن مع المعارضة، يوم أصبح الخليفة على المسلمين.

فحينما أجمع المسلمون على بيعة الإمام، عليه السلام، بعد مقتل عثمان, تخلف عدد من الصحابة عنه، وثار عليه آخرون، وتمرد عليه البعض الآخر، فكيف كان موقفه من هذه الفئات المختلفة ؟

بدءاً، كان امتناع البعض عن البيعة للامام,عليه السلام , أول اختبار لمنهجه في التعاطي مع الآخر المختلف, وبالرغم مما كان يمثله الامتناع عن البيعة من خروج سافر على مبدأ الطاعة لخليفة المسلمين، لاسيما وأن بيعته كانت الوحيدة من بين من سبقوه، فقد تحققت بمشاركة شعبية واسعة و بإجماع شامل من المسلمين, إلا أن النفر الذين تخلفوا وهم: سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر، واسامة بن زيد, وآخرون, لا يتجاوزن بضعة نفر.. لم يُعاملوا المعاملة المتوقعة بمقاييس الحكم والسلطة في ذلك العصر.

لقد حصل مع علي, عليه السلام, والذين تخلفوا عن بيعة أبي بكر, أنهم هددوا وحوصروا في بيت علي، وتم كشف البيت بالقوة في حادثة الهجوم على الدار، وعلى بيت الزهراء, عليها السلام، إلا ان الامام علياً ترك من تخلّف عنه وشأنه ولم يرغمه في شيء لم يكن مقتنعاً به, حتى ندم النادمون في لحظة فوات الأوان. مع أن احاديث «البيعة والسمع والطاعة للامير البر والفاجر»، كانت من السمات المعروفة عند عبدالله بن عمر, مما يوحي أن موقفه كان سياسياً, وليس نابعاً من شبهات حالت بينه وبين أن يساوي بين علي في سنة 36 للهجرة, وبين يزيد بن معاوية في سنة 60 للهجرة, و احتفظ المتخلفون بكامل حقوقهم في دولة علي, عليه السلام , بينما لم يؤدوا واجباتهم المفترضة , وعلى رأسها القبول بالرئيس الأعلى للدولة الاسلامية. لقد كان مفهوماً أن عليا ,عليه السلام , يمنح بذلك معارضيه فرصة التعبير عن مواقفهم , ويبين ما أشكل عليهم معرفته وفهمه, والدوافع التي كانت تقودهم الى تبني تلك المواقف , ولم يحجر على أحد أو يقــــطع عطاء أحد من بيت المال.(4)

مع كل ذلك، اختار البعض طريق الفتنة والتوظيف السيئ لأجواء الحرية، فحدثت معركة الجمل وصفين والنهروان, رغم أن الأمام كان ناصحاً لهم طول الطريق. فقد كان الإمام، عليه السلام، يري أن الحريات يجب أن يرافقها مراعاة الجوانب والضوابط التي حددتها الشريعة حتى لا تنتهك حقوق الآخرين المشروعة في العيش بسلام وأمان, وتصان الحياة العامة والنظم التي تسير الحياة الاجتماعية من كل انحراف وتجاوز(5). هذه النظرة للحرية كونها حرية مسؤولة، وملتزمة جعلت من الإمام، يبني سجناً (6) للمسيئين والسراق ومن تثبت خيانته، ومع ذلك كان الإمام يؤكد ان «الحبس بعد معرفة الحق ظلم» (7).

صفوة القول: «ان جزءاً من اسباب تخلف الامة الاسلامية هو حالة الارهاب الفكري الذي سيطر وخيّم على البلاد الاسلامية, اذ مارسه «الخلفاء» في أجلّ صورة, وكُتب التاريخ مليئة بالشواهد والامثلة التي تحكي واقع هذا الارهاب وانعكاساته السلبية على الحركة الثقافية وعلى المفكرين المسلمين, ومن ثم على الامة الاسلامية جمعاء. ولو كانت الحرية هي السائدة في الدولة الاسلامية لطرح الجميع آراءهم وافكارهم، ولحصل التلاقح الفكري الذي يعود على المجتمع الاسلامي بالفوائد الجمة, ولحلت اكثر الاختلافات الفكرية والفقهية التي نشأت بين المسلمين, ومن ثم لعادت على البشرية جمعاء بالفوائد الجمة». (8)

------------------

1- مجلة النبأ، العدد (64)، معالم على طريق المعارضة، السيد جعفر العلوي.

2- تذكرة الخواص/ ص 120.

3- اخلاقيات امير المؤمنين، آية الله هادي المدرسي، ص234.

4- الامام علي، عليه السلام، والرأي الآخر- موقع تبيان.

5- في الفكر الاجتماعي عند الامام علي، عليه السلام، عبد الرضا الزبيدي، ص198.

6- الغارات، ابو اسحاق الثقفي، ج2/ ص727.

7- ميزان الحكمة، الريشهري، ج1/ ص526.

8- المرجع المدرسي، التاريخ الاسلامي، ص344.


ارسل لصديق