لماذا العدالة الآن؟
كتبه: سماحة الشيخ حسن البلوشي
حرر في: 2014/03/19
القراءات: 1340

لن يكون من العدل أن أتنفّل في الكلام جوراً في مقال يتحدث عن العدل والعدالة، بل سيكون من الإنصاف، تحقيقاً للعدالة مع النفس والغير، أن أتوجه مباشرة للنقاط الرئيسية التي أود تناولها هنا، وهي ثلاث نقاط أساسية. الأولى؛ أن المركز الأساس في الخطاب الإسلامي الذي صاغ مجموع تجربة المسلمين الحضارية هو العدالة؛ ببنيتها العقدية وأصولها الأخلاقية، وتجلياتها التشريعية خصوصاً في إدارة الحياة العامة. الثانية؛ غياب العدالة في أدبيات النخبة المعاصرة فكرياً وممارستها تنظيمياً جعلها عقبة أساسية أمام صحوة الضمير الجمعي الباحث عن العدالة في العالم العربي - الإسلامي. ثالثاً؛ نحن أمام فرصة تاريخية حضارياً، كفيلة بخلق وانبعاث تجربة حضارية أصيلة لإعادة مركزية العدالة في خطاب التغيير، وتطويره في مسارات الإصلاح والتأهيل.

 

-١-

مركزية العدالة

تتقابل صور الإنسان في الخطاب القرآني بين عنوانين هما؛ الإيمان والظلم، وتماثلهما صور أخرى في التراث الروائي مشيرة إلى جذورهما المؤسِسة بين العقل والجهل. فالإيمان في جوهره مقابل للظلم، وأساسه العقل وجنوده في حين إن أساس الظلم هو الجهل وجنوده. والإيمان في جوهره وعي الحق، والقيام بالعدل، وسنامه الجهاد في سبيل الله ـ سبحانه ـ لإقامة العدل ببسط القسط في الأرض. {وقُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتابٍ وأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ}، وهكذا يحدثنا الإمام علي بن أبي طالب (ع) عن دعائم الإيمان حين عدّ العدلَ من دعائمه الذي يستند إلى الصبر واليقين، ويتجلى في الجهاد في سبيل الله. وفي المقابل فإن الكفر في جوهره زيغ عن الحق يستتبع ظلماً مستمراً، وأعمق دركاته الطغيان، {وقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ ومَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها}.

لا تتوقف دلالة هذه المفاهيم عند هذه الحدود، بل تتعداها في شبكة من العلاقات والمفاهيم يكون العدل بكل شعبه في المركز معبراً عن الإيمان، والظلم بمختلف صوره في المركز المقابل معبراً عن الكفر. فالإمام العادل أساس الشرعية السياسية بما يحفظ من حدود الله ـ سبحانه ـ في إقامة القسط وحفظ الأمانة. كما أن ثروات البلاد يجب أن تُدار ضمن قنوات (معاملات) عادلة تحقق التراضي، وتراعي الحقوق، وتمنع الغرر. كما أن طوائف المجتمع تتماسك ضمن عُرى العدل والقسط، فلا تطغى إحداها على الأخرى بل تتراص بالقسط المتبادل. وهكذا أيضاً تتلاحم الأسرة فيما بينها وما بين أجيالها، فـ {لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ}. والتحاكم في شؤون الناس بين بعضهم البعض لا يقوم إلا على العدل، فلا يحكم إلا ذو العدل من المؤمنين، ولا يشهد إلا من شُهد له بالعدل، ولا يُخضع لقضاء حاكم إلا بما أسند إلى أصول العدل. وكذلك المؤمن يسعى أن يكون عادلاً يأتمّ به الناس بما أنصف من نفسه هواها، فلا يظلم نفسه بالمعصية والشرك والكفر. وفي مقابل كل هذه المفردات والمفاهيم تقف مفردات الظلم والجور والطغيان بمختلف تجلياتها لتكون مقابلاً سلوكياً للعدالة.

هذه الشبكة المفاهيمية تحولت في التجربة الإسلامية إلى مركز حيوي لمختلف الفعاليات والممارسات في الحياة الاجتماعية والسياسية والفردية، كما أنها انعكست في مختلف المستويات الفكرية، كلامياً وفقهياً وأصولياً وأخلاقياً. فكثير من الجدالات الكلامية تتمركز في أصل العدالة، وكثير من البحوث الفقهية، تُعد محاولات لتقنين العدل ضمن تشريعات فقهية جمعية وفردية.

تقابل هذه المركزية للعدالة في التجربة الإسلامية، مركزيات أخرى لتجارب حضارية مختلفة سيكون لها تداعياتها في أكثر من مستوى. فعلى سبيل المثال، ومن دون اختزالات مخلّة أو سطحية، فرضت التجربة الغربية ضمن مساراتها الحضارية والتاريخية مركزية مختلفة عن تلك التي ولّدتها التجربة الإسلامية، حيث تمركزت في الحرية الفردية، وتداعت بعدُ في الرأسمالية اقتصادياً، والليبرالية سياسياً. ولعل جملة واسعة من الجدليات الفكرية الفلسفية التي شهدها الغرب كانت ـ بمستويات مختلفة ـ انعكاس لهذه المركزية، كالوجودية، والفردانية، والعدمية، أو نظرية التعاقد الليبرالية في الفكر السياسي، أو حتى مجمل إشكالية الذات والموضوع في المعرفة والحلول المقترحة فيها.

 

-٢-

المسار المعوجّ

لظروف مركبة ومعقدة، غابت العدالة ـ اجمالاً ـ في خطاب النخبة الفاعلة وممارستها على أرض الواقع، وذلك لحساب أولويات أخرى فرضتها ظروف حضارية وأخرى اجتماعية ـ سياسية. ويتمثل هذا الغياب في فقر الأدبيات الفكرية التي تناولتها تلك النخب لمعالجة مسألة العدالة، وتقديم تصور عميق وشامل لها. فعلى الرغم مما تزخر به أدبيات النخب من مطالبات بعناوين تنصب في إطار العدالة؛ كالحرية، وتوزيع الثروة، والمشاركة السياسية، إلا أنه يكاد يغيب تماماً تقديم مساهمات فكرية تنظّر لمسألة العدالة سياسياً واجتماعياً واقتصادياً. بل الملفت في الأمر، إن أدبيات هذه النخب اشتركت بمستويات متعددة في الحوار مع الثقافات الأخرى، خصوصاً الغربية، في عدة مجالات فلسفية وفكرية وأدبية؛ سواءً من منطلق التحدي أو التكامل، لكنها لم تتحاور معها في نطاق مسألة العدالة كنظرية مطروحة باعتبارها تأسيساً لإدارة المجال العام وتحديد سياسيات الدولة والاجتماع البشري.

انعكس هذا الغياب الفكري على واقع المسار العملي لنشاطات النخب الفاعلة. ففي إطار المؤسسات الاجتماعية، والحركات السياسية، غابت الهياكل الإدارية والممارسات التنظيمية عن ترسيخ العدالة فيها. فتداول قيادة أمور هذه المؤسسات والحركات لا يختلف كثيراً عن الواقع الخاطئ الذي دعت لتأسيسها، كما أن قنوات القرار، وشفافية مسار تحديد السياسيات، والتربية التنظيمية غلب عليها هي الأخرى غياب التأسيس المرسخ للعدالة.

وكان لهذا بدوره تمظهران سلبيان، الأول؛ عندما تهيأت الظروف لهذه النخب للتحول من مؤسسة اجتماعية إلى كيان تنفيذي لمجال عام يرتبط بالمجتمع، كانت السلوكيات والنتائج متشابهة إلى حد كبير مع سلوكيات الأنظمة التي كانت تنتقدها. وكذلك عندما تحولت هذه النخب من كونها حركات سياسية إلى حكومات دول، تكرر الأمر ذاته وفي أحيان أخرى كان أسوأ من سابقه.

الثاني؛ عندما انتفضت شعوب المنطقة بصحوة من الضمير الجمعي وضمن تراكم تاريخي عميق مطالبة بالعدالة كشعار أساس في عموم حراكها، كانت النخب الفاعلة - والتي عملت على مدى سنوات طويلة من أجل استنهاض هذا الضمير- أحد أهم العقبات في إدارة هذا التحول التاريخي، بالإضافة إلى عقبة القوى الخارجية. لأنها لم تكن تستوعب أبعاد الحدث، ومنه عمق المطالبة بالعدالة، ولأنها أيضاً كان يغيب عن بالها وممارساتها مفاهيم العدالة وتأسيسها في المجال العام. ومن يلقي السمع وهو شهيد يرى ذلك خلال السنوات العشر الماضية، وخصوصاً في السنوات الثلاث الماضية مع تحولات الربيع العربي.

 

-٣-

الفرصة التاريخية

على الرغم من التوصيف السابق، فإننا اليوم وضمن المعطيات والتجارب العميقة خلال السنوات الماضية، أمام فرصة تاريخية ونحن نعيش متوالية التحول التي لا تزال تشهد سيرها العميق لإعادة العدالة كمركز رئيس في خطاب التغيير للمجالات البالية أو الإصلاح للمجالات الفاسدة أو التأهيل للمجالات المتعثرة. وهذه الإعادة تتطلب ثلاثة مسارات متوازية.

الأول؛ المسار الفكري، ولعله أخطرها وأهمها، والذي يعنى بتأسيس مفهوم العدالة على المستوى النظري. ولا أظن من الضروري هنا التطرق للحديث المكرر عن المنهجية والعلاقة بالتراث والمعاصرة في تأسيس مثل هذه المفاهيم. فقد باتت هذه المسائل اليوم من النضج بحيث ينبغي التركيز على التطبيقات لهذه المنهجيات أكثر مما يتطلب الأمر اجترار المتكررات التي تدور في حلقات مفرغة.

الثاني؛ وهو المسار العملي، والذي يعنى بتأسيس العدالة أولاً في المجالات التربوية على صعيد المؤسسات والحركات الاجتماعية، وثانياً في إطار الهياكل الإدارية والممارسات التنظيمية. وذلك لتكون أمثال هذه المؤسسات كيانات إيجابية فاعلة تراهن على تراكمها الكمي لإحداث نقلة نوعية.

الثالث؛ وهو الذي يمكن التعبير عنه بالمسار اللاشعوري الذي يحدد المواقف العامة الثاوية في العقل الباطن الجمعي للنخب الفاعلة (أو ما يعبر عنه بالخيال الجمعي في أدبيات فلاسفة الاجتماع). ويعني هذا المسار تأسيس قنوات اتصال وتواصل وتفاعل دائمة بين النخب الفاعلة والجماهير (أو الشعوب أو الأمة . . ولا مشاحة في الألفاظ هنا). وذلك لأن الأمة بتراكمها التاريخي تعبر عن الروح العامة، وتتصل بالواقع الفعلي، فإن الاتصال بها يؤمّن فعل النخبة من العيش في بروج عالية، ويجعل من تنظيراتهم وممارساتهم وآمالهم أقرب لواقع آمال الأمة والتي تكون عادة متصلة بمطالب الحق والعدل والخير العام.  


ارسل لصديق