في دولة علي .. الأمن للمحكوم قبل الحاكم
كتبه: أنور عزّالدين
حرر في: 2014/03/19
القراءات: 859

ما تزال شعوبنا تبحث عن الأمن على حياتها وأموالها و مصدر رزقها، ولا تجد سوى الاضطرابات والحروب الاهلية ومظاهر العنف تحت مسمّيات و اشكال مختلفة. وهذا يحصل رغم مضي عهد الاستعمار والهيمنة الخارجية، ثم عهد الديكتاتورية والهيمنة الداخلية، وحتى الوقت الحاضر، حيث بعض الحكومات والأنظمة السياسية المنبثقة من أحلام وطموحات هذه الشعوب، فما يزال الموت نسفاً وغيلة، يهدد نسبة كبيرة من الساكنين في خارطة المنطقة. حتى بلغ الأمر أحياناً حد الاستغناء عن مطالب اساسية مثل الحرية والخبز، مقابل توفير الأمن في الشارع نهاراً، والنوم بأمان ليلاً.

فما السبب وراء ذلك..؟ ومن المسؤول..؟

ربما لايختلف اثنان اليوم، على أن الأمن، كما النزاهة والعدالة والخدمات وأمثالها، تندرج ضمن مفاهيم تقوم عليها العلاقة المتينة والراسخة بين الدولة والمجتمع، حيث يؤكد الباحثون والمفكرون على مبدأ «الحقوق والواجبات» او ما يصطلح اليوم سياسياً بـ «الاستحقاق»، فبمقدار تطبيق هذا المبدأ على أرض الواقع، يكتب النجاح في تطبيق تلكم المفاهيم (الاستحقاقات).

بيد أن نظرة خاطفة على واقع البلاد الاسلامية، نجد أن الشعوب ربما يكون لها دور ثانوي او مساعد في تحقيق الأمن، فيما يكون للدولة او النظام الحاكم أو القائد، الدور الأول والأساس.. ولعل التجارب الماثلة امامنا في التاريخ المعاصر، تكون خير دليل على ذلك، ففي ظل الانظمة الديكتاتورية والظالمة، متمثلة في الفرد او الحزب او القبيلة، كانت الشعوب بعيدة كل البعد عن سماع صوت أزيز الرصاص واصوات الانفجارات، وربما لم يشهد اهلها شكل السلاح الخفيف والبسيط إلا في ثكنات الجيش وفي اماكن محدودة جداً. وكان كل شيء على ما يرام، فالجميع آمنون ليل نهار، ولا خوف على الارواح والممتلكات والبيوت وكل شيء.. لكن هذا الغطاء الفضفاض تمزّق فجأة عندما انهارت حصون وقلاع الحكام أمام رياح التغيير بالانقلابات او الانتفاضات الجماهيرية العارمة، فاول نتيجة كانت هطول سهام الموت الزؤام من كل جانب على جدار الأمن السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وفقدان الشعوب على حين غرة، نسبة كبيرة من الأمن والاستقرار. عند ذاك اكتشفت الشعوب المعادلة الخفية خلف ذلك الواقع الزائف، وهي «الأمن للحاكم قبل المحكوم».

فهل هذا هو قدر الشعوب الاسلامية..؟

وهل عاش المسملون قبلنا، لاسيما في العهود الاولى من تاريخ الاسلام، تجارب مشابهة لما مررنا به؟

بالقطع كلا.. لأننا أمام نموذج مضيء لتحقيق أقصى درجات الأمن والاستقرار عرفه العالم متمثلاً في نهج أمير المؤمنين، عليه السلام، وتحديداً في الفترة التي اعقبت وفاة الرسول الأكرم، صلى الله عليه وآله، حيث شهد الاسلام أول تجربة لنظام الحكم في غياب الوحي، حيث وقعت الفتوحات وتوسعت البلاد، ليتوسع معها النظام الاداري والاقتصادي، كما تطور النسيج الاجتماعي، لتضم الأمة أعراقاً وقوميات متعددة يعيشون بأجمعهم تحت خيمة الاسلام، وبالنتيجة تصبح لنا دولة اسلامية عظمى بحدود مترامية بين المشرق والمغرب، تواجه تحديات الروم شمالاً والفرس شرقاً. وليس أقرب الى الحرص على هذا الكيان العظيم، من أمير المؤمنين، عليه السلام، الذي اتفق معظم الباحثين والمؤرخين من الطوائف كافة، على أنه الجندي الوفي والمخلص بامتياز للرسالة على طول الخط.

وذات مرة حدثه رسول الله، صلى الله عليه وآله، عن التحديات والازمات التي سيواجهها من بعده، بل وأنه سيسفك دمه ظلماً وعدواناً. فكان سؤال الامام العفوي والسريع: «أو في سلامة من ديني..؟!» فقال، صلى الله عليه وآله: «بلى، يا علي..».

هذه السلامة، للدين وللمسلمين في وقت واحد، حققها أمير المؤمنين بثمن غال ليس بوسع أحد مهما كان تحملها. ولعل موقفه التاريخي والفاصل في المحاورة العصيبة بينه وبين الصديقة الزهراء، عليها السلام، وهي تلومه على قعوده عن المطالبة بحقه بالخلافة، فجاء صوت المؤذن يصدح بـ «أشهد أن محمداً رسول الله»، فقال، عليه السلام - مضمون الحديث -: «إن شئت زوال هذا الاسم من على المآذن فعلت».

من خلال مطالعة سيرة الامام علي، عليه السلام، يتضح أن الامام، عليه السلام، جسّد الامن والاستقرار للأمة وليس لنفسه، في ثلاثة موارد مرت في حياته، وحتى لا نجانب الحقيقة، فاننا محكومون بما وصلنا من التاريخ ومن الروايات الشريفة الموثقة فيما يتعلق بسيرة أمير المؤمنين، عليه السلام، فربما تكون هنالك مواقف وموارد كثيرة في حياته، عليه السلام، أمّن فيها على حياة المسلمين وضمن أمن واستقرار الامة والبلاد الاسلامية.

 

* الفراغ السياسي

اعتزم عمر بن الخطاب محاربة الروم، فجهّز الجيش والعدّة والعدد، وقبل أن يتحرك بالجيش نحو ساحة المواجهة، جاء الى الامام علي، عليه السلام، ليشاوره في أمر الخروج بنفسه، فكان جوابه، عليه السلام، كما جاء في الخطبة (136) في نهج البلاغة، «إنك متى تسِر الى هذا العدو بنفسك، فتلقهم فتُنكب، لا تكن للمسلمين كانفة دون أقصى بلادهم، ليس بعدك مرجعٌ يرجعون اليه، فابعث اليهم رجلاً مِحرباً، واحفز معه أهل البلاء والنصيحة، فإن أظهر الله فذاك ما تحب، وإن تكن الأخرى، كنت ردءاً للناس، ومثابةً للمسلمين».

في هذه الواقعة التاريخية، يوصي أمير المؤمنين، عليه السلام، وهو الخليفة الشرعي من بعد رسول الله، والذي يجب ان يحكم البلاد، ينصح «عُمر» بعدم الخروج بنفسه الى الحرب، لأنه اذا قتل في البلاد البعيدة، يتعرض المسلمون الى ما يشبه التيه والتشرذم، ويعبر، عليه السلام، حالتهم بـ «كانفة»، وتعني الملجأ أو المكان العاصم.

في هذه النصيحة يكمن أمن المسلمين وأمن الأمة الاسلامية جمعاء، فاذا كانت النصيحة بالاتجاه المعاكس، تكون النتيجة التضحية بمصير الاسلام والمسلمين. وطالما نجد امثال هكذا تضحيات من قبل ساسة في بلادنا، بدعوى الاطاحة بشخص وصعود آخر أفضل منه، أما المعايير والمقاييس في الأفضلية، فان مصدرها الشخص الطامح الى الحكم أو الحزب السلطوي. والثمن كما هو معروف على ذمة المسلمين، كما شهدنا في التاريخ الاول، حيث جرت معارك طاحنة على كرسي «الخلافة» والحكم، ونشهد في الوقت الحاضر، إذ لا يجد بعض الساسة، غضاضةً من حالة الفراغ السياسي في البلاد عندما يعطّل العمل بالدستور او يؤجل اجراء الانتخابات، ويتمسك بالرئاسة والزعامة مع صفة «تصريف الاعمال».

في هكذا احوال؛ الساسة لن يتعرضوا لسوء، في مصالحهم السياسية او المادية، إنما سمعة البلاد ومكانتها بين الدول هي التي تتصدع، وتفقد الثقة بين الدول النامية والمتقدمة في طريق الاستثمار والتنمية والتطور، فالبلد الذي يفتقد الاستقرار السياسي لن تكون لديه فرصة للنمو الاقتصادي، بسبب فقدان القوانين الداعمة والاجواء الآمنة المفترض توفرها كأهم ضمانات نجاح المشاريع الاقتصادية .

 

* التماسك الاجتماعي

كما أسلفنا.. فان ثمة تصوراً لدى البعض، باكتفائهم بالاستقرار الظاهري للاوضاع الاجتماعية والاقتصادية في البلاد، وان كل شيء يمضي حسب الضوابط والقوانين الموضوعة من قبل السلطة، بيد ان هذا الاستقرار والامن الظاهري في المجتمع يخدم قبل كل شيء الواجهة السياسية للبلد امام العالم، بينما يكون هنالك ثمن يدفعه المجتمع في تماسكه ونسيجه. فما الذي يضير نظام حكم، مثل نظام صدام البائد في العراق، أن يتحول المجتمع العراقي الى كتل متنافرة ومتضاربة، عرقياً وقومياً وطائفياً وحتى طبقياً اذا كان هذا يخدم مخططه في البقاء فترة اطول في الحكم. فالمجتمع الذي يوفر أمنه بنفسه بفضل التماسك والانسجام الداخلي في هيكليته، لن يتمكن النظام من تطويعه وتوجيهه نحو حروب كارثية او زرع الجواسيس والعملاء بين ابنائه؟

لنلاحظ سياسة أمير المؤمنين، عليه السلام، في التعامل مع استحقاق أمني واضح بعد توليه الخلافة، حيث واجه الفئة التي تطالب بدم عثمان. وقد دعاه بعض اصحابه اعتقال الضالعين في عملية قتل عثمان، وكان جوابه التريّث والصبر: «.. فاهدأوا عنّي، وانظروا ماذا يأتيكم به أمري، ولا تفعلوا فعلة تضعضع قوة، وتسقط منّة، وتورث وهناً وذلّة، وسأمسك ألأمر ما استمسك، وإذا لم أجد بُداً فآخر الدواء الكيّ».

 واضح في منهج الامام، عليه السلام، أنه وضع الحرب ورفع السلاح، الخيار الأخير، فيما أعطى الأولوية الى الاستقرار والامن الاجتماعي للمسلمين الذي من شأنه مواجهة التحديات الخارجية والداخلية، بينما في الحالة المعاكسة، فان المجتمع الممزق والمتفرق ربما يتمكن من خدمة الحاكم، فهو يستفيد من كل الاجزاء المقطعة في المجتمع، بينما هذه الاجزاء المتباعدة واحياناً المتضاربة لن يكون بمقدورها تحقيق شيء لصالح المجموع.

 

* الامن مع الكرامة

في الدولة العادلة، يكون الامن في خدمة الانسان الفرد والمجتمع بشكل عام. فالانسان الذي يتعرض للاهانة والإذلال والتمييز في بلده، لن يشعر بلذة الأمن والاستقرار، لانه لا يجد فائدة في هذا الامن لكرامته وشخصيته وطموحاته. وهذا تحديداً ما فجّر الانتفاضات العارمة في البلاد العربية ضد الحكام المتشبثين بالسلطة منذ عقود من الزمن.

لذا نجد أمير المؤمنين، عليه السلام، يوصي مـالكاً الأشتر في عهده الشهير والمفصّل بقوله «.. وأشعر قلبك الرحمة للرعية، والمحبة لهم، واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم..». وهناك شواهد عديدة منه، عليه السلام، في تأكيده على عدم «التنمّر» على الناس العاديين، والسعي لبذل اللين واللطف لهم. واذا طبقنا الصلاحيات التي كانت للولاة في ذلك العهد، مع المعايير الحديثة لأنظمة الحكم ومؤسسات الدولة، نجد أن الوالي يساوي اليوم، حاكم ولاية ضمن نظام فيدرالي بصلاحيات واسعة، بل وأكثر من ذلك، إذ ان الوالي آنذاك تجتمع لديه الصلاحيات السياسية والدينية.

من هنا؛ نعرف أن أمير المؤمنين، عليه السلام، جسّد العدالة في توفير الأمن والاستقرار للمسلمين على طول وعرض الرقعة الجغرافية للدولة الاسلامية، فحتى استشهاده، عليه السلام، لم تشهد منطقة واحدة، حالة تمرّد او احتجاج على سياسات الامام ونهجه في الحكم، وإن كانت، فهي بتحريك من معاوية، كما حصل في مصر والعراق، ولم تكن بسبب داخلي. وحتى اللحظة الاخيرة من حياته الشريفة، توجه الى بني هاشم يوصيهم بأمن واستقرار البلاد الاسلامية قائلاً: «لا ألفينكم يا بني هاشم تخوضون دماء المسلمين تقولون: قتل علي».

وهذا يدلنا على الحقيقة التاريخية الواضحة، وهي فقدان الامة لأي شكل من اشكال الامن والاستقرار منذ اغتيال الامام على يد الخارجي «ابن ملجم». فلم يتحسس المسلمون طعم الأمن والاستقرار على المستوى الفردي او الاجتماعي في ظل أنظمة الحكم التي توالت على الأمة، وامتد النهج على طول التاريخ ليصل الى يومنا الحاضر.


ارسل لصديق