مقطع من عهده «عليه السلام» إلى «الأشتر» يُسهم في تقدم اليابان
كتبه: كريم الموسوي
حرر في: 2014/03/19
القراءات: 822

يتصور البعض عدم الصلة بين مفهوم «الحضارة»، و «الدين». منشأ هذا التصور نابع من اسباب عديدة، اهمها القطيعة الحاصلة لدينا بين النظرية والتطبيق، وبين الواقع والطموح، وإلا لا يماري أحد بأن الاسلام هو الوحيد خلّف للاجيال معالم وملامح حضارته، اكثر من الحضارات الاخرى، مثل الحضارة الفارسية او الحضارة الرومانية او الاغريقية، فمن هذه الحضارات لم يبق منها سوى الأطلال والصخور، ومن الثقافة، سوى بعض الكلمات المنقوشة على الجدران، وبعض العلوم والمعارف التي لم تصمد امام النقاش العلمي من قبل المفكرين الاسلاميين، بينما ترك الاسلام منظومة مفاهيمية متكاملة وقيماً اخلاقية وانسانية ، هذا الى جانب المعالم الحضارية الاخرى، من عمران وفنون وآداب، كلها تشكل عوامل حاسمة لتحقيق السعادة والنجاح، بيد أن المشكلة في التطبيق على أرض الواقع، وهذا ما كرس التصور لدى هذا البعض، بأن الدين يهتم بالدرجة الاولى بالجانب المعنوي للانسان، ويتكفل فقط بتنظيم الأحكام والطقوس العبادية، وتبعاً لذلك نشهد حالة استلاب واضحة في الساحة الثقافية، فالارقام والصور والاحصائيات عن مراقي التقدم والتطور الذي بلغته الدول الصناعية، لاسيما الغربية منها، تملأ صفحات النت، وايضاً وسائل الإعلام، حتى العربية والاسلامية، بشكل يكرس في نفس الانسان المسلم مشاعر الخيبة والوضاعة والهزيمة أمام الآخر المتقدم والمتطور، ليس في المجال الاقتصادي، بل المجال السياسي والثقافي. ولكن..

هنالك بصيص أمل ونور في الأفق، ربما لا يلاحظه او يتجاهلة البعض، فالأمر ليس بهذا السوء والسوداوية. ففي الإسلام من القواعد والأنظمة ما يكفي لأن تفيد البشرية كلها - وليس المسلمين وحدهم- في تحقيق التقدم والرفاهية والعيش الكريم، وهذه حقيقة أقرها الباحثون الغربيون قبل المسلمين، وقبل هذا وذاك، لدينا الإرث العظيم من سيرة الرسول الأكرم، وأمير المؤمنين، عليهم السلام، و أيضاً الأئمة الاطهار، لذا نجد تأكيد العلماء والمفكرين على الاستضاءة بهذا النور بما اتسع لدينا من امكانية للاستيعاب والفهم، على أمل ان نكون في المستوى الرفيع الذي يجعلنا نرتقي بهذا النور الى أعلى قمم الحضارات.

ومن أولئك العلماء نشير الى المرجع الديني آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي - حفظه الله- الذي كان يتحدث الى وفد من الاكاديميين العراقيين، فأشار الى التجربة التي عاشتها الأمة في ظل حكم أمير المؤمنين عليه السلام، حيث أكد على أنها وفّرت لانسان ذلك اليوم، وللانسانية جمعاء شروط النهوض والتقدم، ولذا فانه عليه السلام، يُعد الرائد في التقدم الحضاري على سائر الأمم السالفة والحاضرة. وسلط سماحته الضوء على الجانب السياسي في نظام حكم الامام علي، عليه السلام، وعدّ النجاح في هذا الجانب مفتاحاً للنجاح في الميادين الاخرى، مثل الاقتصاد والاجتماع وغيرها، ومن أهم استحقاقات النظام السياسي، الحرية، التي تمثل نافذة الشعوب والأمم نحو الابداع والتطور والتطلع نحو المستقبل، بل تشكل قاسماً مشتركاً لعديد السبل نحو نجاح الاقتصاد والاجتماع. لذا يشير سماحته الى المساحات الواسعة من الحرية التي منحها أمير المؤمنين، عليه السلام، ومنها حرية العمل والتجارة، وأن تبتعد الحكومة أو السلطة التنفيذية عن التدخل في سير عجلة الاقتصاد، إنما تكتفي بدور الرقابة والإشراف، فيما يكون ابناء الشعب والأمة بأجمعهم مشتركين في دفع عجلة هذا الاقتصاد من خلال العمل او الاستثمار والابداع.

واستشهد المرجع الشيرازي، بمثال بارز على أحقية منهج أمير المؤمنين، عليه السلام، ليس من واقع أمتنا ، إنما من الأمة اليابانية.. حيث أوضح أن اليابان إنما تقدمت وتطورت، لأنها عملت بوصايا أمير المؤمنين، عليه السلام، وقال: «ان الذي مكّن اليابان من النهوض بعد هزيمتها ودمارها في الحرب العالمية الثانية، هو العمل بفقرة من كتاب الإمام أمير المؤمنين، صلوات الله عليه، إلى مالك الأشتر، رضوان الله تعالى عليه، حينما ولاّه مصر، حيث كتب إليه - ما مضمونه- بأن يجعل التجارة حرّة، بالأخصّ التصدير والاستيراد، وأن يكون دوره - أي دور الحاكم والحكومة - هو الرقابة فقط، لكي لا يحدث غبناً بحقّ الناس. فكان ما عمل به اليابان أنه جعل التجارة بيد الشعب الياباني ، فتقدّم و ارتفع حتى صار يزاحم أميركا في أقتصادها..».

 وينقل عن امبراطور اليابان الراحل «هيروهيتو» الذي يُنسب اليه الفضل في نهضة اليابان بعد الحرب، عن أهم عوامل نهضة بلده وتقدمها، فأجاب: «بدأنا بما أنتهى به الآخرون، وتعلمنا من أخطائهم». هذه الخطوة التي رفعها اليابانيون تذكرنا بما قاله الرسول الأكرم، صلى الله عليه وآله، «إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، فنبينا الأكرم يوضح لنا أن هنالك مفاهيم وقيماً أخلاقية سائدة لدى البشر قبل بعثته، وها هو يتمم تلك المنظومة الاخلاقية ويضع لها الإطار النهائي في ظل الإسلام. فاذا كانت الاخلاق موجودة قبل البعثة النبوية، وقد تم تكميلها، ألا يجدر بنا البحث عن التجارب السابقة في ميادين أخرى لاسيما في مجال العلم والمعرفة، ولنكن متممين للعلوم والمعارف بتجاربنا وابداعنا على طريق النهوض والتقدم في المجالات كافة.

وهذا ما امتنع عنه حكامنا طيلة قرن من الزمن، بل ومنذ القرن التاسع عشر، حيث بدأت الأمة بالتدهور والتسافل في مراقي الحضارة، والتخلف عن الأمم المتحضرة ، عندما وضع الحكام العصي في عجلة التقدم العلمي ، بينما شجعوا وحثوا على الهرولة للحاق بركب الحضارة الغربية، على أنها هي مصدر العلم والمعرفة، وليست المدن الاسلامية المعروفة بمدارسها وجامعاتها. وقد جاء في مقال للكاتب المصري «صلاح سليمان» في صحيفة «القدس العربي» الصادرة بلندن، أن في عهد أبناء محمد علي باشا، شهدت مصر غلق العديد من المصانع والمدارس، حتى وصل الحال أن يقول: محمد سعيد باشا - الابن الرابع لمحمد علي- بعد اغلاق المدارس «أمة جاهلة أسلس قيادة من أمة متعلمة».

من هنا يتضح أن النظام السياسي له دوره الفاعل والكبير في رسم سياسة الدولة وتوجيه الأمة نحو شاطئ الأمان، وهنا يحمّل الشيرازي هذه المسؤولية للاكاديميين العراقيين لأن يسهموا في التأثير على القرار السياسي بما يؤدي الى تحسين الأداء الحكومي في المجالات كافة. ولذا نجده يوجه الدعوة المباشرة الى الشريحة المثقفة والاكاديمية لأن تحاول «أن تبني عراق الغد عبر الشباب، وذلك بتثقيفهم بثقافة الإمام عليّ بن أبي طالب، صلوات الله وسلامه عليه، فهذا العمل من أهم المسؤوليات اليوم، كما أنه أهم شيء تعطونه لمستقبل العراق، ولمستقبل الإسلام، ولمستقبل أهل البيت، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وكذلك لمستقبل المنطقة والعالم كلّه. فثقافة الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه، وسيرته وتاريخه، كل ذلك فريد ولا نظير له إلى يومنا هذا».

لذا يمكن القول: أنه بامكان الشباب المسلم في العراق، وفي أي بقعة من العالم، ان يبلغوا مرتبة من الفهم والإدراك لما يحمله من كنز عظيم متمثلاً بمنهج و سيرة أهل البيت، عليهم السلام، لاسيما سيرة النبي الأكرم وأمير المؤمنين صلوات الله عليهم، نظراً الى أنهما قدما الى البشرية نظاماً متكاملاً يكفل للانسان المضي قدماً في طريق الرقي والتقدم في المجالات كافة، وهذا يدعونا، كما يدعو الشباب لأن يوسعوا ثقافتهم ومعرفتهم بهذه السيرة والمنهج.

 إن الشعوب المتقدمة والمتحضرة لم تحقق اهدافها إلا بوجود هوية ثقافية وفلسفة او نظرية للحياة، وإلا كان سعيها وجهدها هباءً منثورا، ونحن نلاحظ الجهود والمساعي المضنية التي تبذلها دولنا، من خلال الجامعات ومراكز البحث العلمي نظرياً وعملياً، لكن نتائج كل هذه الجهود تذهب الى غايات واهداف متعددة بل متباعدة، إذ لا توجد بوتقة واحدة تصهر هذه الجهود لتصب في رافد واحد، بينما نلاحظ العكس في دول مثل اليابان، تبنت الاستقلال والحرية والتعاون، والشعور بالمسؤولية، ليس كشعارات سياسية للاستهلاك الاعلامي، إنما عقيدة للصغار والكبار، وهكذا نجحوا وتقدموا، وهكذا بامكاننا ان ننجح ونتقدم.


ارسل لصديق