«الأماني» .. والمسافة بين الحقيقة والخيال
كتبه: زكي الناصر
حرر في: 2014/03/19
القراءات: 1410

من الناس من يعيش الوهم ومنهم من يعيش الحقيقة، وبين الوهم والحقيقة مسافة شاسعة هي كالمسافة بين الحق والباطل، وهذا الوهم الذي يعيشه الكثير من الناس إلاّ من أدخله الله في رحاب الحقيقة يسمّى في بعض الحالات بـ «التمنّي».

إن تصريح القرآن الكريم بخصوص الذين لايعلمون الكتاب إلاّ «أماني» فـي قوله: {وَمِنْهُمْ اُمِّيُّونَ لاَيَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلآَّ أَمَانِيَّ} (سورة البقرة /78) وقوله تعالى: ﴿أَم لِلإِنسَانِ مَا تَمَنَّى (سورة النجم /24)، وجاء عن الإمام جعفر الصادق، عليه السلام: «ليس الإيمان بالتحلّي ولا بالتمنّي ولكن الإيمان ما خلص في القلوب وصدقته الأعمال»، وكثيرة هي الأحاديث الشريفة التي تؤكد على أن التمنّي قد يحجب البصيرة ويؤدي الى الباطل.

كلّ ذلك وغيره يدعونا الى أن نتدبّر في معنى «التمنّي» ونتساءل قائلين: هل يجب أن نعيش الأمنيات أم الحقائق على أرض الواقع؟

وللإجابة نقول:

 

* بين الحقيقة و الوهم

إنّ الإنسان مسؤول عن نفسه قبل كلّ شيء؛ فقبل أن يكون مسؤولاً عن عمله فانّه مسؤول عن فكره، وقبل أن يكلّف بالعمل الصالح فانّه قد كلّف بالإيمان الصادق، وهذا الإيمان يتبع البصيرة النافذة، وهذه البصيرة لا تكون إذا كانت بينها وبين الإنسان حجب.

ومن هذه الحجب «الأماني». فهي لا تحجب الإنسان عن الحقيقة فحسب، بل إنّها في بعض الأحيان تقلب وتعكس أسباب الهداية والتوجيه وكلّ أسباب وعوامل التبصّر، فالأماني، أشبه بالمرآة التي تنعكس عليها الحقائق بصورة مقلوبة، أو هي نظارة سوداء داكنة لا تجعل الإنسان يرى الحقائق كما هي، بل كما تضفي عليها نفسه وأخلاقه، فلا يرى الحقائق إلاّ ممزوجة بتلك الأوهام.

إن الله تبارك وتعالى خلقنا على فطرة الإيمان والتوحيد كما يقول عز من قائل: {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} (سورة الروم /30)، ولقد أعطانا الله هذه الفطرة النقيّة الطاهـرة، ولكن لابدّ من أن نعرف ونكتشف العامل الذي جعل هذه الفطرة مدنّسة كما يشير ربنا عز وجل الى ذلك في قولـه: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَـا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَـا * وَقَدْ خَابَ مَـن دَسَّاهَا} (سورة الشمس/ 7- 10) فالنفس هي بمثابة مصباح مضيء تنطلق منه أشعّة التوحيد، فإذا دُسّت هذه النفس في تراب الأمنيات والأحلام، ستخبو فيها شعلة الإيمان والتوحيد.

فلنطرح على أنفسنا هنا التساؤلات التالية: هل نحن نعيش الأماني أم الحقائق، وهل نحن مصداق قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ اُمِّيُّونَ لاَيَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلآَّ أَمَانِـيَّ} أو قـوله عـز وجل: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} (سورة الانفال /2)؟

إن علينا أولاً ومن أجل أن نهتدي إلى الاجابات الشافية على تلك الأسئلة أن نعرف أنّ الأمنية تأتي من إفراز النفس، لأن في داخل الإنسان قوّتين هما: قوة العقل وقوّة الجهل.

فــــفي نفــــس الإنســــان قــــوىً متعارضة، فقوةّ العقـل كما تصرّح بذلك الأحاديث الشريفـة مـزوّدة بسبعين جندياً، كما أن قوة الجهل مزوّدة هي الأخرى بنفس هذا العدد، فالجهـل هـو قـوّة تفـرز وتلد وتنتج، والأمنيـة تعتبـر واحـدة مـن إفرازاتهـا.

 والإنسان قد يحقّق هدفه في الواقع الخارجي وقد لا يستطيع ذلك، فيحاول تحقيقه عبر الأماني، لأن الأمنية هي إفراز النفس من أجل تعويض العجز والضعف وللتنفيس عن الفقر والحاجة؛ وعلى سبيل المثال فهناك من يحلم في ليله ونهاره بالمستقبل المشرق والحياة المرفّهة، ذلك لأنه يعيش النقص وهو يريد أن يعوّض عن هذا النقص بالتمنّي لا بالعمل والتخطيط، وهذا الإنسان يختلف اختلافاً كلّياً عن ذلك الذي يخطّط ويقرّر ويعمل، لأن العمل لا ينتج عن الأمنية في حين أن الأمنية تأتي من إفراز الهوى.

 

* صور ذهنية لصناعة الواقع

ولابد من الإشارة إلى أنّ أمنية الإنسان قد تأتي في صورة التعويض عن نواقصه، وقد تتجسّد في صورة التعويض عن أهدافه، كما وقد تتمثّل في صورة تضخيمه من خلال الغرور أو سر التبديل الذهني للحقائق الصعبة الى حقائق وأفكار سهلة وميسورة، وفيما يلي نستعرض تلك الصور:

1- التعويض عن النقائص

من المُسَلَّم به أنّ الانسان يبدأ حياته ناقصاً، فهو عندما تلده أمّه لا يعلم شيئا كما يشير إلى ذلك ربنا سبحانه: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ اُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً} (سورة النحل /78)، فبداية الانطلاق يكتنفها النقص والعجز، ولكنّ البعض لا يريد الاعتراف بهذا النقص، فيحلم مثلاً بأنّه عظيم وأنّ التأريخ سوف يذكره، وكثيراً ما تذكّر هذه الأحلام في سنّ المراهقة، والمشكلة ليست في وجود هذه الحالة في هذه السنّ، بل المشكلة في استمرارها؛ فهناك البعض ممن يبقى في سنّ المراهقة لفترة طويلة حتى يصطدم بواقع الحياة، فهو لا يقبل من أحد أن يوجّهه الى أخطائه، بل كلّ ما يريده أن يُمدَح ويثنى عليه بما ليس فيه.

2- التمني لتحقيق الأهداف

إننا عندما نهدف الى بناء حكومة إسلامية عالميّة وإلى إقامة العدل والحريّة والرفاه لكلّ البشر، فعلينا أن لا نعيش في خيال الانتصار وأمنية الظفر، بل يجب علينا أن نعمل للهدف؛ وأضعف هذا العمل هو الدعاء بالنصر والغلبة، ومع ذلك فان الدعاء الجامد غير المقترن بالعمل لا يمكن أن يتمخّض عن نتيجة، فالهدف المتمثّل في بناء مؤسسة حضاريّة بحاجة الى جهد ومثابرة، وإلاّ تحول ذلك إلى سراب.

ومن المعلوم أنّ الله تعالى لا يعطي النصر بالأماني، فالنصر مقرون بالحركة، كما يشير ربنا عز وجل الى ذلك في قوله: {وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَويٌ عَزِيزٌ} (سورة الحج /40).

3- الغرور والعجب

إنّنا بحاجة الى نعم الله وأفضاله، وكلّما ازدادت نعم الله تعالى على الإنسان ازدادت مسؤوليته في اداء حقوق الله. فعندما يزداد الإنسان نعمة، تزداد حاجـة الناس إليه، وبالتالـي تزداد واجباتـه وتكبر مسؤولياتـه. فعليه إذن أن لا يصاب بالعجب والكبر حتى لا يقصّر في أداء مسؤولياته الملقاة على عاتقه؛ فكلّما ازداد الإنسان غروراً وتكبّراً قلّت نسبة إتقان العمل لديه. وعلى هذا؛ فانّ الإخلاص هو طريق الإنسان لنيل نعم الله تبارك وتعالى ورضوانه، أمّا الكبر فهو الطريق المؤدّي الى عذاب الله وهوانه، فنحن لا يمكننا أن ننال الثواب يوم القيامة من دون أدائنا لمسؤولياتنا.

4- تحويل أسباب الهداية الى أسباب للانتكاسة

هناك من يفسّر القرآن الكريم، حسب أهوائه ويحمّله ما لا يحتمله؛ فعند قراءته لآيات القرآن فإنه يصنّف نفسه مع الذين آمنوا ويبعد عن نفسه الآيات التي تذكر الكفّار والمنافقين، كقوله تعالى: {وَمِنْهُمْ اُمِّيُّونَ لاَيَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلآَّ أَمَانِيَّ} (سورة البقرة /78) وهذه الأماني تتحول من أحلام داخلية إلى خارجية من خلال التشبّث ببعض التبريرات من أجل ستر الحقائق.

والأمنية قد تخطر على قلب المؤمن، ولكن لا تلبث أن تتبخّر وتتلاشى، أما القلب المريض فانّه يستقبل الأماني بسرعة، حاله كحال البيئة الفاسدة التي تستقبل المكروبات. فالقلب المريض الحسود والأناني هو مرتع خصب لنمـو وترعرع الأماني والأحـلام، كما يشيـر ربنـا سبحانه الى ذلك فـي قولـه: {لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ} (سورة الحج /53) فالمريض قد يأتي ويذهب ولكنّه إذا تراكم فانّ القلب سيصبح قاسياً، لأنّ قساوة القلب هي من أشدّ الأمراض التي قلّما نجد الدواء لها، وهناك قسم آخر هم على العكس من مرضى القلوب، وهم الذين تتحدث عنهم الآية القرآنية التاليـة: {الَّذِينَ اُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ} (سورة الحج /54).

فإذا أراد الإنسان أن يتحدّى الأمنيات فليسلم نفسه لله وليرض بما يرتضيه له وأن يكون على استعداد لتقبّل كل ما يريده الله منه، وهذه هي مرحلة إخبات القلب والتسليم لله ربّ العالمين.

وبكلمة؛ إن الذين تمنّوا على الله فهم يقفون على طرف نقيض من الذين آمنوا، فهم سيضلّون الطريق وهذه هي المسافة الفاصلة بين الأمنية والحقيقة.


ارسل لصديق