المجتمع الناجح و توفير شروط التقدم
كتبه: باقر ياسين
حرر في: 2014/03/19
القراءات: 2578

هناك ثلاث نظريات فيما يخص العلاقة بين الفرد والمجتمع:

النظـــرية الأولى؛ تقــــول إن الفرد هو كل شيء في المجتمع، وهو العامل الحاسم في تحريك التاريخ، ولذلك ينبغي الاهتمام بالمجتمع من حيث هو أفراد، وسن المناهج والانظمة التي تربّي أفراداً متفوقين ونابغين، يبنون الحضارة البشرية، ويهبون التقدم للانسانية.

وتنطلق هذه النظرية من واقع وجود بعض العظماء الذين استطاعوا أن يغيروا مسيرة التاريخ، ويرسموا خريطة جديدة لحياة مجتمعاتهم.

والنظرية الثانية؛ فهي تذهب الى الاتجاه المعاكس، حيث تسلب من الفرد قيمته في المجتمع، ولا تقم له وزناً وقيمة إطلاقاً، فهو أشبه ما يكون - حسب هذه النظرية - بقطعة صغيرة في ماكنة المجتمع. وهذه النظرية تتمسك بالحتميات الاجتماعية، وترى بأن حركة المجتمعات وتطوراتها نابعة من أنظمة عامة يخضع الافراد لسلطانها، فلا يملكون أن يواجهوها أو يغيّروا منها شيئاً إذا ما رأوا أنها تقودهم في الاتجاه الخاطىء. ولذلك فهذه النظرية تؤمن بفكرة الدورات الاجتماعية المنتظمة، أي ان كل مجتمع لابد أن يمرّ بنفس المراحل التي يمرّ بها الإنسان في حياته. حيث يولد طفلا رضيعا ثم يصبح شاباً مراهقاً، فرجلاً، فكهلاً، فشيخاً، فهرماً، ثم يموت. والأمثلة التاريخية على ذلك كثيرة ومتنوعة يعدّدها أرنولد توينبي في كتابه «مختصر دراسة للتاريخ».

أمّا النظرية الثالثة؛ والتي يؤيدها الإسلام وتقوم أنظمته وشرائعه عليها، فهي تقف في الوسط بين النظريتين، فتعطي للفرد أهميته اللائقة، كما تعطي للمجتمع دوره المؤثر، وتنظم العلاقات بينهما بشكل دقيق ومتوازن.. فالمجتمع يؤثر في الفرد، والفرد بدوره يؤثر في المجتمع؛ إنها لا تسلب الفرد إرادته، ولا تحرم المجتمع من تلك القوانين والانظمة الديناميكية التي تعطيه الوقود المنــــــاسب في مسيرته الحــــــضارية التكاملية.

وعلى هذا فهي لا تنفي تينك النظريتين، وانما تربط بينهما بشكل تزول معه الهوة الفاصلة بين الفرد والمجتمع، وتجعل الاثنين يتفاعلان مع بعضهما لما فيه خير الإنسانية وسعادتها.

كذلك فهي ترى أن الدورة الاجتماعية المنتظمة ليست حتمية أبدا. ففي التاريخ الحديث مثلا نجد ان المجتمع الألماني كان مجتمعاً حيوياً يتفجر ثورة واندفاعا، وكان باستطاعته أن يبقى زمناً طويلاً متحكماً بالقارة الأوروبية، ولكن هذا المجتمع الفتي ابتُلي بطاغوت أهوج مثل «هيتلر»، وبحزب متطرف مثل «الحزب النازي»، فانقاد إلى الهاوية والسقوط، وبسبب خوضه الحرب العالمية الثانية في ظل ذلك الحاكم وذلك الحزب، تم تقسيمه إلى شطرين: أحدهما تحت مظلة المعسكر الشرقي والآخر تحت مظلة المعسكر الغربي، واستمر هذا الوضع عدة عقود من الزمن حتى انهيار المعسكر الشرقي وتفكك ما كان يسمى بـ «الاتحاد السوفيتي».

وهكذا؛ فربما يشيخ المجتمع ويهرم ويشرف على الموت، ولكن لا يلبث أن ينبعث من داخله مُصلح يفجّر إمكاناته الذاتية المختزنة فيتحدى المجتمعُ بارادة ابنائه تيارَ الانحدار، ويتقدم مرة أخرى حتى يثبت نفسه، كما حدث بالنسبة للمجتمع العربي الجاهلي الذي كان مشرفاً على التفسخ والاندثار، ولكن بمجيء النبي محمد، صلى الله عليه وآله، وظهور الإسلام، دبّت فيه الروح، واذا بالعرب يصبحون في فترة وجيزة سادة العالم وبناة الحضارة.

 

* ديناميكية المجتمع

إن بناء المجتمع على أساس القيم الصحيحة، والعمل الصالح يعطيه ديناميكية في الاتجاه الصحيح، وعكس ذلك صحيح أيضاً. ولكي نوضح الفكرة، دعنا نضرب مثالاً على ذلك: إذا حفرت نهراً يمتد من ينابيع المياه ويجري عبر الاراضي الصالحة للزراعة، فسوف يروي هذا النهر آلاف الهكتارات من الاراضي المزروعة ويصبح سلّة خبز لأولئك الذين يعيشون حول هذه المنطقة. أما إذا حفرت ذات النهر عبر أراضٍ سبخة فانه لن ينفع شيئاً وستذهب المياه العذبة هدراً.

إن هذه واحدة من السنن الطبيعية التي تنطبق أيضا على المجتمع البشري، فالمجتمع مثل النهر يمتلك طاقة هائلة، فإذا وجّهت في الاتجاه السليم وحفرت لها قنوات ملائمة، تحركت هذه الطاقة عبر القنوات وأعطت ثمارا طيّبة، ولكن إذا كانت هذه القنوات غير سليمة ومتناقضة الاتجاهات فان المجتمع سرعان ما يتحطم ويموت.

ويتوقف تقدم وحيوية المجتمع البشري على قوانين وأنظمة ذاتية كثيرة نسمّيها بـ «ديناميكية المجتمع»، وسوف نستعرض هنا جملة منها بشكل موجز من خلال عهد الامام علي بن أبي طالب، عليه السلام، لمالك الأشتر لمّا ولاّه مصر، حيث يرسم لنا فيه الديناميكية الاجتماعية والقوانين التي تتحكم في المجتمع.

يقول عليه السلام:

«واعلم أنّ الرعيّة طبقات لا يصلح بعضها إلاّ ببعض، ولا غنى ببعضها عن بعض. فمنها: جنود الله، ومنها: كتّاب العامّة والخاصّة، ومنها: قضاة العدل، ومنها: عمّال الإنصاف والرّفق، ومنها: أهل الجزية والخراج من أهل الذّمة ومسلمة الناس، ومنها: التجّار وأهل الصناعات، ومنها: الطبقة السُّفلى من ذوي الحاجة والمسكنة، وكلٌّ قد سمّى الله له سهمه (أي نصيبه من الحق) ووضع على حدِّه فريضة في كتابه، أو سُنّة نبيّه. صلى الله عليه وآله، عهداً منه عندنا محفوظا..

فالجنود، بإذن الله، حصون الرعية، وزين الولاة، وعِزُّ الدين، وسبل الأمن، وليس تقوم الرعية إلاّ بهم.

ثم لا قوام للجنود إلا بما يخرج الله لهم من الخراج الذي يقوون به على جهاد عدوهم، ويعتمدون عليه فيما يصلحهم، ويكون من وراء حاجتهم.

ثم لا قوام لهذين الصنفين إلاّ بالصِّنف الثالث من القضاة والعمال والكتّاب، لما يُحكمون من المعاقد (أي: يقومون بتنظيم العقود) ويجمعون من المنافع، ويؤتمنون عليه من خواص الأمور وعوامها.

ولا قوام لهم جميعا الا بالتجّار وذوي الصناعات فيما يجتمعون عليه من مرافقهم (أي: المنافع التي يجتمعون من أجلها)، ويقيمونه من أسواقهم، ويكفونهم من التّرفّق (أي: التكسّب) بأيديهم ما لا يبلغه رفق غيرهم.

ثم الطبقة السفلى من أهل الحاجة والمسكنة الذين يحق رفدهم (أي: مساعدتهم وصلتهم) ومعونتهم. وفي الله لكلٍّ سعة، ولكلٍّ على الوالي حق بقدرما يصلحه». 1

يمكننا ان نستخلص من هذه القطعة من عهد الامام علي، عليه السلام، بعض القوانين الأساسية لبناء المجتمع الحي:

 

* القـانون الأول: التفـاضل بالسعي

فالمجتمع يتألف من طبقات تقوم على أمرين:

الأول: الأسس السليمة، وهي: العلم والخبرة والكفاءة والقدرة البدنية، وغيرها.

ثانياً: عدم وجود حالة الاستعلاء و التفاخر بينها، فأفراد المجتمع متساوون في الإنسانية، وسواسية أمام القانون والقضاء، ويختلف هذا القانون عن الطبقية البغيضة التي تقوم على أساس العنصر والدم، أو الثروة والمال، أو المنصب والمركز الاجتماعي، أو على أسس قبلية وطائفية وعائلية وما أشبه.

 

* القانون الثاني: التعاون

وتكون الطبقات التي تشكل جسم المجتمع، غير منغلقة على ذاتها، بل تنفتح على بعضها بالتعاون المثمر البنّاء، فيكمل بعضها بعضا، فلا غنى لواحدة عن الآخرى، كما ان علاقتها مبنية على أسس المحبة والاحترام المتبادل.

 

* القانون الثالث: العدالة

وهذا أهم ركيزة يقوم عليها المجتمع الحيوي السليم، حيث ينبغي أن تكون العدالة شاملة للجميع، حاكماً ومحكوماً، غنياً وفقيراً، قوياً وضعيفاً، حتى تؤتي ثمارها.

إن فقدان العدالة له تأثير هدّام مزدوج، فمن ناحية يؤدي إلى التجرؤ على سرقة حقوق الآخرين، والاعتداء عليهم، ويؤدي من ناحية أخرى إلى تثبيط همم العاملين المنتجين من مزارعين وصناعيين وتجّار وكتّاب ومفكّرين، بسبب قلقهم من احتمال اغتصاب وسرقة الآخرين لجهودهم.

 

* القانون الرابع: صيانة المجتمع

لكي يحافظ المجتمع على نفسه من الاعتداء الخارجي، أو الاضطراب والتفسخ الداخلي، لابد له من عدّة ركائز هامة تشكل أساس البناء الاجتماعي:

1- القوة العسكرية، متمثلة في الجيش، والمعدات والذخيرة، و التدريب، و التنظيم، وغيرها.

2- القوة الإقتصادية، متمثلة بالقطاعات الانتاجية والصناعية في؛ حقول الزراعة والري والرعي والنفط وغيرها.

3- القوة القضائية، ومتمثلة بالقضاة، وحكام الشرع، والكتّاب وغيرهم.

4- القوة الادارية والتنفيذية، وهي جهاز الحكومة بما فيه من  وزراء وموظفين، وإداريين.

5- القائد الأعلى أو الرئيس، وهو الذي يجمع كل هذه الخيوط بيده ويكون خاضعاً للقيادة التي تتمثل في النبي، صلى الله عليه وآله، أو الامام المعصوم، أو الولي الفقيه وهم الأمناء على شريعة الله في الأرض.

 

* القانون الخامس: التكافل والضمان الاجتماعي

إن الفقراء والمساكين وذوي الحاجة ممن قعدت بهم كارثة تعرضوا لها، أو مــــرض ألم بهم، أو شيخوخة  أصابتهم، ينبغي أن تُشكل لأجل هؤلاء جميعا مؤسسات خاصة تقوم برعايتهم، ويسمي الإمام علي عليه السلام من يعملون في مثل هذه المؤسسات بعمال الرفق والانصاف.

إن هــــذا القــــانون يجلــــب الاطمئنان للفــــرد فيمــــا يخص مستقبله، وبالتالي يؤدي إلى زيادة إنتاجه، إضافة إلى إشاعة روح التراحم بين أفراد المجتمع.

 

* صبغة المجتمع الإسلامي

أما الصبغة العامة للمجتمع الإسلامي الصحيح فهي التقوى عقيدة وسلوكاً، ويشير إلى ذلك حديث الامام علي، عليه السلام، في عهده لمحمد بن ابي بكر حين ولاّه مصر:

«..واعلموا عباد الله أن المتقين ذهبوا بعاجل الدنيا وآجل الآخرة، فشاركوا أهل الدّنيا في دنياهم، ولم يشاركوا أهل الدنيا في آخرتهم، سكنوا الدنيا بأفضل ما سُكنت، وأكلوها بأفضل ما أُكلت، فحظوا من الدّنيا بما حظي به المترفون، وأخذوا منها ما أخذه الجبابرة والمتكبّرون، ثمّ انقلبوا عنها بالزاد المبلّغ والمتجر الرابح».

وكما هو واضح من السياق، فإن التقوى المقصودة هنا ليست التقوى الفردية، بل هي تلك التي تأخذ الطابع الجماعي، أي تصبح خصيصة من خصائص المجتمع، يمتاز ويُعرف بها.

وهذا الحديث يبين حكمة مهمــــــــــــة في الحياة الاجتماعية الإسلامية، وهي أن المسلمين ليسوا هم أولئك الذين تعلقوا بالآخرة فقط وتركوا الدنيا وشؤونها وراء ظهورهم، وليسوا هم أولئك الضعفاء الفقراء، الزاهدين في متاع الدنيا، المعتزلين لأمور الحكم والسياسة والجيش، ولا يؤمنون بالعلوم والتكنولوجيا الحديثة، إن هذه أفكار سلبية دسّها الأجانب الحاقدون في صفوفنا وحاولوا بها إضعاف المسلمين من جهة، وتشويه وجه الإسلام المشرق من جهة ثانية.

إن المجتمع الإسلامي هو مجتمع القوة والإستقلال والثراء والتقدم في كافة المجالات العلمية والصناعية.

وهو مجتمع يبني حضارة متكاملة بكل أبعادها، غاية ما في الأمر أن كل ذلك ينبغي أن يتم في إطار مبادئ محددة في تعامله مع شؤون الحياة ومع المجتمعات الأخرى، تقوم على أساس الحلال والحرام الذي تقرره الشريعة الإسلامية وعلى أساس القيم والأخلاق الفاضلة.

--------------

1- نهج البلاغة، قسم الرسائل، الرقم53، من عهد الإمام علي، عليه السلام، إلى مالك الأشتر.

2- نهج البلاغة، قسم الرسائل، رقم27، من عهد الإمام عليه السلام، إلى محمد بن أبي بكر، لما ولاّه مصر.


ارسل لصديق