قبسٌ من (سورة النور) لِصَون المرأة
كتبه: فاطمة الحبيب
حرر في: 2014/03/20
القراءات: 1210

إن ثقافة الإسلام، ثقافة أصيلة، ومنظومته متكاملة للحياة البشرية، فهو دين صالح لكل زمان ومكان، يهدف إلى بناء مجتمع رسالي صالح وسعيد، ومتحرر من صنمية الذات، وعبودية الأهواء والبشر، لئلا ينجرف في التيارات المنحرفة التي غالباً ما تسعى لإغراقه في وحل الخطيئة والظلام. والتشريعات الأخلاقية هي قوانين إلهية يقوم عليها نظام الحياة البشرية، وعادة ما تقاس حضارات الأمم بمدى تمسكها بالنظام الأخلاقي الفاضل، الذي باركه الرب العظيم.

وحيث أن مكارم الأخلاق هي علامةً لكمال إيمان الفرد، فقد جاءت «سورة النور» المباركة لتسنّ جملة من القوانين الأخلاقية كي تصون الفرد والأسرة والمجتمع من الفساد والإنحراف، فيرتقي المجتمع بنور الوحي وتضيء بيوت المؤمنين بشعاع العلم والمعرفة. فتناولت محاور هذه السورة تشريعات أخلاقية على مستوى الفرد، والأسرة، والمجتمع، كغض البصر وصون الأعراض، ومقت الزنا ومعاقبة المعتدين على الحرمات، وآداب الزيارة. ويعد العفاف من أبرز وأهم مقومات المجتمع الإسلامي الفاضل، لذلك فإن الطعن فيه، هتك لحرمة الفرد والمجتمع.

و من أبرز المشكلات التي تواجه المجتمعات المؤمنة هي الإشاعة الباطلة، التي تهدف إلى النيل من وحدة المجتمع، والقرآن الكريم - في إطار استعراضه للمشكلات الاجتماعية وحلولها- يناقش قضية الإفك والإفتراء، ويؤكد على خطورتها على الفرد والمجتمع، لأنها تصدر عن عصبة طاغوتية، ضحلة في التفكير، غير مسؤولة، وتعاني من مشكلات وعقد نفسية، وتلهث وراء مصالح مادية ودنيوية رخيصة.

ويعد القذف أحد أشكال الإشاعة الباطلة، بل وأشدها خطرا وفتكا في جسد الأمة. لهذا أولى القرآن الكريم قضية رمي المحصنات اهتماما بالغا، لأن اتهام الناس في أعراضهم وتشويه سمعتهم فيه تعد على الشرف والكرامة، مما يفضي إلى إشاعة الفاحشة في المجتمع، فيسيطر الشك وتعم الريبة بين أبناء المجتمع. فاتخذ القرآن الكريم موقفا حازما من مطلقي هذه الشائعات ومروجيها، وتوعدهم بالعذاب الأليم، واللعن في الدنيا والآخرة. تقول الآية الكريمة: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} (سورة النور/ 4).

ويثبت القذف بالألفاظ الصريحة في عرف قائلها. قال الشيخ الطوسي في كتابه «النهاية»: إذا قال الرجل أو المرأة، كافرين كانا أو مسلمين، حرّين أو عبدين، بعد أن يكونا بالغين، لغيره من المسلمين البالغين الأحرار: يا زاني، أو يا لائط، أو يا منكوحا في دبره، أو قد زنيت، أو لطت، أو نكحت، أو ما معناه معنى هذا الكلام، بأي لغة كانت، بعد أن يكون عارفاً بها وبموضوعها وبفائدة اللفظة، وجب عليه الحد ثمانون جلدة... وكذلك إذا قال لامرأة: أنت زانية، أو قد زنيت، أو يا زانية، كان عليه أيضاً مثل ذلك، لا يختلف الحكم فيه.

ولأن القذف يعني رمي المحصنات الغافلات بسهام البغاء، وتمزيق المجتمع بحراب الخطيئة، فقد فرض الله عقوبة شديدة ووجه إنذارا قاسيا على الذين يرمون المحصنات دون أن يأتوا بأربعة شهداء عدول، شريطة أن يكونوا ممن شهدوا الحادثة بأم أعينهم. وقد جمعت هذه العقوبة بين عقوبتين؛ عقوبة مادية، وعقوبة معنوية.

تتمثل العقوبة المادية في الجلد ثمانين جلدة، فقد جاء في «وسائل الشيعة عن الإمام الصادق، عليه السلام، قَالَ: «الْقَاذِفُ يُجْلَدُ ثَمَانِينَ جَلْدَةً، وَلاَ تُقْبَلُ لَهُ شَهَادَةٌ أَبَداً إِلاَّ بَعْدَ التَّوْبَةِ أَوْ يُكْذِبَ نَفْسَهُ، فَإِنْ شَهِدَ لَهُ ثَلاَثَةٌ وَأَبَى وَاحِدٌ يُجْلَدُ الثَّلاَثَةُ وَلاَ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ حَتَّى يَقُولَ أَرْبَعَةٌ رَأَيْنَا مِثْلَ الْمِيلِ فِي الْمُكْحُلَةِ».

أما العقوبة المعنوية فتتمثل في رفض شهادة القاذف، والحكم عليه بالفسق؛ فمن يقذف المحصنات يخرج بذلك عن الحدود الشرعية، ما يفقده الأهلية للتصدي للقضايا الدينية والمدنية والقضائية والعرفية، والتي يشترط فيها العدالة كإمامة المسجد، والمرجعية، وثبوت الأهلة وغيرها.

فعلى المجتمع المؤمن أن يكون واعياً و رشيداً، فلا يقوم أفراده بتناقل هذه الشائعات ونشرها عن هوى أو جهل. بل لابد أن تحترم المرأة العفيفة الغافلة أشد الاحترام لأنها ابتعدت عن مواطن الريبة ومظان السوء وحصنت نفسها، كما ينبغي أن يلتف المجتمع حول قيادته لمعرفة أساليب مقاومة الشائعات ووأدها.

--------------------

* كاتبة من مدينة القطيف شرق السعودية


ارسل لصديق