يد العطاء وتحقيق السعادة
كتبه: الشيخ قاسم مظلوم عبد الله
حرر في: 2014/03/20
القراءات: 1358

«السعادة».. مفردةٌ وطموح وهدف سامٍ يبحث عنه المجتمع، فنجد الجميع يبحثون عن السعادة في حياتهم.

فالطالب في مسيرته التعليمية، والمهني في عمله والتاجر في مشاريعه، والســــــياسي في أدائه ومسؤوليته، وهكذا جميع شرائح المجتمع، كما نجد ان الجميع يتصور حالة من السعادة لنفسه، فيعد نفسه قد حققها في محيط عمله او اسرته، وهذه مسألة تنبع من فطرة الانسان وميله الى الاستقرار والأمان والعيش الكريم، وكل ما يندرج ضمن مفهوم «السعادة».

وبما أن «السعادة» تمثل اساساً او منطلقاً لحركة الانسان نحو التطور والنمو، نلاحظ السعي في كل الاتجاهات، لتحقيق السعادة، كونها تضع حدّاً لحالة البؤس والتعاسة وكل ما يندرج ضمن المفهوم المعاكس للسعادة، وهذا ما يجعل الكثير يبحثون ويحاولون تحقيق السعادة لانفسهم بكل الطرق والاساليب، فهي لا تأتي من الصدفة، إنما تأتي من ارادة وعزم وتصميم. فهناك من يتصور ان السعادة تأتي من الثروة والمال، فالانسان الثري هو الذي يكون سعيداً، فيما هناك من يتصور ان المصدر هو العلم والثقافة هما المصدر الوحيد للسعادة، بينما آخرون يتصورون أنها الصحة والسلامة البدنية والنشاط هي التي تبعث السعادة والسرور والارتياح في الانسان.

بيد أن الواقع الذي نعيشه، - بقطع النظر عن الحدود والأطر الجغرافية، فالحالة تصدق في كل مكان- لا نجد لهذه الانواع من السعادة المذكورة آنفاً، مصداقية او تطبيقاً عملياً، بل العكس نلاحظه.. فكل من يقول أنه سعيد، فهو يعاني من مشاكل وأزمات متعددة، في عائلته او محيط عمله، بل نلاحظ هذا حتى في أهل الحكم والمتنفذين واصحاب المليارات والحظوة وغيرهم، فهم ايضاً يعانون الأزمات والمنغّصات بحجم قدراتهم المالية والاجتماعية. فكثير من اصحاب الاموال والشهرة، لا يجدون راحتهم فيما يمتلكونه من وسائل ترفيه.

والسؤال هنا؛ لماذا لا يحقق هؤلاء السعادة لانفسهم رغم ما يمتلكونه..؟

التجارب أثبتت أن حالة الأنانية وحب الذات هي التي تحول دون أن ينجح الانسان في تحقيق سعادته، كما أثبتت أن مشاركة الانسان السعادة مع الآخرين، هي التي تحقق له مايريد من السعادة والارتياح والاستقرار. فالسعادة كالحب، لا تأخذه إلا اذا اعطيته. فلا يمكنك ان تعيش سعيداً إلا اذا أسعدت الآخرين. يقول الامام علي عليه السلام: «ان أحسن الناس عيشاً من حسُن عيش الناس في عيشه». فالسعادة ترفض الاحتكار وتزدهر بالعطاء.

وقد بشر بالعمل «الصالح - الصامت» كل الانبياء والأولياء، لاسيما المعصومين، عليهم السلام، وذلك لسبب التأثير الكبير الذي يتركه هذا العمل على الانسان نفسه، كما يتركه على الانسان المستفيد من العطاء، وهذا بحد ذاته يمثل درساً بليغاً لنا أن نقتدي بهم في ممارسة العطاء والإحسان للمحتاجين، بل حتى اخواننا والقريبين منّا، بهدف نشر السعادة والسرور في اوساطهم.

ثم إن القرآن الكريم يؤكد لنا هذه الحقيقة: «.. فما تفعلوه من خير يعلمه الله وتزودوا فان خير الزاد التقوى، فاتقون يا أولي الألباب». فالله تعالى هو الناظر الاول والاخير إلى اعمال البر والإحسان، وهذا كفيل بأن يحقق لنا الهدف الأسمى وهو تحقيق السعادة لنا شخصياً وللآخرين.

وهكذا يرسم لنا القرآن الكريم وأهل البيت عليهم السلام، خارطة طريق نحو نشر السعادة الحقيقية في المجتمع، وذلك من خلال مبدأ «صدقة السر» تقول الآية الكريمة: «إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتأتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم والله بما تعملون خبير».

فمن يريد تحقيق السعادة لنفسه - وهوحق طبيعي - عليه أن يلتفت الى القرآن الكريم وأهل البيت، عليهم السلام، كيف أنهم عاشوا سعداء في حياتهم، رغم التهديدات والأزمات والمطاردات التي عاشوها في ظل أنظمة الجور والطغيان، وكذلك كان يفعل اتباعهم من الصالحين والمجاهدين في سبيل الله، في طليعتهم الصحابي الجليل والكبير، أبو ذر الغفاري الذي كان يعطي كل ما يأتي بيده، الى الفقراء رغم حاجته الى المال والراحة..

ورد في التاريخ أن معاوية حاول ذات مرة استمالة أبي ذر خلال وجوده في الشام، بعد إبعاده من قبل عثمان، فقدم له مبلغاً من المال في محاولة بائسة لاسكات صوته الصادح بالحق وفضح المفسدين، وما أن وصل المال بيد أبي ذر، سارع الى توزيعه على فقراء الشام، ولما سمع معاوية تلاوة الآية القرآنية التي تدين الذين يكنزون الذهب والفضة من قبل أبي ذر مرة ثانية، شعر بالغضب وطالب باستعادة المال، فلما طلب الرسول من أبي ذر المال، اجابه: ابلغ صاحبك بأني وزعت المال كله على الفقراء!

وفي وضعنا الراهن، هنالك اعداد كبيرة من الشريحة الفقيرة التي تفكر هي ايضاً بالسعادة كما يفكر الآخرون ويبحثون عنها، فهم ينتظرون الأيادي البيضاء التي تشاركهم فرحهم وسرورهم بإزالة حالة العوز والحاجة وبالتالي الحصول على شيء من السعادة وليس كلها. وإن كان العطاء بشيء بسيط يرفع عن كاهلهم عبء تكاليف الحياة الصعبة.

فاذا قلنا وآمنا بأن سعادة الفرد تتحقق بإسعاد الآخرين، فما هو الطريق نحو الآخرين لآسعادهم..؟

 

* طرق الوصول الى الآخرين

هنالك طرق عديدة لإدخال السعادة على الآخرين، نذكر منها:

1- قرر العطاء للناس وخدمتهم.

من الضروري أن تجعل خدمة الناس من مكونات شخصيتك، وذلك عن طريق جعل مساعدة الآخرين عملاً يومياً تؤديه. وهناك مقولة قديمة: «إن العطاء هو نفس الجائزة». وهذا حقيقي بالفعل، فعندما تعطي فانت تأخذ ايضاً، وما تأخذ يتناسب مع ما تعطيه، فكلما اعطيت اكثر باساليبك الفريدة، ستنتابك مشاعر السلام الداخلية، اكثر مما تتخيل، فان الجميع في هذه العملية فائزون خصوصاً أنت.

2- انفتح على الناس حتى ولو لم تعرفهم

ان الانفتاح على الناس من الاسباب الرئيسية بالشعور بالرضا والأمن، وهما من اهم عوامل السعادة ايضاً، فسوف تلاحظ ان الناس يصبحون لطفاء معك، بشرط ان تحافظ على تواصلك معهم، وعندما تدرك ان الناس جميعهم متشابهون، فهنا سوف ترى البراءة في عيونهم، تكون مصحوبة بشعور عميق بالسلامة الداخلية.

3- النظر الى الناس وكأنك رحيمٌ بهم.

ان الشفقة ممكن تنميتها بالممارســــة، وهــــي تشــــمل أمرين: النية والفعل، والنية ببساطة، أن ينفتح قلبك للآخرين وتمدهم بما يحتاجونه مهما كان، أما الفعل فهو ببساطة - ايضاً- فهو ما تفعله لتنفيذ ذلك، فقد تمنح ابتسامة لطيفة او تحية خالصة من القلب لمن تقابله فيما بينهم، كما أن الشفقة تنمو بالعرفان والجميل.

4- عندما تقوم بالمعروف للناس، لا تتوقع الجزاء مقابله. فالذي يطلب الجزاء على خدماته للناس لن يحصل على الشعور بالرضا الذي هو لباب السعادة الحقّة.

يقول احد الكتاب: عندما تقدم عملاً لشخص ما، لمجرد رغبتك في خدمته فقط، ستلاحظ شعوراً جميلاً بالسكينة والهدوء.

5- تخلّص من الأنانية وحب التميّز

فمن يريد ان يكون دائماً اعظم من الناس واكبر منهم، لن يشعر بالهدوء والطمأنينة، بل يشعر عكس ذلك، ستكون لديه الحاجة الملحّة الى كسب انتباه الآخرين.

وبالرغم من أن هذه الصفة او الحالة الذميمة، من الصعب على صاحبها التخلص منها، لكن هذا لا يعني ان من المستحيل على الانسان الأناني التحول الى حب الآخرين، لاسيما وأن مجرد عملية التخلّص من هذه الصفة الذميمة، يدخل الطمأنينة والسكنية في نفسه، ويصبح عنصراً فاعلاً ومتفاعلاً مع الآخرين، وذلك من خلال تقاسم المكاسب بينك وبين الاخرين. فبدلاً من التحدّث عن نفسك ومكاسبك، دع الآخرين يتحدثون ايضاً عن مكاسبهم وافكارهم وغير ذلك..

فالشخص الذي تتحدث اليه سوف يشعر بمزيد من السعادة لانك كنت حاضر الذهن، بدرجة اكبر، وكنت تصغي بحرص اكثر، وسوف لا يشعر بالتنافس بينكما، والنتيجة أن الشخص سيشعر بمزيد من الارتياح وتزداد ثقته بنفسه، ويجعل حديثه اكثر تشويقاً كأنما انت ايضاً سوف تشعر بمزيد من الارتياح، لانك لن تتوتر انتظاراً لدورك في الحديث.

---------------

* مقتبس من كتاب «كيف تتمتع بحياتك وتعيش سعيداً» لسماحة آية الله السيد هادي المدرسي - حفظه الله-.


ارسل لصديق