التقوى طريق النجاح
كتبه: مرتضى محمد
حرر في: 2014/03/20
القراءات: 1217

«التقوى».. من حيث اللفظ تعني الوقاية والحصانة من شيء ما، فهناك من يتقي النار او الصعقة الكهربائية او أي نوع من المخاطر والمهالك، كما تعني ايضاً من حيث المفهوم، حماية النفس الانسانية من مخاطر الانزلاق نحو الانحراف، وهذا يتعرض له جميع افراد المجتمع، لكن من يمتلك اسباب القوة المادية او العلمية او السلطة الحكومية، تكون حاجته اكثر بكثير من سائر الناس الذين يريدون قضاء حوائجهم من عالم الدين او المسؤول في الدولة او غيره.

فمن يريد تأدية اعماله ومهامه بالشكل الصحيح والكامل لابد له من التحصّن بهذه الصفة الروحية، لانها تضمن له نجاح عمله بعد ان يكون قد نجح في تحصين نفسه من الزلل والانحراف، لذا نلاحظ المسؤول الفاشل في عمله او الذي يتخبط في أدائه ويتدرج في الانحراف، يكون بالضرورة أبعد من غيره عن «التقوى».

لكن ما علاقة الفشل في العمل او نجاحه بالتقوى؟ فالعمل مسألة مادية ملموسة، بينما «التقوى» صفة معنوية في كوامن الانسان..

عندما أرسل الله تعالى انبياءه الى البشر وخاتمهم النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، إنما تضمّن في رسالاتهم التعاليم والاحكام التي تصبّ في مصلحتهم بالدرجة الاولى. ومنها «التقوى»، فهذه الصفة تساعد الانسان على تجنب الخطأ والزلل في تعامله مع الناس، وتجعله متوازناً في سلوكه ومواقفه، وكلما كانت مسؤوليته اكبر، كأن يكون في منصب اداري كبير، او يحمل صفة عالم دين في مؤسسة خيرية او ثقافية او غير ذلك.

ليس هذا فحسب؛ بل ان هذه الصفة الروحية (التقوى) لها فوائد على المدى البعيد ايضاً، فربما يتصور البعض ان بامكانه الحصول على مكاسب معينة خلال عمله باتباع طرق ملتوية وغير شرعية، فان القرآن الكريم يؤكد لنا عكس هذه المعادلة الخاطئة، تقول الآية الكريمة: «من يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب». بمعنى أن التقوى تعطي لصاحبها النظرة الايجابية للمستقبل، ولا يتشاءم من كونه ملتزماً بالتعاليم الدينية، ثم ان الله يبارك للمتقين اعمالهم ويسدد خطواتهم لتحقيق الغايات الأسمى، و أولها رضا الله عزوجل.

و ربّ سائل يسأل عن هوية المتقين.. من هم؟

أمير المؤمنين، عليه السلام، خير من يبين لنا هوية المتقين. فقد جاء في «خطبة المتقين»: «.. لا يرضون من اعماله القليل، ويستكثرون الكثير. فهم لانفسهم متهمون، ومن أعمالهم مشفقون، أذا زُكي أحدهم، خاف مما يقال له، فيقول: أنا أعلم بنفسي من غيري, وربي أعلم بي من نفسي. اللهم لا تؤاخذني بما يقولون, واجعلني أفضل مما يظنون ,واغفر لي ما لا يعملون..».

من هنا يريد الاسلام، وعلى لسان الامام علي، عليه السلام، أن يعلمنا ان نكون على قدر المسؤولية، و نكون قدوة في المجتمع. وما نلاحظه اليوم في العراق وفي بلاد اخرى، من تراجع في الالتزامات الدينية وتخلً عن القيم الاخلاقية وحتى الانسانية، فان مردّ ذلك الى تبرّم المجتمع من نخبته المثقفة والمتعلمة التي تمارس كل انواع الانحراف والخطيئة ثم تأمر الناس بالطاعة والتفاعل والتفهّم. وكما يقول القائل: «الناس على دين ملوكهم». فالعامة من الناس تأخذ قدراً كبيراً من طباعها وسلوكها من النخبة الحاكمة. وهذا مصداق الحديث النبوي الشريف: «اثنان اذا صلحا صلحت الأمة، واذا فسدا فسدت الأمة.. العلماء والأمراء».

من هنا نفهم حاجتنا الى هذه الصفة الاخلاقية والروحية في جميع اعمالنا ومرافق حياتنا، لا أن نحصرها في فئة معينة من الملتزمين بشدة بالتعاليم والاحكام الدينية، ولا ان يكون للتقوى مكان خاص، مثل المسجد او الحوزة العلمية او العتبات المقدسة خلال فترة الزيارة او حتى خلال الفرائض العبادية مثل شهر رمضان المبارك، او في خلال أداء مراسيم الحج وغيرها، انما تكون خصلة في النفس تقوم بعمل التقويم الدائم للسلوك والمواقف والاحكام بما يرضي الله تعالى وعباده.


ارسل لصديق