حاجتنا الى الانبعاث الفكري الجديد..
كتبه: رئيس التحرير
حرر في: 2014/06/03
القراءات: 658

الفكر.. هذه المادة التي تصوغ المنظومة الثقافية للانسان، وتبث فيه الروح والحركة وتجعله يتحرك وفق قناعات خاصة في شتى مناحي الحياة، واحياناً تأخذ طابع التقديس. ويضحي هذا الانسان من أجلها. أليس كذلك؟!

وفي الوقت الحاضر، عندما تعترض المشاكل والازمات حياة الناس، في المجالات والميادين كافة، فإن السبب الرئيس الذي يثور في أذهانهم هو «الثقافة»، في فقدان النظافة العامة - مثلاً-  أو الأمن أو الصحة أو احترام الآخرين وغيرها من مقومات الحياة الطبيعية، وهو تقييم متقدم في رؤية الشعوب، ومنهم الشعب العراقي، فالمشكلة اليوم، لم تعد في «البلدية» او في «الوزارة» او في «الحكومة» بشكل مطلق، كما كان عليه التقييم في عهد الجاهلية السياسية والغياب الجماهيري عن الساحة، إنما في منظومة متكاملة من الاخلاق والقوانين والضوابط تستقي عناصر حياتها من الفكر المطابق لطبيعة هذه المنظومة.. فان كان ايجابياً، بناءً، كانت المنظومة كذلك، والعكس بالعكس طبعاً.

وإذن؛ فان «ثقافة العنف» أو «ثقاقة اللامسؤولية» - على سبيل المثال لا الحصر- تدلنا على وجود إطار فكري قولب هذه الثقافة، ويسعى لإعطائها من الفاعلية والقوة للانتشار والتوغل في النفوس والطباع والسلوك، حتى تكون أمراً مألوفاً، بل لازماً للحياة الطبيعية. فالاحترام بين أهل المحلّة السكنية، او الحصول على فرصة العمل، او تحقيق مكسب سياسي، وكل ما يحتاجه الانسان في حياته، يفترض بصاحبه أن يتسلح بثقافة العنف او ترويع الطرف المقابل، وحسب المثل الشائع: «ان تتغدى به خير من أن يتعشى بك..»!

ربما يغيب عن البعض أن هذا الفكر هو نفسه الذي حاربه بشدة رسول الله، صلى الله عليه وآله، منذ بعثته الشريفة وانطلاق دعوته الرسالية الخالدة في مكة والمدينة، وسعى لقتله والقضاء عليه، بسلاح الفكر الرسالي التقدمي والمضيء، اكثر مما سعى لقتل هذا العدو المشرك او ذاك. ثم علينا أن نتذكر دائماً أن انتشار الاسلام في العهود الاسلامية الاولى في ارجاء العالم، وما حققه المسلمون من تقدم علمي خارق، وارتقاء سامٍ في المعارف والفنون والآداب، كان بفضل ذلك الفكر الانساني والرسالي، وهذا تحديداً هو الذي جعل الأمم والحضارات في العهود الاولى للانحناء امام مسيرة الحضارة الاسلامية.

ورب سائل يحاجج بوجود مفكرين ومنظرين حملوا الهمّ الاسلامي طيلة العقود الماضية، فبذلوا الجهود الجبارة وكتبوا ونشروا وعملوا بجدٍ وتفانٍ، وقد دفع بعضهم حياتهم ثمناً للفكر الذي يحمله، بيد أن العبرة بالنتائج، فنحن من يسأل عن مدى استفادة الامة فيما مضى من الزمن، مما طُرح من فكر سياسي او اجتماعي او اقتصادي في تحقيق اهداف الناس بالعيش الكريم؟ وإن كان كذلك، فلماذا عاشت الشعوب الاسلامية طيلة حوالي قرن من الزمن في ظل أنظمة حكم أعادته الى أيام الجاهلية التي سبقت بزوغ فجر الاسلام؟ وما الذي يفسّر وجود حكام، مثل «القذافي» أو «صدام» أو «مبارك» وغيرهم، وحتى من كان قبلهم في الحكم؟

نعم؛ هؤلاء لم يكونوا ليتسيّدوا على  الشعوب لولا افكار مستوردة أضفوا عليها مسحة من «الوطنية» لإزالة الريبة عنها، استندوا اليها في نشر ثقافتهم بين الاطفال والنساء والعمال والفلاحين والمثقفين وحتى الأميين الطاعنين في السنّ. بيد أن الشرط الأهم في ذلك النجاح، كان في الفراغ الفكري الذي عانت منه الأمة قبل أن تعاني وطأة تلكم الافكار الغريبة عن هويته وحضارته وتقاليده، وهو اليوم يعاني الأمرين؛ من آثار وترسبات الفكر الديكتاتوري (الجاهلي) - إن صح التعبير- ومن ضعف البديل الموجود. الامر الذي يدعونا اليوم قبل غداً لنتدبر الأمر قبل أن تزداد خسائرنا على ما تكبدناه، ونتوجه نحو مصادر وينابيع الفكر الأصيل، وهو ليس ببعيد عنّا، عندما نتصفح الكتاب المجيد، ونقلب صفحات نهج البلاغة وايضاً السيرة العطرة لأهل البيت، عليه السلام. فاذا كان مصدرنا الفكر المتصل بالسماء، حيث لا تشوبه شائبة، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، عندئذ نكون على قاعدة رصينة تمكننا من الانبعاث الفكري الجديد، ليس فقط لما يفيدنا لتنظيم حياتنا ويخلصها من العنف والكراهية والفساد، وإنما نستشرف بها المستقبل لما يحقق لنا التقدم في مجالات الحياة كافة.


ارسل لصديق