الحوزة العلمية والانبعاث الحضاري .. الهواجس واستحقاقات المرحلة
كتبه: الشيخ عبد الحسن الفراتي
حرر في: 2014/06/04
القراءات: 904

تقوم الحوزات العلمية، بدور كبير وجبّار في المجتمع الاسلامي، في سياق انبعاثها الجديد حسب مقتضيات المواكبة لمتطلبات العصر، ويكفينا تصور عدم وجودها لنعرف حجم الدور العظيم الذي تقوم به حالياً.

لكن هنا سؤال يفرضه الجانب الروحي والفقهي من الدين: هل استطاعت الحوزة ان تواكب الحياة و تستجيب للواقع؟

 

* فهم خاطئ وتديّن منفعل

طبعاً؛ بالامكان طرح السؤال بصيغة أخرى: هل تتمكن الحوزة العلمية أن تتخطّى واقع المجتمع الاسلامي، وتحمله في مسيرة التقدم، من منطلق كونها في مقدمة المسيرة كما هو معلن في جدول برامجها..؟ أم انها تسايره أم متأخرة عنه؟

للاجـــــــابة لابــــــــــد من الاشــــــــارة الى ملاحظتين:

أولاً: إن الـــــــــــــــدين طمأنينة فردية و اجتماعيــــــــــــة، {أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} (سورة الرعد/28)، فاذا كان الحال كذلك، لماذا إذن؛ تحول الدين (السكينة)، الى عامل توتر؟ ولماذا ينتج عند بعضنا متدينا منفعلاً ومتوتراً؟ ولماذا بات التدين مشروع مخاصمة، وليس مشروع مصالحة؟ ولماذا بات التدين معاداة، مع انه - بالحقيقة - مؤاخاة؟ ولماذا بات التدين قلقاً من الآخر المشارك في العقيدة، بعد ان كان يفترض ان يكون حُسن الظن به ليعكس هدوءً في العلاقة معه؟ ولماذا صار التدين ظلماً وهدراً للحقوق باسم الدين ومحاربة البدعة والضلالة بعد ان كان رمزاً للعدالة حتى في حق من تختصم معهم. كما يقول القرآن الكريم؟

فهل كل هذه المشكلات الناشئة من تحول الدين من سياق طمأنينة واستقرار الى سياق توتر وانفجار، سببها الواقع، أم فهمنا المترهل للدين نفسه؟

 في تقديرنا: أن القضية متعددة الاسباب، و أحد أهم اسبابها، المنتج المعرفي الديني الذي بات يولد احياناً أنموذجاً غير سوي للتدين، وهذا يعني ان المؤسسة الدينية مطالبة بمعالجة عدم التناسق بين الاطار الروحي العام الذي ينتجه الدين في علاقاته بين ابنائه، وبين فهم الدين نفسه، الذي بات يخلق تديناً منفعلاً في الداخل الايماني، بصرف النظر عن العلاقة مع العدو الكافر!

لقد جاء الدين حلاً لمشكلات الانسان و أكبر خطأ نرتكبه عندما نحوله الى ان يصبح هو المشكلة التي نعاني منها في حياتنا.

ثانياً: يقول الفقهاء المسلمون - كما هو معروف بينهم- أن في الشريعة أحكام كل الوقائع السابقة والحادثة، ويؤكدون أن تطور الفقة، ناتجٌ عن استجابته لتساؤلات الواقع التي اخذت طريقها شيئاً فشيئاً الى البنية الداخلية للاجتهاد الفقهي.

والسؤال هنا: ان قضــــــايا الـــــــدولة الاسلامية الحديثة والقــــــوانين المدنية والجزائية والجنائية والاقتصادية ومسأئل الاقتصاد والتجارة وغيرها.. كلها تُعد اليوم وقائع حادثة، ترفدنا كل يوم بالجديد من التساؤلات والامور، فهل كانت الاستجابة لهذه التساؤلات مُرضية وبالمستوى المطلوب أم لا؟

في تقديرنا، ان الامر لم يكن كذلك، وهذا كلام يعود لمن خاضوا لفترة طولية، التجربة القانونية في الدولة الاسلامية وخبروا مآزق القوانين ومشاكلها.

ولا نُذع سراً اذا قلنا: ان عدد الفقهاء الذين يتصدون لمعالجة مثل هذه القضايا الجديدة والمستحدثة، قليلٌ بالنسبة الى حجم التساؤلات و التحديات. فهنالك مجالان نحن مطالبون بالاشتغال عليهما اليوم: مجال إعادة النظر في الاجتهادات السابقة وفقاً لأصول الاجتهاد الجديد المتحرر من ثقافة الاجماع والشهرة والسلف والاحتياط وغير ذلك، وهو مجال مهم جداً. ومجال الاشتغال على القضايا الجديدة المستحدثة.

ولو اخذنا المجال الثاني، وتخطينا المجال الاول الذي يعاني من مشاكله الخاصة، لوجدنا حجم المنجز من قبل الفقهاء قليلاً بالقياس للواقع، وان كان كثيراً في حد نفسه.

ولو قام باحث بقراءة دروس وتقريرات البحث الخارج في الحوزات العلمية اليوم، لرأى ما يشهد على ذلك، حيث دروس مباحث العبادات تملأ الاجواء، وكذا بعض دروس المعاملات، بينما دروس المعاملات الجديدة وفق المستجدات والنوازل فهي اقل.

طبعاً؛ لا نعني هنا القول بعدم وجود عمل في هذا المجال، حتى لا نظلم احداً ولا نبخس الناس أشياءهم.. إنما نقول: إن المقارنة بين الواقع والاستجابة، وبين المقارنة بين المكرر وغيره، تعطينا مؤشراً على ان الامور لا تسير بالاتجاه المطلوب ولا تحقق لنا النمو والتقدم في الحوزة العلمية.

إن طلاب علوم الشريعة في الجامعات، عندما يسعون لتقديم رسالة «الماجستير» - مثلاً - ويحرصون أن يكون العنوان جديداً، فانهم يلاحظون وفرةً في المصادر العلمية لدى ابناء العامة، بدرجة اكبر مما يلاحظونه على المستوى الشيعي، وهذا كلام ناتج عن تجربة بصرف النظر عن ان المنجز السني الى أي حد يَحظى بجدية بحثية، أو مصداقية، حيث وجدنا ايضاً بعض أبرز الجامعات الدينية السنية يغلب على رسائلها البحثية والتخرجية طابع نقل النصوص وجمع كلمات المتقدمين اكثر من حل مشكلة او معالجة موضوع بشكل حقيقي.

الذي نلاحظه ان هنالك مجموعة شبابية - حوزوية، تعمل تحت نطاق مؤسسات بحثية تحاول ان تستجيب للوضع، اما الجسم المركزي الذي يمثل الجهاز العصبي في الحوزة العلمية، فلا يملك هذه المواكبة بالدرجة المطلوبة، ومشكلة الحوزة اليوم ان عديد المؤسسات البحثية تقع على هامش حركة الجسم التقليدي الذي يشكل العصب الحيوي.

 

* العزلة وعدم التصدّي.. جذورها..

وفي السياق ذاته قد يتساءل الكثير؛ لماذا نرى ان الغالبية من كبار المراجع والعلماء في الحوزات العلمية، في عزلة عن الواقع الاجتماعي والسياسي في الوقت الذي ينشد الجميع انبعاثاً جديداً في الحوزة العلمية؟

للإجابة لابد من القول: انه ينبغي التفتيش عن اسباب هذه الظاهرة في الارث التاريخي الطويل، فمن وجهة نظر الكثيرين، انه يمكن تقسيم المذاهب الاسلامية - بحسب الغالب طبعاً- الى: مذهب سلطة، ومذهب معارضة، ومذهب حياد.

فمذهب الجمهور، هو مذهب السلطة عادة - وان كان هذا الكلام ليس على اطلاقه- فيما الاسماعيلية والزيدية هي مذهب معارضة، أما الامامية، فطوال القرون التسعة الهجرية الاولى، كانت في الغالب مذاهب اعتزال وحياد، فلم تتدخل في العمل السياسي ولا في العمل الاسلامي العام، على خلاف فقهاء السلطة وفقهاء المعارضة.

وقد لا نتفق مع الذين يضعون كل مذاهب الشيعة في اطار ثقافة المعارضة، ذلك لان المعارضة هي شكل من اشكال العمل السياسي، ما لم نقصد بالكلمة، عدم موافقة السلطة، وأن إصدار فقيه وعالم دين وفي كل قرن، موقفاً ما، فلا يعني ان هذا المذهب له تاريخه السياسي في عمل المعارضة او نحوها.

ولعل اول مشاركة عامة للفقيه في العمل السياسي، كانت في العصر الصفوي مع بعض «العامليين» الذين تصدوا لأمر مساندة الدولة الصفوية، كالشيخ الكركي (940هـ)، لكن كل من يطلع على احداث العهد الصفوي، يعرف ان مشاركة بعض الفقهاء كانت محل خلاف كبير في المؤسسة الدينية، حيث جوبهت بالرفض من قبل الكثير من قبل علماء الدين، رغم إلحاح سلاطين الصفوية عليهم وتقديم كل اشكال الدعم لهم، ولكن التحفظ كان هو الجواب، كما حصل مع الشيخ الأردبيلي.

ولم نجد العمل السياسي المعلن إلا في عهد الاستعمار، فمنذ بدايات القرن التاسع عشر بدأنا نجد ظهوراً لحركة - وليس الافراد- تهتم بالشأن العام، وغالباً كانت مقاصد هؤلاء واهدافهم - في البدايات- أما سياسة مطلبية، او سياسة جهادية ضد الاستعمار ولم يكن هنالك مشروع ذو رؤية سياسية وحضور متواصل في الحياة الاجتماعية، إلا مع دخولنا القرن العشرين في تجربة الآخوند الخراساني، و الميرزا النائيني، والشيخ فضل الله النوري، والشيخ محمد تقي الحائري الشيرازي، وقبله الميرزا السيد محمد حسن الشيرازي الكبير و أمثالهم.

وقد رأينا كيف ان الميرزا النائيني نفسه، أخفى كل اوراق هذه التجربة وكأنه تراجع عنها وسحب مع بعض الفقهاء الآخرين كل اشكال المعارضة للنظام الملكي في ايران (القاجاري)، تاركاً الحركة الدستورية آنذاك، تأخذ مساراتها الجديدة، وقد ادى فشل علماء الدين في الامساك بالامور في الحركة الدستورية، الى خيبة أمل غالباً ما تعزز المطالبة بالعودة الى ثقافة الانكفاء، ولهذا لم نجد حضوراً يذكر منذ هذه الحركة الى زمن «ثورة مصدق» والشيخ الكاشاني في الخمسينيات، باستثناء تجربة الشهيد السيد حسن المدرس، في محاولاته تقويم الأداء البرلماني، كونه أحد النواب في البرلمان الايراني آنذاك، واذا كان هنالك حراك سياسي في الساحة، فكان في إطار المطالبة بتطبيق الاحكام الشرعية والمظاهر الدينية، مثل التصدّي لمحاربة الحجاب وإشاعة السفور، ومواجهة الانحراف عن الدين وما شابه ذلك.

وبحركة الامام الخميني الى جانب حركة الامام موسى الصدر في لبنان، وحركة السيد الشهيد محمد باقر الصدر، في العراق، وكذلك حركة أسرة آل الشيرازي في جانبها السياسي، مضافاً الى نهضة السيد المرجع المدرسي، وتياره الفكري والثقافي، يمكن القول بأن الفقية الشيعي دخل مرحلة جديدة وخرج من العزلة والانكفاء والاكتفاء باصدار بيان سنوي في المناسبات الدينية، الى مرحلة المواكبة السياسية والاجتماعية المتواصلة على صعيد الشأن العام.

 

* تبريرات لا تصمد أمام الاستحقاق

لقد رأينا انه رغم كل هذا الذي حصل، ما يزال الارث التاريخي يشد كثيرين لرفض كل هذا الواقع الجديد وقد تعزز هذا الصوت بالحركات النقدية الجديدة التي باتت ترى الدين شكلاً روحياً وفردياً، وتراجعت عن وصفه مشروعاً سياسياً واجتماعياً.

هذا التسلسل التاريخي، سارت الى جانبه تنظيرات ومقولات من نوع فكرة «أن الشيعة لا عودة لهم إلا بظهور الامام المهدي، عجل الله فرجه الشريف»! وان الانتظار يتطلب عدم التصدّي للأمور العامة، يضاف اليها الفهم الخاطئ لفكرة «التقية».

يضاف الى ذلك، ما يراه بعضهم من أن تصدّي الفقيه للشأن العام، وزيادة تواصله المباشر مع الجماهير، يمكنه ان يقلل من وهج الصورة المقدسة في الوعي العام عن المرجعيات الدينية، وهذه حقيقة قائمة في بعض الاوساط، فكلما قلّ الظهور، ترسخت في الاذهان الصورة المقدسة لعالم الدين، بدعوى ان الظهور المتزايد في الساحة والاحتكاك بالناس، يعرض صاحبه للنقد والمسائلة والمناقشة، وهذا ما كان يشير اليه بعض المراجع المتصدين، عندما كانوا ينتقدون التصورات المغلوطة التي تجعل المتصدي للشأن العام متورطاً بالمشاكل و الأزمات، فيما المنعزل والمنكفئ طاهراً مقدساً..! فالذي لا يعمل لا يخطئ، لانه لا يعمل بالاساس، وليس عنده إلا خطأ واحد، هو عدم العمل، أما من يعمل فمن الطبيعي ان تظهر أخطاؤه، استناداً الى مبدأ عدم وجود العصمة بيننا سوى للإمام الحجة المنتظر - عجل الله فرجه.

وقد يذهب البعض أبعد من ذلك في اعتقاده، أن تبرير بعض الفقهاء في عدم التصدّي لقضايا الأمة، اعترافه في قرارة نفسه بأن التصدي اليوم بات عملية معقدة وتحتاج للكثير من الشروط واللوازم غير المتوفرة فيه، وفي محيطه الخاص، لهذا فهو يتهيّب من المجهول وتبعاته.

كما أن هناك عنصراً آخر ينبغي ان لا ننساه، وهو ان تصدي بعض الفقهاء، يصور لبعضهم الآخر، بأن تصديه شخصياً، ربما يفسر على أنه نوعاً من المنافسة والمزايدة على الآخرين.

ولأن البعض يشير الى أن واقعنا لا يسمح كثيراً بالتعددية الاستقطابية على صعيد السياسة والفكر والاجتماع، لذا يخشى الفقيه من أن يكون حضوره السياسي و الاجتماعي، أو إبداء رأي او موقف معين، سبباً في تقاطعه مع رموز أو تيارات اخرى فاعلة في الساحة، ربما يختلف معها في الفكر والممارسة كليةً او جزئية، وهذا ما يساعد ايضاً على انكفاء عدد من الفقهاء والعلماء. تأسيساً على ما سبق. ان الحوزات العلمية وعلى رأسها المراجع العظام، وفي طريق تعزيز وتأصيل الانبعاث الحضاري في الامة فكرياً واجتماعياً وسياسياً، أضحى - كما هو ملموساً اليوم- أمراً مطلوباً واستحقاقاً لامناصّ منه في المعترك الحضاري لتبيين آفاق النظرية الاسلامية لبناء وتشييد صرح الامة من جديد.


ارسل لصديق