التوكّل.. وقود المؤمن ومنطلق القيم
كتبه: الشيخ فارس الجبوري
حرر في: 2014/06/04
القراءات: 1135

من الكلمات والمعاني التي جاء التأكيد عليها في القرآن الكريم، والاشارة الى اهميتها وعظمتها - والتي طالما نلهج بها ونرددها على السنتنا دون التوجه والالتفات الى مغزاها ومعناها العميق، وآثارها النفسية والاجتماعية - هي كلمة «التوكل»، والتي يُراد بها، «التوكل على الله تعالى»، الذي هو باب كل مفتاح موصد، وسلّم الانسان الذي يعرج به الى الله تعالى، وتحمل الذات من الانحطاط الى الرقي و الى قيم السماء.

 

* التوكل على الله منطلق القيم

إن التوكل على الله رأس كل خير، وسبب كل فضيلة. والتوكل عليه تعالى، والثقة بنصره، تمثل بداية انطلاقة الانسان؛ لأنه عندما يجد نفسه في صراع محتدم بين شهواته وعقله، وبين عادات مجتمعه، و رؤى علمه ومعرفته، حينئذ لا يملك إلا قدرة واحدة يستطيع التشبث بها، وبها يغير المعادلة لصالحه، ويحسم الصراع لمصلحته، وهذه القوة هي قوة الله تعالى. فاذا توكل على الله، وعرف بانه القادر على انقاذك، واستعذت به واستجرت؛ فانك ستجد النصر الالهي ينهال عليك، ويحيط بك، ويعطيك قوة لا يمكن لإي قوة في الارض ان تواجهها. فكيف لانسان ان يصدق في موقف لا تعلم عاقبة قول الصدق فيه، إن لم يتوكل على الله، ويثق به وبقدرته تعالى؟! وكيف للصالحين ان يبذلوا الجهود العظيمة لإصلاح شعوب متخلفة، لولا التوكل؟ وكيف لانسان ان يغير نفسه بعد يأس عظيم، لولا التوكل؟! وكيف لفئة مؤمنة ضعيفة ان ترابط، وتثبت وتواجه جمعاً من الكافرين، لولا التوكّل؟! إن نماذج التوكّل لدى المسلمين ما زالت حيّة وهم قلة مستضعفة أيام بدر وأُحد والاحزاب، وكذا صور الثبات لاصحاب الامام علي، عليه السلام، واصحاب الحسين واهل بيته، عليهم السلام، حيّة في النفوس.

 

* التوكّل موسوعة جامعة

صحيح، ان التوكل كلمة صغيرة ولكنها في الحقيقة عالم كبير، وموسوعة علمية مترامية في اطرافها وآفاقها. وعند التوغل في اعماق معانيها، وسبر أغوارها، سوف نلمس تلك الفوائد العظيمة، والمكاسب الهائلة التي حملتها هذه الكلمات المباركة المتضمنة للمعاني الزاخرة بالعطاء. فالتوكل موسوعة  كاملة وجامعة؛ ذلك ان هذه الصفة تشتمل على ثلاثة ابعاد رئيسية:

1- التوكل يفجّر المعنويات العالية، فالإنسان بحاجة دائمة الى شحن ذاته بالثقة والمعنويات العالية والشجاعة؛ لتجاوز حالات الخوف، وتحديها. فالخوف حالة متأصلة وغريزة فطرية في الانسان، فهي مغروزة فيه منذ ان خُلق ومكث في الارض؛ فبات يخشى الطبيعة وظواهرها وغرائبها، وراح يهابها ويحذر منها. وهكذا فان خوفه من الطبيعة يجعله يعيش في اطار التفكير الضيق. فكان التوكل على الله تعالى سبباً لشحن الأنفس بالثقة والشجاعة؛ من خلال رجوعها الى ربها واعتمادها عليه، والاستعانة و الاستعاذة به. هذه الاستعانة هي استحضار لقدرة الله تعالى في الذهن،  فالحضور الذهني عند تلك العظمة الهائلة التي شملت ووسعت كل شيء في الوجود، هو الذي يدفع صاحبه الى تحدي الطبيعة، وازالة جدار الخوف.

2- التوكّل يزيل وساوس الشيطان من القلب، فالانسان يعيش بطبيعته هاجس الاوهام الداخلية في النفس؛ فتراه الى التشاؤوم اكثر ميلاً منه الى التفاؤل. وهذه الحالة نابعة من طبيعته الضعيفة؛ فتراه يميل الى الراحة، ويتجنب المشاق والصعاب، ويفر من المسؤولية، ويلجأ الى اساليب التبرير. التشاؤوم الذي يسيطر عليه هو احد  اساليب التبرير، فهو - مثلاً- يتشاءم من مكان ما او حدث ما او يوم ما،  او ربما من رقم ما او حركة طارئة. وقد اشار القرآن الكريم الى هذه الحقيقة، اذ قال: {قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ}. (سورة يس /18-19)

والغريب ان بعضاً من الناس غارقا في التشاؤوم حتى في الرؤى المستقبلية نحو الخير، فهو يبادر الى تفسير هذه الرؤى تفسيراً تشاؤميا؛ فحياتهم مليئة بالسلبيات من كل جوانبها، مما توقعهم في مستنقع التثبيط والخمول والكسل، بينما التوكل هو مبعث التفاؤل في النفوس؛ وعلى هذا فان التوكل على الله يزيل مثل هذه الصورة السلبية من المجتمع الانساني المؤمن. وهو مبعث الخير والازدهار. وهو السلاح الفعال الذي يقف في مواجهة أوهام الفشل وهواجسه. فحينما يعشعش وهم الفشل في عقلية الانسان الضعيف في ايمانه، فانه يمهد لنصف الفشل الحقيقي.

3- أما البعد الثالث في التوكل، يتمثل في ربط وشد قلب الانسان بقوة الرحمان وقدرته اللامحدودة. فالرافد قد يبقى صغيراً ولكنه يقوى ويعظم حين يتصل بالبحر الممتد مع الآفاق. وكذلك هو حال الانسان، فلا ريب انه مخلوق ضعيف في بنيته وكيانه، ومحدود في طاقاته. ولكن سرعان ما يقوى ويتسع في طاقاته وقدراته، وتتذلل امامه الصعاب من الامور، عندما يتصل ببارئه الأزلي الذي لا تحده حدود. ولا يمكن ان يتحقق هذا الاتصال الا بجسر التوكّل.

 

* التوكل يفتح الآفاق الخيرة

وعندما يتوكل الانسان على الله ويجعل كل ثقته به، فلابد وان تتفتح امامه الآفاق الخيرة؛ لينطلق في رحاب الحياة بتفاؤل ونشاط وحركة ومثابرة. ولابد ايضا ان تتفتح مواهبه العقلية وآفاقه الفكرية، ويتمتع بالرؤية السليمة في الحياة. فالذين آمنوا لموسى، عليه السلام، هم بعض قومه والفئة القليلة منهم. وهذه القلة التي آمنت كان ايمانها ممزوجاً بالخوف من فرعون وسطوته، والخشية من كبراء قومهم. وهنا يأتي الامتحان الالهي لقوم موسى على لسانه، عليه السلام، اذ قال تعالى: {وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ} (سورة يونس/84). ويتمثل هذا الامتحان في التوكل، فهو محك الايمان والعقيدة، بل وذاتهما المجسدة. فالانسان انما يثبت ايمانه من خلال التوكل على الله تعالى والتسليم له؛ وحينئذ لا يهاب المعضلات وقوى الكفر. فليس للانسان ان يدعي الايمان والتسليم؛ ان لم يكن يحمل روح التوكل على الله تعالى، والثقة به التي فيه الاقدام والشجاعة. فكان جواب تلك الثلّة المؤمنة القليلة: {فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنْ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}، (سورة يونس /85- 86). فهذه الكلمة (التوكل) التي هي أثقل ما في ميزان الجزاء يوم القيامة، عندما اذعنت لها قلوب مؤمنة صادقة؛ تتهاوى أمامها صخور المعضلات، وتذوب الصعاب، وتهون المشكلات، ومن ثم تتهاوى الاصنام والقوى الاستبدادية الجائرة. فعندما أقر المؤمنون من قوم موسى، بهذه الكلمة العظيمة، كانت البداية في السقوط الفرعوني، واندثار عهد الجور والطغيان، بعد زوال عقد الخوف واليأس والهزيمة النفسية.

 

* التوكل أم الاعتماد على الذات

جاءت الحضارة الحديثة بفكرة اخرى لتحرير طاقات الانسان للعمل. وهي الاعتماد على الذات. فكثيرا ما نسمع عبارات مثل: «الاعتماد على الذات» و»الاكتفاء الذاتي»، و»صنع المستقبل بإيدينا» وغيرها.. في حث الانسان ودفعه الى العمل. أما الرسالة فقد اهتمت بهذه الفكرة من خلال اهتمامها الكبير بالسعي الذي جعلته محور الحياة. الا ان فكرة «التوكل» هي اكبر فاعلية وقدرة على تفجير طاقات الانسان من فكرة السعي و الاعتماد على الذات؛ ذلك ان ايمان الانسان بطاقاته قد يكون ضعيفا، وثقته بنفسه قد تكون محدودة، بينما ثقة المؤمن بربه لا تحد، وايمانه بقدرته عظيم، فبينما يحتاج الفرد الى اختبار قدراته قبل ان يثق انه قادر على استخدامها، فان المؤمن لا يحتاج الى مثل ذلك؛ لانه يؤمن سلفاً بان الله لا يخلف وعده بالنصر له. والاعتماد المطلق على الذات، يشيع في القلب هاجس الغرور، بينما التوكل يقتل الغرور، ويحرق جذوره؛ ذلك لان المؤمن يعلم ان قواه وقدراته ليست له، انما هي من الله ؛ لذلك لا يعتمد عليها، ولا ينخدع بها،  ويبقى دائما يقضاً، لكي لا تذهب قدراته ان لم يحسن استغلالها. ولأن المؤمن يعلم ان الله هو الذي خوله طاقاته التي يملكها؛ فهو بسهولة يوجهها في سبيل الخير والاصلاح؛ لأنها ليست له وانما لله والله امره بذلك. بينما الذي يعتمد على ذاته قد يجد صعوبة نفسية في توجيه طاقاته الى سبل الخير والصلاح.

 

* التوكل سلاح المؤمن ضد الخوف

ويبقى سؤال مهم: ما هو دور التوكل في انهاض البشر، ودفعه الى السعي الدؤوب في تبني القيم التي امر الله تعالى بها؟

ان فكرة التوكل جاءت لتحارب هاجس الخوف الذي يشد البشر الى العبودية والاستسلام. فالتوكل على الله يعني نبذ الخوف من السلطان الجائر.. من العدو المتربص.. من الطبيعة المهيبة.. ومن كل شيء جديد.. من الجن والغول.. ومن سائر المشعوذين، ومن كيد المنافقين.. و.... ان القرآن وضع فكرة التوكل؛ لينسف الخوف، ويحرر الانسان من قيوده، ويدفعه قدما الى العمل. ففي موقف يتخاذل فيه الناس عن الرسالة ويخشى الرسول عليها فانه تعالى يوجهه الى التوكل فيقول: {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِي اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيم}. (سورة التوبة/129)

وفي موقف نرى فيه ان النبي نوح انما يتحدى كفار قومه دون ان يخشى جبروتهم بفضل سلاح التوكل على الله اذ يقول تعالى:{وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ}. (سورة يونس/71)

وعندما يأمر الاسلام بالسلم، ويخشى المسلمون من السلام ان يستغله اعداؤهم في الاعداد لهجوم غادر او لتحصين مواقعهم او وصول تعزيزات جديدة، فهنالك يكتنف الموقف خوف ظاهر، فتأتي فكرة التوكل لتبعدهم عن الخوف، وتساعد على اشاعة السلام، اذ قال تعالى: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}، (سورة الأنفال /61). وحين يأمر الاسلام بنبذ طاعة الكفار والمنافقين؛ فيخشى المؤمنون من مغبة التمرد، يقول تعالى: {وَلا تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً}. (سورة  الأحزاب/48)

فالتوكل اداة لنسف قواعد الخوف في الموقف المتأزم لكي لا يندفع الانسان في قرارات خاطئة او يستسلم للوضع الفاسد ؛خشية تغيره واصلاحه. والتوكل بالتالي سلاح للانسان يدافع به عن حريته في المواقف الصعبة. واذا ما يتحرر الانسان فانه يندفع للعمل وتتفجر طاقته البناءة.

ومن هنا يجدر بكل من يحمل راية العمل في سبيل الله ان يعتبر من ذلك كله، وألا تثبط عزيمته وسعيه الجهادي تلك التراجعات البسيطة، والتعثر المحدود في المسيرة.

وان حدث ذلك فيجب ألا يتحول الى تراجع نفسي خطير امام المشاكل والصعاب. وفي الوقت ذاته يجب الا يصيبنا الغرور عندما نجني بعض ثمار النصر؛ لان هذا النصر انما هو من الله تعالى وبقوته لا بقوة انفسنا وحولها.

ومادمنا واثقين من نصر الله وسلطانه اللامتناهي؛ فانه يجب ان لا ننهزم نفسيا عندما نتعرض لبعض النكسات، بل يجب ان نواصل العمل والجهاد؛ لأننا مؤمنون بالله ومتوكلون عليه. وهذا هو محك التوكل الحقيقي، وهو عدم الانهزام النفسي والروحي. وعلى هذا يجب ألا تموت هذه الروح فينا، وتغادر انفسنا حتى في أحلك الظروف، واقسى الحالات. فيجب ان يبقى أملنا بالله حيا وان كُبلنا بالأغلال، وقُطعنا بسيوف الحقد. فالذي يتوكل على الله حقا تهون امامه كل الصعاب ويعيش ويموت شجاعاً كريماً.


ارسل لصديق