نشر الوعي وهدية المثقف للجماهير
كتبه: أنور عزّالدين
حرر في: 2014/06/04
القراءات: 793

من البديهي ان يفكر المثقف بتعميق الوعي ونشر الثقافة الصحيحة بين الجماهير، لعلمه بأن الجهل والتسطيح وانتشار الظواهر السلبية والسلوكيات المنحرفة، لا تؤدي الى تحقيق السعادة، ولذا نراه يسعى لتبيين الحقائق الثابتة في الحياة والمعادلات المتغيرة، وربما يقدم تجاربه الثرية في مسيرة البحث عن الحقيقة لابناء جيله والاجيال القادمة، ليكون شمعة على طريق تقدم وتطور مجتمعه وأمته.

مهما حمل  المثقف من افكار ومفاهيم كبيرة وأصيلة ومعها تطبيقاتها العملية على ارض الواقع، من قبيل الحرية والعدل والمساواة وقيم انسانية نبيلة، فانه بحاجة الى عملية استقصاء للواقع الاجتماعي الموجود، فربما هنالك تشكلات للوعي والثقافة في الاذهان او ميول وانتماءات راسخة في النفوس مستمدة جذورها من تلكم الافكار الأصيلة، نظراً الى أن الحرية - مثلاً- هو مطلب إنساني قديم قبل ان يكون مشروعاً ثقافياً، كذلك مسألة «القيادة» او الولاء للفكرة او لشخص ما، فهذه كانت ملازمة للتفكير الانساني منذ الايام الاولى لوجود «أبو البشر»، نبي الله آدم، عليه السلام.

ومن المفيد ملاحظة التجربة الباهرة والرائدة للرسول الأكرم، صلى الله عليه وآله، في نشر رسالته السماوية، وما تحمل من قيم ومبادئ سامية، بين اوساط مجتمع جاهلي مطبق على القسوة والفضاضة، فكان تسليطه الضوء على النقاط الايجابية في عاداته وسلوكه وخصاله، وعموم منظومته الثقافية، فهو لم يهدم كل شيء، ليقدم ماعنده من بديل. إنما أجرى حالة تقويم وتسديد وإغناء بعض العادات الحسنة بالبعد الانساني والاخلاقي، لذا جاء هتافه: «إنما بُعثت لأتمم مكارم الاخلاق».

فقد نجد خصال مثل الشجاعة والكرم والنخوة وغيرها، لم يحاربها النبي لانها تسود في مجتمع جاهلي غير مؤهل لحمل هذه المفاهيم والقيم، بل تبناها وأضفى عليها الهدفية بما يساعد الشعوب والاجيال في المستقبل على تحقيق طموحاتها في السعادة والتطور، وهذا ما حصل فعلاً في العهود الاولى من تاريخ الاسلام. 

وفي الاوضاع الراهنة التي تعيشها شعوبنا، فانها تتوقع الكثير من الشريحة المثقفة لأن تساعدها في الوصول الى مراقي التطور والتقدم من خلال عملية إصلاح ما أفسده الآخرون في الاصعدة كافة. وإن اقتضى الأمر التغيير والبناء من جديد.

فقد شهدت الحقبة الماضية، الديكتاتورية والكبت والظلم في الجانب السياسي، كما شهدت حالة سلب او تشويه الهوية والتاريخ ومصادرة الحريات، وتطبيق المبدأ الفرعوني «لا أريكم إلا ما أرى»، ولعل هذا يعد من ابرز اسباب انفجار الغضب الجماهيري في البلاد العربية خلال السنوات الماضية، ونضع العراق، ضمن خارطة التغيير، على أنه السبّاق في مشروع التغيير، وحتى لا نكون ضمن المحدد الزمني الخاص باحداث ما يسمى بـ «الربيع العربي».

إذن؛ فالحديث عن حرية التعبير والرأي والعقيدة، والعدالة والانصاف والكرامة الانسانية، ليست بالمفاهيم الجديدة التي يسمعها الناس، فهم يعيشون ضنك حرمانها وآثار استلابها، إنما هم بحاجة الى تأصيل وتكريس، والاهم؛ إشراكهم في ايجاد التطبيقات العملية للحرية والعدالة والمساواة وغيرها، لانهم هم المعنيون بالدرجة الاولى بالطريقة والآلية التي تطبق فيها تلكم المفاهيم. فالحرية اذا كان لها تطبيقاتها في الغرب المسيحي، فان لها تطبيقات أخرى في الشرق المسلم، وهذا أمر لا اعتقد يماري فيه أحد.

وهنالك تجارب عديدة في بلادنا الاسلامية جرت فيها محاولات تجديد وأحياء للمطالب الانسانية، في مقدمتها الحرية، التي بشرت بها الشريحة المثقفة، بيد أن المشكلة برزت عندما تحولت هذه الحرية الى محور نشاط هذه الشريحة، وتحولت الوسيلة الى هدف، كما لو ان هذا المفهوم وغيره، من المكتشفات الجديدة للناس، فلا يجب أحد المساس به.

وكانت النتيجة، اصطدام هذه القيمة المقدسة والسامية، مع هوية وانتماء المجتمع، وظهرت حقيقة جديدة على السطح، وهي ان الصراع هذه المرة ليس بين الجهة الحاكمة التي تحاول دائماً تقييد الحريات وتحجيم المطالب الجماهيرية بشكل عام، إنما بين النخبة المثقفة وبين الموروث الاجتماعي والهوية الثقافية للمجتمع، الامر الذي أبعد المشروع الثقافي عن طريقه الصحيح.

وبالنسبة للوضع في العراق، يبدو تعميق الوعي ونشر الثقافة الأصيلة في المجتمع، يُعد ضرورة حياتية وحضارية، بسبب حالة اليأس والاحباط السائدة، مما يحملنا مسؤولية مساعدة المجتمع على تجاوز هذه الحالة غير الصحيّة، من خلال خلق أجواء سليمة يستنشق الناس فيها الثقافة والوعي بعيداً عن أي نوع من انواع الإلغاء والإقصاء.


ارسل لصديق