الرسول الاكرم: التواضع في قوة الشخصية
كتبه: العلامة الشيخ محمد علي المحفوظ
حرر في: 2014/06/05
القراءات: 805

هل يمكن للإنسان أن يفكر تفكيراً واحداً إذا عاش في وضعين مختلفين؟ مثلاً؛ عندما يعيش في كوخ أو عندما ينتقل إلى قصر؟ عندما يتغير حاله من الفقر إلى الغنى - مثلاً -؟

 

* هناك جوابان بطبيعة الحال:

الأول: لا يمكن أن يبقى الإنسان على نفس التفكير، فالبعض يعد أن للساكن في القصر منطقه، وللساكن في الكوخ منطق آخر.

الثاني: نعم؛ يمكن ذلك، فعلى الرغم من أن الكثير يتأثرون بوجود المال وتغير الظروف، لن تكون هذه قاعدة تعمّ الجميع.

وفي قمة التجسيد، والنموذج الأمثل يأتي رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، الذي تتمثل فيه كل فضائل الخير والصلاح والأخلاق.

فالرسول، صلى الله عليه وآله، الذي كان محاصراً في شعب أبي طالب مع رهط من أصحابه، لا يصل إليهم طعام وليس لديهم إلا القليل من الماء وتعوزهم حاجات أخرى كثيرة، هذا النبي، نفسه يصل إلى السنة العاشرة من الهجرة، حيث تُحسب له دول العالم حساباً، ويستشعرون بخطورة وجوده، فجزيرة العرب ليست وحدها التي تقع برمتها تحت سيطرته ونفوذه، بل إن سياسيي العالم يتنبؤون بانتشار تلك القوة قريباً إلى خارج جزيرة العرب ووصولها إليهم.

 ولكن مع كل ذلك فالنبي محمد، صلى الله عليه وآله، بعد عشر سنوات من الهجرة، هو نفسه في السنة العاشرة بعد البعثة، لم يختلف في الحالتين قيد شعرة.

وعندما يحضر أعرابي من البادية يوماً للقاء النبي، صلى الله عليه وآله، ولكنه ما أن يراه حتى يتلعثم رهبة من هيبة النبي، صلى الله عليه وآله، فيأخذه، ويقول له بصوت متواضع حنون: «هوّن عليك فما أنا إلا ابن امرأة كانت تأكل القديد».

إن هناك البعض من الناس لهم سيرتهم ومنطقهم العملي ومعاييرهم التي لا يتنازلون عنها، أي أن الظروف الاجتماعية والوضع الاقتصادي والتصنيف الطبقي وغيرها، غير قادرة على ثنيهم عن مبادئهم. وفي طليعة هؤلاء، مربيهم وملهمهم يأتي رسول الله، صلى الله عليه وآله، ومن رباهم على سيرته، مثل علي والحسن والحسين، عليهم السلام، ومثل سلمان وأبي ذر الغفاري. لقد جاء في وصف المؤمن أنه كالجبل الراسخ لا تحركه العواصف.

فما الذي يمكن أن يؤثر في الإنسان؟

يشير ربنا -عزّ وجل- إلى هذه الحقيقة فيقول سبحانه وتعالى: {وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} (سورة الحج/11). فكيف يمكن للإنسان أن يقاوم هذه الإغراءات والتحدّيات؟

هنا يطرح الإمام علي، عليه السلام، منهاجاً حياتياً يستمده من القرآن الكريم، فيقول كلمة في وصف الزهد ليس أجمع منها ولا أدق: «الزهد بين كلمتين في القرآن، { لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ }» (سورة الحديد/23).

وقد كان الرسول، صلى الله عليه وآله، زاهداً في حلال الدنيا، وعندما نزل عليه الوحي ورجع إلى الدار، وبعد أن فرشت له خديجة ،عليها السلام، الفراش وإذا به يطوي جانباً من الفراش وهو يقول : لقد ولّى عهد النوم يا خديجة.

ثم التحق رسول الله، صلى الله عليه وآله، بالرفيق الأعلى، وما شبع من بر الشعير قط، ولو شاء لفعل، هذا زهده في الطعام، أما زهده في الانتصار، فإنه عندما فتح مكة دخل مطأطأ الرأس و رأسه على عنق الناقة تواضعاً.

إن من الأوصاف التي أجمع الرواة على نقلها عنه، صلى الله عليه وآله، قولهم: «كان رسول الله، خفيف المؤونة جميل المعاشرة».

فالقوة التي أعطاها الله عز وجل لأنبيائه ورسله كامنة في أنفسهم و أرواحهم، فقد أودع الله عز وجل في داخلهم قوة العقل والتصميم والإرادة، بالإضافة إلى قناعة تغنيهم عن الحاجة، فهناك شخص، بما عنده من ثروة يملأ العيون، وثمة شخص بما ليس عنده من ثروة، ولكن بما عنده من قناعة، يملأ العيون أيضاً، فالأنبياء يملأون العيون بكونهم لا يملكون ولا يحتاجون، إنهم ليسوا ممن يقول عندي الأرض الفلانية والدار الفلانية، ويسير خلفي كذا عدد من الخدم والعبيد والخيل وما أشبه.

إطلاقاً؛ لم يكن ثمة شيء من هذا الجلال والجبروت في الأمر، كان الأنبياء يعيشون في منتهى البساطة، ولكنها بساطة تذهل المتكبرين والمتجبرين.

ولذلك يقول الإمام علي ،عليه السلام، في صفة الأنبياء: «..ولكن الله سبحانه جعل رسله أولي قوة في عزائمهم وخفة فيما ترى الأعين من حالاتهم..» ولكن - يضيف الإمام عليه السلام-: «مع قناعة تملأ القلوب والعيون غنى، وخصاصة تملأ الأبصار والأسماع أذى».

إن الأنبياء كانوا يحيون حياة بسيطة وفي تلك البساطة كانت سيادتهم الإلهية، لقد كانوا يملأون العيون لا بالجلال الزائل والمظاهر الخلابة، بل بالجلال المعنوي الذي هو صنف البساطة.

يقول رسول الله ،صلى الله عليه واله: «لقد هبط عليّ ملك من السماء ما هبط على نبي قبلي ولا يهبط على أحد بعدي، وهو اسرافيل وعندي جبرائيل، فقال: السلام عليك يا محمد.. ثم قال: أنا رسول ربك إليك أمرني أن أخيّرك إن شئت نبياً عبداً، وإن شئت نبياً ملكاً؟ فنظرت إلى جبرائيل فأومأ جبرائيل إليّ أن تواضع، فقلت: نبياً عبداً».

لذلك، كان الرسول، صلى الله عليه وآله، أشد ما يكون نفوراً من المظاهر والأبهة، فمثلاً عندما يمشي في الطريق لم يكن يسمح لأصحابه بالمشي خلفه، وإذا كان راكباَ، كان يطلب ممن يرافقه راجلاً أن يتقدمه بمشوار أو أن يتأخر عنه بمشوار، أو يردفه خلفه، لأنه لم يكن يرتضي أن يكون راكباً وماشيه راجل، وفي المجالس كان يتخذ مجلسه بحيث لا يكون للمجلس صدر وذيل، وهكذا كان الإمام علي، عليه السلام، في أيام خلافته.

يُقال إن الإمام عليّاً ،عليه السلام، عندما وصل إلى أرض إيران جاء إليه عدد من الناس لاستقباله وراحوا يركعون أمامه، فسأل الإمام علي، عليه السلام، عما يفعل هؤلاء، فقيل ضرب من الاحترام والتكريم نبديه عادة لعظمائنا، فقال الإمام علي، عليه السلام،: إنكم بهذا تحقرون أنفسكم وتضعون من قدرها دون ذرة من الفائدة لذلك العظيم، فاتركوا هذا، إنني أبرأ من أمثال هذا التكريم، إنكم بشر وأنتم أحرار وأنا مثلكم من البشر، فلا تفعلوا هذا ثانية.

يقول الإمام الباقر ،عليه السلام، عن رسول الله ،صلى الله عليه وآله، أنه قال: «خمس لا أدعهن حتى الممات: الأكل على الحضيض مع العبيد، و ركوبي الحمار من غير سرج، وحلبي العنز بيدي، ولبس الصوف والسلام على الصبيان، لتكون سنة بعدي». ومع ذلك فقد كان أصحاب الرسول، صلى الله عليه وآله، يتسابقون لأخذ الماء الذي يتناثر عند وضوئه، لكي يتبركوا به، ومع أنه كان يعيش فيهم كأحدهم، إلا أن له هيبة وجلالاً عند أصحابه، وهذه البساطة هي التي تذهل المتكبرين والمتجبرين، فترك، صلى الله عليه وآله، أثراً لا يُضاهى على كل البشر حتى يومنا الحاضر وإلى يوم القيامة.

ولك أن تتصور أن هذا القبر الذي يرقد فيه النبي العظيم، والذي يؤمه الملايين من الناس، لكي يتبركوا بإلقاء نظرة عليه.. هذا القبر هو نفس البيت الذي عاش فيه رسول الله، صلى الله عليه وآله، وهو عبارة عن حجرة صغيرة، يقول عمر ابن الخطاب: دخلت على رسول الله، فرأيت غرفة مفروشة بحصير من خوص النخل، وكان الحصير من الخشونة، بحيث كان قد أثّر في جسم رسول الله، فأزعجني ذلك، فقلت: يا رسول الله.. ما الذي يدعوك إلى هذا وأنت رسول الله، ويغرق الأكاسرة والقياصرة في النعيم؟! فنهض النبي، صلى الله عليه وآله، من مكانه غضباً، وقال أتحسب أن ما عند أولئك نعمة أنا محروم منها؟ والله ذلك كله سيكون من نصيب المسلمين، ولكن ليس مدعاة للفخر.

 كم نحن بحاجة للاستفادة من هذه السيرة الرائعة، وهذا الجلال الإلهي، من أجل حياة سامية..! إنها دعوة للتأسّي و الإقتداء والتعلم من الفخر العرفاني، لهذا الرسول العظيم، حيث يقول الله عز وجل: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً} ( سورة الاحزاب/21).


ارسل لصديق